- خلاف الفقهاء في المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها أتم الصلاة

7 paragraphs · vol. 4, p. 705

  1. فقيل: ذلك لأجل النسك كما قاله أبو حنيفة، وقيل: لأجل السفر الطويل كما قاله الشافعي وأحمد (١) ، وقيل: لأجل الشغل وهو اشتغاله بالوقوف واتِّصالُه إلى غروب الشمس. قال أحمد (٢) : يجمع للشغل، وهو قول جماعة من السلف والخلف، وقد تقدم.

    vol. 4, p. 705
  2. ومنها: جواز التيمُّم بالرمل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك ولم يحملوا معهم ترابًا بلا شك، وتلك مفاوز مُعطِّشة شَكَوا فيها العطش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقطعًا كانوا يتيممون بالأرض التي هم نازلون فيها؛ هذا كلُّه مما لا شك فيه، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فحيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُه وطهوره» (٣) .

  3. ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك عشرين يومًا يَقصُر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر رجلٌ الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفق إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تَخرج عن حكم السفر سواءٌ طالت أو قصرت إذا كان غيرَ مستوطنٍ ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع.

  4. وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافًا كثيرًا، ففي «صحيح البخاري» (٤) عن ابن عباس قال: «أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره تسع

    vol. 4, p. 706عشرة يصلي ركعتين، فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا». وظاهر كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح، فإنه قال (١) : «أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثمان عشرة زمن الفتح، لأنه أراد حُنينًا ولم يكن ثَمَّ إجماعُ المُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس» . وقال غيره: بل أراد ابن عباس مُقامَه بتبوك، كما قال جابر بن عبد الله: «أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة» . رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢) .

    وقال المسور بن مخرمة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلةً يَقصُرها سعد ونُتِمُّها (٣) .

    vol. 4, p. 707وقال نافع: أقام ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول (١) .

    وقال حفص بن عبيد الله: أقام أنس بن مالك بالشام سنتين (٢) يصلي صلاة المسافر (٣) .

    vol. 4, p. 708وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصرون الصلاة (١) .

    وقال الحسن: أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بِكابُلَ سنتين يَقْصُر الصلاة ولا يُجَمِّع (٢) .

    وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالرَّي السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنتين (٣) .

  5. فهذا هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كما ترى وهو الصواب.

  6. وأما مذاهب الناس، فقال الإمام أحمد (٤) : إذا نوى إقامة أربعة أيام أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم

    vol. 4, p. 709يُجمعوا الإقامةَ البتة بل كانوا يقولون: اليوم نخرج، غدًا نخرج. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة ـ وهي ما هي ـ وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويُمهِّد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتَّى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطعًا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يُوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلَّل ويذوب في أربعة أيام بحيث تنفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برَامَهُرْمُزَ سبعة أشهر يقصرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يُعلَم أنه لا ينقضي في أربعة أيام، وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد عدوٍّ أو حبس سلطانٍ أو مرضٍ قصر، سواءٌ غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عملِ الصحابة فقالوا: شرطُ ذلك احتمالُ انقضاء حاجته في المدة التي لا تَقطع حكمَ السفر وهي ما دون الأربعة أيامٍ (١) ، فيقال: من أين لكم هذا الشرط؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أقام زيادةً على الأربعة أيام يَقصُر بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئًا، ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعةٍ (٢) ،

    وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة

    vol. 4, p. 710إقامته، فلم يقل لهم حرفًا واحدًا (١) : لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيانُ هذا من أهمِّ المهمات، وكذلك (٢) اقتدى الصحابةُ به بعدَه ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئًا من ذلك.

    وقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامةَ أربعةِ أيامٍ أتم وإن نوى دونها قصر (٣) .

    وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وهو مذهب الليث بن سعد (٤) . وروي عن ثلاثة من الصحابة: عمر وابنه وابن عباس (٥) .

    وقال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا، وعنه كقول أبي حنيفة (٦) .

    وقال علي بن أبي طالب: إن (٧) أقام عشرًا أتم. وهو رواية عن

    vol. 4, p. 711ابن عباس (١) .

    وقال الحسن: يقصر ما لم يقدم مِصرًا (٢) .

    وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد (٣) .

  7. والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءَها يقول: اليوم أخرج، غدًا أخرج= فإنه يقصر أبدًا، إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر (٤) ولا يقصر بعدها (٥) . وقد قال ابن المنذر في «إشرافه» (٦) : أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجْمِع إقامةً وإن أتى عليه سنون.