فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها، وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها
9 paragraphs · vol. 5, p. 209
- vol. 5, p. 209
ثبت في «صحيح مسلم» (٣) من حديث جابر بن عبد الله أنَّه كان في وفد
vol. 5, p. 210ثقيفٍ رجلٌ مجذومٌ، فأرسل إليه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ارجع فقد بايعناك» .
-
وروى البخاريُّ في «صحيحه» (١) تعليقًا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «فِرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد» .
-
وفي «سنن ابن ماجه» (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا
vol. 5, p. 211تديموا النَّظر إلى المجذومين».
-
وفي «الصَّحيحين» (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» .
-
ويذكر عنه - صلى الله عليه وسلم -: «كلِّم المجذومَ، وبينك وبينه قِيدُ رمحٍ أو رمحين» (٢) .
-
الجذام: علَّةٌ رديَّةٌ تحدث من انتشار المِرَّة السَّوداء في البدن كلِّه، فيفسد مزاجُ الأعضاء وهيئتها وشكلها. وربَّما فسد في آخره اتِّصالها حتَّى تتأكَّل الأعضاء وتسقط. ويسمَّى داء الأسد. وفي هذه التَّسمية ثلاثة أقوالٍ للأطبَّاء:
أحدها: أنَّها لكثرة ما تعتري الأسد.
- vol. 5, p. 212
والثَّاني: لأنَّ هذه العلَّة تُجهِّم وجهَ صاحبها، وتجعله في سَحْنة الأسد.
-
والثَّالث: أنَّه يفترس من يقرَبه ويدنو منه بدائه افتراسَ الأسد (١) .
-
وهذه العلَّة عند الأطبَّاء من العلل المُعْدِية المتوارَثة. ومُقارِبُ المجذوم وصاحبِ السِّلِّ يسقَم برائحته. فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لكمال شفقته على الأمَّة ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب الَّتي تعرِّضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم. ولا ريب أنَّه قد يكون في البدن تهيُّؤٌ واستعدادٌ كامنٌ لقبول هذا الدَّاء، وقد تكون الطَّبيعة سريعةَ الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدانِ مَن تجاوره وتخالطه فإنَّها نقَّالةٌ. وقد يكون خوفُها من ذلك ووهمُها من أكبر أسباب إصابة تلك العلَّة لها، فإنَّ الوهم فعَّالٌ مستولٍ على القوى والطَّبائع. وقد تصل رائحة العليل إلى الصَّحيح، فتُسْقِمه؛ وهذا معايَنٌ في بعض الأمراض. والرَّائحة أحد أسباب العدوى. ومع هذا كلِّه فلا بدَّ من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك الدَّاء. وقد تزوَّج النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - امرأةً، فلمَّا أراد الدُّخول بها وجد بكَشْحِها بياضًا، فقال: «الحَقي بأهلِكِ» (٢) .