فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأورام والخرجات التي تبرأ بالبط والبزل
13 paragraphs · vol. 5, p. 163
- vol. 5, p. 163
«الصَّحيحين» (١) عن عائشة أنَّها قالت: طيَّبتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي بذَريرةٍ في حجَّة الوداع للحِلِّ والإحرام.
-
والبَثْرة: خُرَاجٌ صغيرٌ يكون عن مادَّةٍ حادَّةٍ (٢) تدفعها الطَّبيعة، فتَسْترِقُ مكانًا من الجسد تخرج منه، فهي محتاجةٌ إلى ما يُنْضِجها ويُخْرِجها. والذَّريرة أحد ما يفعل بها ذلك، فإنَّ فيها إنضاجًا وإخراجًا مع طيب رائحتها، مع أنَّ فيها تبريدًا (٣) للنَّاريَّة الَّتي في تلك المادَّة. ولذلك (٤) قال صاحب «القانون» (٥) : إنَّه لا أفضل لحرق النَّار من الذَّريرة بدهن الورد والخلِّ.
-
فصل
في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج الأورام والخُراجات الَّتي تبرأ بالبطِّ والبَزْل (٦)
-
يذكر عن علي أنَّه قال: دخلتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجلٍ يعوده، بظهره ورمٌ، فقالوا: يا رسول اللَّه! هذه (٧) مِدَّةٌ. قال: «بُطُّوا عنه» . قال علي: فما برحت حتَّى بُطَّت، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شاهدٌ (٨) .
- vol. 5, p. 164
ويذكر عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر طبيبًا أن يبُطَّ بطنَ رجلٍ أجوى البطن، فقيل: يا رسول اللَّه، هل ينفع الطِّبُّ؟ قال: «الذي أنزل الدَّاء أنزل الشِّفاء فيما شاء» (١) .
-
الورم: مادَّةٌ (٢) في حجم العضو لفضل مادَّةٍ غير طبيعيَّةٍ تنصبُّ إليه، وتوجد في (٣) أجناس الأمراض كلِّها. والموادُّ الَّتي تكوَّن عنها: من الأخلاط
vol. 5, p. 165الأربعة، والمائيَّة، والرِّيح. وإذا جَمع الورَمُ (١) سمِّي خُرَاجًا. وكلُّ ورمٍ حارٍّ (٢) يؤول أمره إلى أحد ثلاثة أشياء: إمَّا تحلُّل، وإمَّا جمع مِدَّةٍ، وإمَّا استحالة إلى الصَّلابة. فإن كانت القوَّة قويَّةً استولت على مادَّة الورم وحلَّلته، وهي أصلح الحالات الَّتي يؤول أمرُ الورم إليها. وإن كانت دون ذلك أنضجت المادَّة، وأحالتها مِدَّةً بيضاء، وفتحت لها مكانًا أسالتها منه. وإن نقصت عن ذلك أحالت المادَّة مِدَّةً غير مستحكمة النُّضج، وعجزت عن فتح مكانٍ في العضو تدفعها منه، فيخاف على العضو الفسادُ لطول لبثها فيه، فيحتاج حينئذٍ إلى إعانة الطَّبيب بالبطِّ أو غيره لإخراج تلك المادَّة الرَّديَّة المفسدة للعضو.
-
وفي البطِّ فائدتان: إحداهما: إخراج المادَّة الرَّديَّة المفسدة. والثَّانية: منع اجتماع مادَّةٍ أخرى إليها تقوِّيها.
-
وأمَّا (٣) قوله في الحديث الثَّاني: «إنَّه أمر طبيبًا أن يبُطَّ بطنَ رجلٍ أجوى البطن» ، فالجوى يقال على معانٍ، منها: الماء المنتن الذي يكون في البطن يحدُث عنه الاستسقاء.
-
وقد اختلف الأطبَّاء في بَزْلِه لخروج هذه المادَّة، فمنعته طائفةٌ منهم لخطره وبعد السَّلامة معه، وجوَّزته طائفةٌ أخرى وقالت: لا علاج له سواه.
- vol. 5, p. 166
وهذا عندهم إنَّما هو في الاستسقاء الزِّقِّيِّ، فإنَّه كما تقدَّم ثلاثة أنواعٍ:
طَبْليٌّ، وهو الذي ينتفخ معه البطن بمادَّةٍ ريحيَّةٍ، إذا ضربتَ عليه سُمِع له صوتٌ كصوت الطَّبل.
-
ولحميٌّ، وهو الذي يربو معه لحمُ جميع البدن بمادَّةٍ بلغميَّةٍ تفشو مع الدَّم في الأعضاء، وهو أصعب من الأوَّل.
-
وزِقِّيٌّ وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادَّةٌ رديَّةٌ يُسمع لها عند الحركة خضخضةٌ كخضخضة الماء في الزِّقِّ. وهو أردى (١) أنواعه عند الأكثرين من الأطبَّاء. وقالت طائفةٌ: أردى أنواعه اللَّحميُّ لعموم الآفة به.
-
ومن جملة علاج الزِّقِّيِّ: إخراج ذلك بالبَزْل، ويكون ذلك بمنزلة فصد العروق لإخراج الدَّم الفاسد، لكنَّه خَطِرٌ كما تقدَّم. وإن ثبت هذا الحديث فهو دليلٌ على جواز بَزْله (٢) . والله أعلم (٣) .