- استشهاد الأمراء الثلاث تباعا، وتأمير الناس خالد بن الوليد

9 paragraphs · vol. 4, p. 462

  1. بأمره فنمضي له، فشجَّع الناسَ عبدُ الله بن رواحة وقال: يا قومِ، والله إن الذي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظفر وإما شهادة.

    vol. 4, p. 462
  2. فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع بقريةٍ يقال لها «مشارف» ، فدنا العدو وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها فتعبَّى المسلمون ثم اقتتلوا، والراية في يد زيد بن حارثة، فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم وخرَّ صريعًا، فأخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل حتى قُتِل، فكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام عند القتال، فقطعت يمينه فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره فاحتضن الراية حتى قُتِل، وله ثلاث وثلاثون سنةً.

  3. ثم أخذها عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعضَ التردد ثم نزل، فأتاه ابنُ عم له بعرق من لحم فقال: شُدَّ بها صلبك فإنك قد لقيتَ أيامك هذه ما لقيت، فأخذها من يده فانتهس منها نهسةً ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا؟! ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قُتِل.

  4. ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني عجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجلٍ منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانصرف بالناس (١) .

  5. وقد ذكر ابن سعد (١) أن الهزيمة كانت على المسلمين، والذي في «صحيح البخاري» (٢) أن الهزيمة كانت على الروم. والصحيح ما ذكره ابن إسحاق (٣) أن كل فئة انحازت عن الأخرى.

    vol. 4, p. 463
  6. وأطلع اللهُ سبحانه على ذلك رسولَه من يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه وقال: «لقد رُفعوا إليَّ في الجنة فيما يرى النائم على سُرُر مِن ذهب، فرأيت في سرير عبد الله ازوِرارًا عن سريرِ (٤) صاحبَيه، فقلت: عمَّ هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى» (٥) .

  7. وذكر عبد الرزاق (١) عن ابن عيينة عن ابن جُدعان عن ابن المسيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مُثِّل لي جعفرٌ وزيد وابن رواحة في خيمةٍ من دُرٍّ، كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابنَ رواحة في أعناقهما صدودًا (٢) ، ورأيت جعفرًا مستقيمًا ليس فيه صدود»، قال: «فسألت أو قيل لي: إنهما حين غشيهما الموتُ أعرضا ــ أو: كأنهما صدَّا بوجوههما (٣) ــ، وأما جعفر فإنه لم يفعل».

    vol. 4, p. 464
  8. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جعفر: «إن الله أبدله بيدَيه جناحَين يطير بهما في الجنةِ حيث شاء» (٤) .

    vol. 4, p. 465قال أبو عمر (١) : ورُوِّينا عن ابن عمر أنه قال: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبه وما أقبل منه تسعين جراحةً ما بين ضربةٍ بالسيف وطعنةٍ بالرمح.

    وقال موسى بن عقبة (٢) : قدم يعلى بن مُنْية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن شئتَ فأخبِرْني، وإن شئتَ أخبرتُك» ، قال: فأخبرني يا رسول الله، فأخبره - صلى الله عليه وسلم - خبرهم كلَّه ووصفهم له، فقال: والذي بعثك بالحق ما تركتَ من حديثهم حرفًا واحدًا لم تذكره، وإن أمرَهم لكما ذكرت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله رفع لي الأرض حتى رأيتُ معتركهم» .

  9. واستشهد يومئذ: جعفر، وزيد بن حارثة، وابن رواحة، ومسعود بن الأوس، ووهب بن سعد بن أبي سرح، وعباد بن قيس، وحارث (٣) بن النعمان، وسراقة بن عمرو بن عطية، وأبو كليب وجابر ابنَي (٤) عمرو بن زيد، وعمرو وعامر ابنَي سعد (٥) بن الحارث، وغيرهم.