فصل: من عظم مخلوقا فأخرجه عن منزلة العبودية فقد أشرك بالله

17 paragraphs · vol. 4, p. 811

  1. بجدالهم بالتي هي أحسن في السور المكية والمدنية (١) ، وأمره أن يدعوهم بعد ظهور الحجة إلى المباهلة. وبهذا قام الدين، وإنما جُعل السيف ناصرًا للحجة، وأعدل السيوف سيفٌ ينصر حجج الله وبيناتِه، وهو سيف رسوله وأمته.

    vol. 4, p. 811
  2. فصل

    ومنها: أن مَن عظَّم مخلوقًا فوق منزلته التي يستحقها بحيث أخرجه عن منزلة العبودية المحضة، فقد أشرك بالله وعبَدَ مع الله غيره، وذلك مخالف لجميع دعوة الرسل.

  3. وأما قوله: إنه - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى نجران: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب» ، فلا أظن ذلك محفوظًا، وقد كتب إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وهذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال: «وذلك قبل أن يُنزل الله عليه (٢) : (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (٣) )» (٤) . وذلك غلط على غلط، فإن هذه

    vol. 4, p. 812السورة مكية باتفاق، وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك.

  4. وفيها: جواز إهانة رسل الكفار وترك إكرامهم (١) إذا ظهر منهم التعاظم والتكبر، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكلِّم الرسل ولم يردَّ السلام عليهم حتى لبسوا ثياب سفرهم وألقَوا حُلَلهم وحِلاهم.

  5. ومنها: أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا بل أصرُّوا على العناد أن يُدعَوا إلى المباهلة. وقد أمر الله سبحانه بذلك رسولَه ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك، ودعا إليه ابن عمِّه عبد الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض مسائل الفروع (٢) ولم يُنكِر عليه الصحابة، ودعا إليه الأوزاعيُّ سفيانَ الثوريَّ في مسألة رفع اليدين (٣) ولم ينكر عليه ذلك؛ وهذا من تمام الحجة.

  6. ومنها: جواز صلح أهل الكتاب على ما يريد الإمام من الأموال مِن الثياب وغيرها، ويجرى ذلك مجرى ضرب الجزية عليهم، فلا يحتاج إلى أن يُفرِد كلَّ واحدٍ منهم بجزية، بل يكون ذلك المال جزيةً عليهم يقتسمونها كما أحبُّوا.

  7. ولما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا (٤) . والفرق بين الموضعين أن أهل نجران لم يكن فيهم مسلم، وكانوا أهلَ صلحٍ، وأما اليمن فكانت دارَ إسلامٍ وفيهم يهود، فأمره أن يضرب الجزية على كل واحد

    vol. 4, p. 813منهم. والفقهاء يخصون الجِزية بهذا القسم دون الأول، وكلاهما جزية، فإنه مال مأخوذ من الكفار على وجه الصَّغار في كل عام.

  8. وفيها: جواز ثبوت الحلل في الذمَّة، كما تثبت في الدية أيضًا (١) . وعلى هذا فيجوز ثبوتها في الذمة بعقد السَّلَم وبالضمان وبالتَّلَف، كما تثبت فيها بعقد الصَّداق والخُلع.

  9. ومنها: أنه يجوز معاوضتهم على ما صالحوا عليه من المال بغيره من أموالهم بحسابه.

  10. ومنها: اشتراط الإمام على الكفار أن يؤووا رسله ويُكرموهم ويضيفوهم أيامًا معدودةً.

  11. ومنها: جواز اشتراطه عليهم عارية ما يحتاج المسلمون إليه من سلاح أو متاع وحيوان (٢) ، وأن تلك العارية مضمونة، لكن هل هي مضمونة بالشرط أو بالشرع؟ هذا محتمِل، وقد تقدم الكلام عليه في غزوة حنين (٣) ، وقد صرَّح هاهنا بأنها مضمونة بالرد، ولم يتعرض لضمان التلف.

  12. ومنها: أن الإمام لا يقرُّ أهل الكتاب على المعاملات الربوية، لأنها حرام في دينهم. وهذا كما لا يقرُّهم على السُّكر ولا على اللواط والزنا، بل يحدُّهم على ذلك.

  13. ومنها: أنه لا يجوز أن يؤخذ من الكفار رجلٌ بظلمِ آخرَ، كما لا يجوز ذلك في حق المسلمين وكلاهما ظلم.

    vol. 4, p. 814
  14. ومنها: أن عقد العهد والذمة مشروط بنصح أهل العهد والذمة وإصلاحهم، فإذا غشُّوا المسلمين وأفسدوا (١) فلا عهد لهم ولا ذمة. وبهذا أفتينا نحن وغيرنا في انتقاض عهدهم لما حرَّقوا الحريق العظيم في دمشق حتى سرى إلى الجامع، وبانتقاض عهد من واطأهم وأعانهم بوجهٍ ما، بل ومن علم ذلك ولم يرفعه إلى ولي الأمر؛ فإن هذا من أعظم الغش والضرر بالإسلام والمسلمين (٢) .

  15. ومنها: بعث الإمام الرجل العالِم إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام، وأنه ينبغي أن يكون أمينًا، وهو الذي لا غرض له ولا هوى، وإنما مراده مجرَّد مرضاة الله ورسوله لا يشوبها بغيرها؛ فهذا هو الأمين حقَّ الأمين، كحال أبي عبيدة بن الجراح.

  16. ومنها: مناظرة أهل الكتاب وجوابهم عمَّا سألوه عنه، فإن أشكل على المسؤول سأل أهل العلم.

  17. ومنها: أن الكلام عند الإطلاق يُحمَل على ظاهره حتى يقوم دليل على خلافه، وإلا لم يشكل على المغيرة قوله تعالى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} [مريم: ٢٨] ، هذا وليس في الآية ما يدل على أنه هارون بن عمران حتى يَلزم الإشكال، بل المُورِد ضمَّ إلى هذا أنه هارون بن عمران، ولم يكتفِ بذلك