فصل: قصة إسلام ثقيف وقدوم وفدهم بعد غزوة تبوك
10 paragraphs · vol. 4, p. 623
- vol. 4, p. 623
واستشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطائف جماعة (١) ، ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطائف إلى الجِعرانة (٢) ، ثم دخل منها مُحرِمًا بعمرةٍ فقضى عمرتَه ثم رجع إلى المدينة (٣) .
-
فصل
قال ابن إسحاق (٤) : وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفدُ ثقيفٍ، وكان من حديثهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف عنهم اتَّبع أثره عروةُ بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ كما يتحدث قومه (٥) ــ: «إنهم قاتلوك» وعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن فيهم نخوةَ الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أَحبُّ إليهم مِن أبكارهم، وكان فيهم كذلك محبَّبًا مُطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عِلِّيَّةٍ له (٦) وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنَّبل من كلِّ وجه، فأصابه سهم
vol. 4, p. 624فقتله، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قُتلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: «إن مَثَله في قومه كمَثَلِ صاحب يس في قومه» (١) .
-
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحربِ مَن حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا كما أرسلوا عروة، فكلَّموا عبدَ ياليلَ بن عمرو بن عمير ــ وكان سِنَّ عروة بن مسعود ــ وعرضوا عليه ذلك، فأبى أن يفعل وخشي أن يُصنع به إذا رجع (٢) كما صنع بعروة، فقال: لستُ فاعلًا حتى ترسلوا معي رجالًا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثةً من بني مالك (٣) فيكونون ستةً، فبعثوا معه الحكمَ بنَ عمرِو بن وهبٍ وشرحبيلَ بن غيلان، ومن بني مالك: عثمانَ بن أبي العاص وأوسَ بن عوفٍ ونمير (٤) بن خرشة، فخرج بهم فلما دَنَوا من المدينة ونزلوا قناةَ (٥)
- vol. 4, p. 625
ألْفَوا بها المغيرة بن شعبة، فاشتد ليبشِّر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر فقال له: أقسمتُ عليك لا تسبقني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أكونَ أنا أحدِّثه، ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة على (١) أصحابه فروَّح الظهرَ معهم وعلَّمهم كيف يُحيُّون رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب عليهم قبةً في ناحية مسجده كما يزعمون.
-
وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكانوا لا يأكلون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يأكلَ منه خالد حتى أسلموا.
-
وقد كان فيما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم، فما برحوا يسألونه سنةً سنةً ويأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمًّى، وإنما يريدون بذلك ــ فيما يُظهرون ــ أن يَسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريِّهم، ويكرهون أن يروِّعُوا قومهم بهدمها حتى يَدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها (٢) .
-
وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا
vol. 4, p. 626أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» (١) .
-
فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان مِن أحدثهم سِنًّا، وذلك أنه كان مِن أحرصهم على التفقُّه في الإسلام وتعلُّم القرآن (٢) .
-
فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله
vol. 4, p. 627بذي الهَرْم (١) فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمِعول وقام دونه بنو مُعتِّب (٢) خشية أن يُرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيفٍ حُسَّرًا يبكين عليها، ويقول أبو سفيان ــ والمغيرة يضربها بالفأس ــ: واهًا لكَ واهًا لكَ (٣) ! فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليَّها أرسل إلى أبي سفيان مجموعَ مالِها من الذهب والفضة والجَزْع (٤) .
-
وقد كان أبو مليح بن عروةَ وقاربُ بن الأسود قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفد ثقيف حين قُتل عروة يريدان فراقَ ثقيفٍ وأن لا يُجامعاها (٥) على شيء أبدًا فأسلما، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «توَلَّيا من شئتما» ، فقالا: نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وخالَكما أبا سفيان بن حرب» ، فقالا: وخالنا أبا سفيان (٦) .