معنى الطب في اللغة

12 paragraphs · vol. 5, p. 194

  1. روى أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه (١) من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تطبَّب ولم يُعلَم منه الطِّبُّ قبل ذلك فهو ضامنٌ» .

    vol. 5, p. 194
  2. هذا الحديث يتعلَّق به ثلاثة أمورٍ: أمرٌ لغويٌّ، وأمرٌ فقهيٌّ، وأمرٌ طبِّيٌّ.

  3. فأمَّا اللُّغويُّ (١) ، فالطِّبُّ بكسر الطَّاء في لغة العرب يقال على معانٍ. منها الإصلاح. يقال طبَبته: إذا أصلحته. ويقال (٢) : له طِبٌّ بالأمور. أي: لطفٌ وسياسةٌ. قال الشَّاعر:

    وإذا تغيَّر من تميمٍ أمرُها ... كنتُ الطَّبيب لها برأيٍ ثاقبٍ (٣)

    vol. 5, p. 195
  4. ومنها: الحذق. قال الجوهري (٤) : كلُّ حاذقٍ طبيبٌ عند العرب. قال أبو عبيد (٥) : أصل الطِّبِّ: الحذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرَّجل: طَبٌّ وطبيبٌ: إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المريض. وقال غيره (٦) : رجلٌ طبيبٌ أي حاذقٌ سمِّي طبيبًا لحذقه وفطنته.

    قال علقمة (٧) :

    فإن تسألوني بالنِّساء فإنَّني ... خبيرٌ بأدواء النِّساء طبيبُ

    إذا شاب رأسُ المرء أو قلَّ مالُه ... فليس له في ودِّهنَّ نصيبُ (٨)

    vol. 5, p. 196وقال عنترة (١) :

    إن تُغْدِفي دوني القناعَ فإنَّني ... طَبٌّ بأخذ الفارس المُسْتلئم

    أي: إن تُرْخي عنِّي قناعَك وتستُري وجهكِ رغبةً عنِّي، فإنِّي خبيرٌ حاذقٌ بأخذ الفارس الذي قد لبِس لَأْمَة حربه.

  5. ومنها: العادة. يقال: ليس ذاك بطِبِّي، أي عادتي. قال فَرْوة بن مُسَيك (٢) :

    فما إن طِبُّنا جبنٌ ولكن ... منايانا ودولةُ آخرينا

    vol. 5, p. 197وقال أحمد بن الحسين (١) :

    وما التِّيهُ طِبِّي فيهمُ غيرَ أنَّني ... بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ

    ومنها: السِّحر. يقال: رجلٌ مطبوبٌ، أي مسحورٌ. وفي الصَّحيح في حديث عائشة: لمَّا سحرت يهودُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وجلس الملكانِ عند رأسه وعند رجليه، فقال أحدهما: ما بال الرَّجل؟ قال الآخر: مطبوبٌ. قال: من طبَّه؟ قال: فلانٌ اليهوديُّ (٢) .

    قال أبو عبيد (٣) : إنَّما قالوا للمسحور: مطبوبٌ، لأنَّهم كنَوا بالطِّبِّ عن السِّحر، كما كنَوا عن اللَّديغ، فقالوا: «سليمٌ» تفاؤلًا بالسَّلامة، وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة الَّتي لا ماء فيها، فقالوا: «مفازةٌ» تفاؤلًا بالفوز من الهلاك.

  6. ويقال: الطِّبُّ لنفس الدَّواء (٤) . قال ابن أبي الأسلت (٥) :

    ألا من مبلغٌ حسَّانَ عنِّي ... أسحرٌ كان طبَّك أم جنونُ (٦)

  7. وأمَّا قول الحماسي (١) :

    فإن كنتُ مطبوبًا فلا زلتُ هكذا ... وإن كنتُ مسحورًا فلا برأ السِّحرُ

    فإنَّه أراد بالمطبوب: الذي قد سُحِر، وأراد بالمسحور: العليل بالمرض. قال الجوهري: ويقال للعليل مسحورٌ. وأنشد البيت (٢) . ومعناه: إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبِّك، أسأل الله دوامه ولا أريد زواله، سواءٌ كان سحرًا أو مرضًا (٣) .

    vol. 5, p. 198
  8. والطِّبُّ: مثلَّث الطَّاء. فالمفتوح الطَّاء هو العالم بالأمور. وكذلك الطَّبيب يقال له: طَبٌّ أيضًا. والطِّبُّ: بكسر الطَّاء: فعلُ الطَّبيب. والطُّبُّ بضمِّها (٤) :

  9. اسم موضعٍ (١) . قاله ابن السِّيد (٢) وأنشد:
  10. فقلتُ هلَ انْهَلْتُم بطُبٍّ ركابَكم ... بجائزة الماءِ الَّتي طاب طينها (٣)

  11. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من تطبَّب» . ولم يقل: مَن طَبَّ، لأنَّ لفظ التَّفعُّل يدلُّ على تكلُّف الشَّيء والدُّخول فيه بعُسْرٍ وكلفةٍ، وأنَّه ليس من أهله، كتحلَّم وتشجَّع وتصبَّر ونظائرها. ولذلك بنوا تكلَّف على هذا الوزن، قال الشَّاعر:

    وقيسَ عيلان ومَن تقيَّسا (٤)

  12. وأمَّا الأمر الشَّرعيُّ فإيجاب الضَّمان على الطَّبيب الجاهل. فإذا تعاطى علم الطِّبِّ وعمله، ولم يتقدَّم له به معرفةٌ، فقد هجَم بجهله على تَلافِ (٥)