فصل في قضائه - صلى الله عليه وسلم - بتأخير القصاص من الجرح حتى يندمل

6 paragraphs · vol. 6, p. 28

  1. ذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» وغيره (٣) من حديث ابن جُريجٍ، عن عَمرو بن شعيبٍ (٤) قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رجلٍ طعنَ آخرَ بقرنٍ في

    vol. 6, p. 29رجله، فقال: يا رسول اللَّه، أَقِدْني، فقال: «حتَّى تبرأ جراحُك» ، فأبى الرَّجل إلا أن يستقيدَه (١) ، فأقاده النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فصحَّ المستقادُ منه، وعَرِجَ المستقيدُ، فقال: عرجتُ وبَرَأ صاحبي، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ألم آمرك أن لا تستقيدَ حتَّى تبرأ جراحك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل (٢) عرجك».

    vol. 6, p. 28
  2. ثمَّ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَن كان به جرحٌ بعد الرَّجُل الذي عَرِج أن لا يُستقاد منه حتَّى يبرأ جرحُ صاحبه. فالجرح على ما بلغ حتَّى يبرأ، فما كان من شللٍ أو عرجٍ، فلا قَوَد فيه، وهو عقلٌ، ومن استقاد جرحًا فأصيب المستقادُ منه، فعَقْل ما فضل من ديته على جرح صاحبه له.

    قلت: الحديث في «مسند الإمام أحمد» (٣) من حديث عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه متَّصلٌ: أنَّ رجلًا طعن رجلًا بقرنٍ في ركبته، فجاء إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: أقِدْني. فقال: «حتَّى تبرأ» ، ثم جاء إليه (٤) فقال: أقِدْني. فأقاده، ثمَّ جاء إليه، فقال: يا رسول اللَّه! عرجتُ، فقال: «قد نهيتُك فعصيتني، فأبعدَك الله وبطَل عرجُك (٥) »، ثمَّ نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتصَّ من جرحٍ حتَّى يبرأ صاحبه.

  3. وفي «سنن الدَّارقطنيِّ» (١) عن جابر: «أنَّ رجلًا جُرح، فأراد أن يستقيد، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُستقاد من الجارح حتَّى يبرأ المجروح» .

    vol. 6, p. 30
  4. وقد تضمَّنت هذه الحكومة أنَّه لا يجوز الاقتصاص من الجرح حتَّى يستقرَّ أمرُه، إمَّا باندمالٍ، وإمّا (٢) بسرايةٍ مستقرَّةٍ، وأنَّ سراية الجناية مضمونةٌ بالقَوَد، وجواز القصاص في الضَّربة بالعصا والقَرْن ونحوهما، ولا ناسخ لهذه الحكومة، ولا معارض لها، والذي نسخ بها تعجيل القصاص قبل الاندمال لا نفس القصاص فتأمَّله، وأنَّ المجنيَّ عليه إذا بادر واقتصَّ من الجاني، ثمَّ سرت الجنايةُ إلى عضوٍ من أعضائه، أو إلى نفسه بعد القصاص، فالسِّراية هدرٌ.

  5. وأنَّه يُكتفى بالقصاص وحده دون تعزير الجاني وحبسه، قال عطاء: الجروحُ قصاصٌ، وليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه، إنَّما هو القصاص، وما كان ربُّك نسيًّا، ولو شاء لأمر بالضَّرب والسَّجن (٣) .

    vol. 6, p. 31وقال مالك: يُقتصُّ منه حقُّ (١) الآدميِّ، ويعاقب لجرأته, والجمهور يقولون: القصاص يغني عن العقوبة الزَّائدة، فهو كالحدِّ إذا أقيم على المحدود، لم يحتج معه إلى عقوبةٍ أخرى (٢) .

  6. والمعاصي ثلاثة أنواعٍ: نوعٌ عليه حدٌّ مقدَّرٌ، فلا يُجمع بينه وبين التّعزير. ونوعٌ لا حدَّ فيه ولا كفَّارة، فهذا يردع فيه بالتَّعزير، ونوعٌ فيه كفَّارةٌ ولا حدَّ فيه، كالوطء في الإحرام والصِّيام، فهل يُجمع فيه بين الكفَّارة والتَّعزير؟ على قولين للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد (٣) ، والقصاص يجري مجرى الحدِّ، فلا يجمع بينه وبين التَّعزير.