فصل في مسابقته صلى الله عليه وسلم على الأقدام وخدمة نفسه وهديه في التداوي
12 paragraphs · vol. 2, p. 168
- vol. 2, p. 168
وكان - صلى الله عليه وسلم - يستثني في يمينه تارةً، ويكفِّرها تارةً، ويمضي فيها تارةً. والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تحُلُّها بعد عقدها، ولهذا سمَّاها الله تعالى تَحِلَّةً (١) .
-
وكان - صلى الله عليه وسلم - يمازح ويقول في مزاحه الحقَّ. ويورِّي ولا يقول في توريته إلا الحقَّ، مثل أن يريد وِجهةً يقصدها، فيسأل عن غيرها كيف طريقها؟ وكيف مياهها ومسلكها ونحو ذلك؟
-
وكان يشير، ويستشير.
-
وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم.
-
وسمع مديحَ الشعراء، وأثاب عليه. ولكن ما قيل فيه من المديح فهو جزء يسير جدًّا من محامده، وأثاب على الحق؛ وأما مدحُ غيره من الناس فأكثرُ ما يكون بالكذب، فلذلك أمَر أن يُحْثَى في وجوه المدَّاحين التراب (٢) .
-
فصل
وسابقَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه على الأقدام، وصارَعَ (٣) .
- vol. 2, p. 169
وخصَف نعله بيده، ورقَّع ثوبَه بيده، ورقَّع دلوَه، وحلَب شاته، وفلَى ثوبه، وخدَم أهلَه ونفسَه، وحمل معهم اللَّبِنَ في بناء المسجد.
-
وربَط على بطنه الحجرَ من الجوع تارةً وشبِع تارةً، وضاف وأضاف.
-
واحتجم في وسط رأسه، وعلى ظهر قدمه. واحتجم في الأخدعين، والكاهل وهو بين الكتفين (١) .
-
وتداوى، وكوى ولم يكتوِ، ورقَى ولم يستَرْقِ. وحمَى المريض مما يؤذيه.
-
وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادَّة المُضِرَّة. وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاث مواضع (٢) من كتابه: فحمى المريض من استعمال الماء خشيةَ الضرر، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: ٤٣] ، فأباح التيمُّمَ للمريض حميةً له (٣) ، كما أباحه للعادم.
vol. 2, p. 170وقال في حفظ الصحة: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] ، فأباح للمسافر في رمضان الفطرَ حفظًا لصحته لئلا يجتمع على قوَّته الصومُ ومشقَّةُ السفر، فتضعفَ القوة، وتهِنَ الصحة (١) .
وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمُحْرِم: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: ١٩٦] ، فأباح للمريض أو من به أذًى من رأسه وهو محرِم، أن يحلق رأسه، فيستفرغ الموادَّ الفاسدةَ والأبخِرة الرديَّة (٢) التي يتولَّد عليها (٣) القَمْلُ، كما حصل لكعب بن عُجْرة (٤) أو تُولِّد عليه المرضَ.
-
وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كلِّ جنس منها سببًا (٥) وصورةً منبِّهًا بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم، وحفظ صحَّتهم، واستفراغ موادِّ أذاهم، رحمةً بعباده، ولطفًا بهم، ورأفةً بهم (٦) . وهو الرؤوف الرحيم (٧) .