فصل في قضائه - صلى الله عليه وسلم - فيمن سبه من مسلم أو ذمي أو معاهد
13 paragraphs · vol. 6, p. 87
- vol. 6, p. 87
ثبت عنه أنَّه قضى بإهدار دم أمِّ ولد الأعمى لمَّا قتلها مولاها على السَّبِّ (١) .
-
وقَتَل جماعةً من اليهود على سبِّه وأذاه (٢) ، وأمَّن النَّاسَ يومَ الفتح إلا نفرًا ممَّن كان يؤذيه ويهجوه، وهم أربعة رجالٍ وامرأتان (٣) . وقال: «مَن لكعب بن الأشرف، فإنَّه قد آذى اللهَ ورسولَه» (٤) . وأهدر دمَه ودمَ أبي رافع (٥) .
- vol. 6, p. 88
وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق لأبي بَرْزة الأسلميِّ، وقد أراد قَتْل مَن سبَّه: ليست هذه لأحدٍ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١) .
-
فهذا قضاؤه - صلى الله عليه وسلم - وقضاء خلفائه من بعده، ولا مخالف لهم من الصَّحابة، وقد أعاذهم الله من مخالفة هذا الحكم.
-
وقد روى أبو داود في «سننه» (٢) عن عليّ: «أنَّ يهوديَّةً كانت تشتمُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتَّى ماتت، فأبطَلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - دمَها» .
-
وذكر أصحابُ السِّير والمغازي (٣) عن ابن عبَّاسٍ قال: هجت امرأةٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «مَن لي بها؟» فقال رجلٌ مِن قومها: أنا، فنهض فقتلها، فأُخبر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا ينتطح فيها عنزان» (٤) .
- vol. 6, p. 89
وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاحٍ وحِسانٍ ومشاهير، وهو إجماع الصَّحابة (١) .
-
وقد ذكر حربٌ في «مسائله» (٢) عن مجاهد قال: أُتيَ عمر برجلٍ سبَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقتله، ثمَّ قال عمر: مَن سبَّ الله (٣) أو سبَّ أحدًا من الأنبياء فاقتلوه. ثمَّ قال مجاهد عن ابن عبَّاسٍ: أيُّما مسلمٍ (٤) سبَّ الله ورسولَه، أو سبَّ أحدًا من الأنبياء، فقد كذَّب برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي رِدَّةٌ، يُستتاب فإن رجع وإلَّا قُتل، وأيُّما معاهدٍ عاند، فسبَّ الله أو سبَّ أحدًا (٥) من الأنبياء أو جهر به، فقد نقض العهد، فاقتلوه.
-
وذكر أحمد (٦) عن ابن عمر أنَّه مرَّ به راهبٌ، فقيل له: هذا يسبُّ النبيَّ
vol. 6, p. 90- صلى الله عليه وسلم -، فقال ابن عمر: لو سمعتُه لقتلتُه، إنَّا لم نُعْطِهم الذِّمَّة على أن يسبُّوا نبيَّنا.
-
والآثار عن الصَّحابة بذلك كثيرةٌ، وحكى غير واحدٍ من الأئمَّة الإجماعَ على قتله (١) . قال شيخنا (٢) : وهو محمولٌ على إجماع الصَّدر الأوَّل من الصَّحابة والتَّابعين. والمقصود: إنَّما هو ذِكْر حكم النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقضائه فيمن سبَّه.
-
وأمَّا تَرْكه - صلى الله عليه وسلم - قَتْل مَن قَدَح في عَدْله بقوله: اعدل فإنَّك لم تعدل (٣) ، وفي حُكْمه بقوله: أنْ كان ابنَ عمَّتك (٤) ، وفي قَصْده بقوله: إنَّ هذه قسمةٌ ما أريد بها وجه الله (٥) ، وفي خَلْوته بقوله: يقولون إنَّك تنهى عن الغيِّ وتستخلي به (٦) ، وغير ذلك= فذلك أنَّ الحقَّ له، فله أن يستوفيه وله أن يتركه، وليس
vol. 6, p. 91لأمَّته ترك استيفاء حقِّه - صلى الله عليه وسلم -.
-
وأيضًا فإنَّ هذا كان في أوَّل الأمر، حيث كان - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا بالعفو والصَّفح.
-
وأيضًا فإنَّه كان يعفو عن حقِّه لمصلحة التَّأليف وجَمْع الكلمة، ولئلَّا ينفِّر النَّاس عنه، ولئلَّا يتحدَّثوا أنَّه يقتل أصحابه، وكلُّ هذا يختصُّ بحياته - صلى الله عليه وسلم -.