فصل: كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ملك عمان جيفر بن الجلندى وأخيه

4 paragraphs · vol. 4, p. 876

  1. وكتب إلى المُنْذر بن ساوى، فذكر الواقدي (١) بإسناده عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنَسَختُه فإذا فيه: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب المنذر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أما بعد، يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحبَّ الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدِثْ إليَّ في ذلك أمرك» .

    vol. 4, p. 876
  2. فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى. سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإني أُذكِّرُك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يُطِعْ رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا، وإني قد شَفَّعتُك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوتُ عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تُصلح فلن نَعزِلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية» .

  3. فصل

    وكتب إلى ملك عُمان وبعثه مع عمرو بن العاص: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى جَيْفَرٍ وعبدٍ ابني الجُلَنْدى. سلام على من

    vol. 4, p. 877اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافَّةً لأُنذر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، وإنَّكما إن أقررتُما بالإسلام ولَّيتكما، وإن أبيتُما أن تُقرَّا بالإسلام فإن مُلككما زائل عنكما وخيلي تحلُّ بساحتكما وتظهر نبوَّتي على ملككما. وكتب أبيُّ بن كعب، وختم الكتاب».

    قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عُمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبدٍ وكان أحلمَ الرجلين وأسهلهما خلقًا فقلت: إني رسولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المُقدَّمُ عليَّ بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عُبد من دونه، وتشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

    قال: يا عمرو، إنك ابنُ سيِّدِ قومك، فكيف صنع أبوك فإنَّ لنا فيه قدوةً؟ قلت: مات ولم يؤمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ووددت أنه كان أسلم وصدَّق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت (١) : قريبًا، فسألني أين كان إسلامك؟ فقلتُ: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقرُّوه واتَّبعوه، قال: والأساقفة والرُّهبان تبعوه؟ قلت: نعم، قال: انظر يا عمرو ما تقول! إنه ليس من خصلة في رجل أفضحَ له من كذب، قلتُ: ما كذبتُ وما نستحلُّه في ديننا.

    ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك؟

    vol. 4, p. 878قلت: كان النجاشي يُخرج له خَرْجًا، فلما أسلم وصدق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قال: لا والله، لو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيتُه، فبلغ هرقل قولُه فقال له يناق أخوه: أتدع عبدك لا يُخرج لك خرجًا ويدين دينًا محدَثًا؟ قال هرقل: رجل رغب في دينٍ فاختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضَّنُّ (١) بملكي لصنعتُ كما صنع. قال: انظر ما تقول يا عمرو! قلت: والله صَدَقتُك.

    قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشُرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسنَ هذا الذي يدعو إليه! لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمدٍ ونصدِّق به، ولكن أخي أَضَنُّ بملكه من أن يدعه ويصير ذَنَبًا، قلت: إنه إن أسلم ملَّكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قومه، فأخذ الصدقة من غنيِّهم فردَّها على فقيرهم، قال: إن هذا لخلق حسن، وما الصدقة؟ فأخبرتُه بما فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل، فقال: يا عمرو، وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وتَرِد المياه؟ فقلت: نعم، فقال: والله ما أرى قومي في بُعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا.

    قال: فمكثتُ ببابه أيامًا وهو يصل إلى أخيه فيخبره كلَّ خبري، ثم إنه دعاني يومًا فدخلتُ عليه فأخذ أعوانه بضَبْعيَّ، فقال: دعوه، فأُرسِلتُ، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه فقال: تكلَّم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختومًا ففضَّ خاتمه [فقرأه] (٢) حتى انتهى إلى آخره،

    vol. 4, p. 879ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثلَ قراءته، إلا أني رأيت أخاه أرقَّ منه قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه إمَّا راغبٌ في الدين وإما مقهور بالسيف، قال ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدًا بقي غيرُك في هذه الحَرَجَة (١) ، وأنت إن لم تُسلم اليومَ وتتبعه يُوطِئْك الخيلَ ويُبيد خضراءَك، فأسلِمْ تَسلَمْ ويستعمِلْكَ على قومك، ولا يُدخِلْ عليك الخيلَ والرجال. قال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدًا، فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو، إني لأرجو أن يُسلم إن لم يَضَنَّ بمُلكه، حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكَّرتُ فيما دعوتَني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملَّكتُ رجلًا ما في يدي وهو لا تبلغ خيلُه هاهنا، وإن بلغَتْ خيلُه أَلْفَتْ قتالًا ليس كقتال من لاقى. قلت: وأنا خارج غدًا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه، وكلُّ من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إليَّ فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعًا وصدَّقا (٢)

  4. النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخلَّيا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونًا على من خالفني (٣) .