فضة

11 paragraphs · vol. 5, p. 516

  1. فضَّة: ثبت أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان خاتمه من فضَّةٍ، وفصُّه منه (١) . وكانت قَبيعةُ سيفه فضَّةً (٢) . ولم يصحَّ عنه في المنع من لباس الفضَّة والتَّحلِّي بها شيءٌ البتَّة، كما صحَّ عنه المنعُ من الشُّرب في آنيتها. وبابُ الآنية أضيق من باب اللِّباس والتَّحلِّي، ولهذا يباح للنِّساء لباسًا وحليةً ما يحرم عليهنَّ استعمالُه آنيةً، فلا يلزم من تحريم الآنية تحريمُ اللِّباس والحلية (٣) .

    vol. 5, p. 516
  2. وفي السُّنن (٤) عنه: «وأمَّا الفضَّةُ فالعبوا بها لعبًا» . فالمنع يحتاج إلى

    vol. 5, p. 517دليلٍ يبيِّنه: إمَّا نصٍّ أو إجماعٍ. فإن ثبت أحدهما، وإلَّا ففي القلب من تحريم ذلك على الرِّجال شيءٌ. والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمسك بيده ذهبًا، وبالأخرى حريرًا، وقال: «هذان حرامٌ على ذكور أمَّتي، حِلٌّ لإناثهم» (١) .

  3. والفضَّة سرٌّ من أسرار الله في الأرض. وهي طِلَّسْم الحاجات وأحساب (٢) أهل الدُّنيا بينهم. وصاحبها مرموقٌ بالعيون بينهم، معظَّمٌ في النُّفوس، مصدَّرٌ في المجالس، لا تغلق دونه الأبواب، ولا تُمَلُّ مجالستُه ولا معاشرتُه، ولا يستثقل مكانُه. تشير الأصابع إليه، وتعقد العيونُ نطاقها عليه. إن قال سُمِع لقوله، وإن شفَع قُبلت شفاعتُه، وإن شَهِد زكِّيت شهادتُه. وإن خطَب فكفءٌ لا يعاب، وإن كان ذا شيبةٍ بيضاء فهي أجمل عليه من حُلَّة (٣) الشَّباب.

  4. وهي من الأدوية المفرِّحة النَّافعة من الغمِّ والهمِّ (١) والحزن، وضعف القلب وخفقانه. وتدخل في المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصِّيَّتها ما يتولَّد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصًا إذا أضفتَ (٢) إلى ذلك العسلَ المصفَّى والزَّعفران. ومزاجها إلى البرودة واليبوسة. ويتولَّد عنها من الحرارة والرُّطوبة ما يتولَّد (٣) .

    vol. 5, p. 518
  5. والجنانُ الَّتي أعدَّها الله عزَّ وجلَّ لأوليائه يوم يلقونه أربعٌ: جنَّتان من ذهبٍ، وجنَّتان من فضَّةٍ: آنيتُهما وحِليتُهما وما فيهما (٤) .

  6. وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصَّحيح (٥) أنَّه قال: «الَّذي يشرب في آنية الذَّهب والفضَّة إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنَّم» .

  7. وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافهما، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة» (٦) .

  8. فقيل: علَّة التَّحريم تضييق النُّقود، فإنَّها إذا اتُّخذت أواني فاتت الحكمة الَّتي وُضِعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم. وقيل: العلَّة الفخر والخيلاء.

  9. وقيل: العلَّة كسرُ قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها (١) .

    vol. 5, p. 519
  10. وهذه العلل فيها ما فيها، فإنَّ التَّعليل بتضييق النُّقود يمنع من التَّحلِّي بها وجعلِها سبائك ونحوِها ممَّا ليس بآنيةٍ ولا نقدٍ. والفخر والخيلاء حرامٌ بأيِّ شيءٍ كان. وكسرُ قلوب المساكين لا ضابط له، فإنَّ قلوبهم تنكسر بالدُّور الواسعة، والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللَّذيذة، وغير ذلك من المباحات. فكلُّ هذه عللٌ منتقضةٌ، إذ توجد العلَّة ويتخلَّف معلولها.

  11. فالصَّواب أنَّ العلَّة ــ والله أعلم ــ ما يكسب استعمالُها القلبَ من الهيئة والحالة المنافية للعبوديَّة منافاةً ظاهرةً. ولهذا علَّل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّها للكفَّار في الدُّنيا، إذ ليس لهم نصيبٌ من العبوديَّة الَّتي ينالونها (٢) بها في الآخرة. فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدُّنيا وإنَّما يستعملها من خرج عن عبوديَّته ورضي بالدُّنيا وعاجلها من الآخرة. والله أعلم.