- حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بينه عن ربه تبارك وتعالى فيمن حرم أمته أو زوجته أو متاعه
26 paragraphs · vol. 6, p. 426
- vol. 6, p. 426
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ١ - ٢] . ثبت في «الصَّحيحين» (١) : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - (٢) شرب عسلًا في بيت ميمونة (٣) ، فاحتالت عليه عائشة وحفصة حتَّى قال: «لن أعود له» . وفي لفظٍ: «وقد حلفتُ» .
- vol. 6, p. 427
وفي «سنن النَّسائيِّ» (١) عن أنس أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمةٌ يطؤها، فلم تزَلْ به عائشة وحفصة حتَّى حرَّمها، فأنزل الله عزَّ وجلَّ {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} .
-
وفي «صحيح مسلم» (٢) عن ابن عبَّاسٍ قال: إذا حرَّم الرَّجل امرأته فهي يمينٌ يكفِّرها، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] .
-
وفي «جامع التِّرمذيِّ» (٣) عن عائشة قالت: آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه وحرَّم، فجعل الحرام حلالًا، وجعل في اليمين كفَّارةً.
-
هكذا رواه مسلمة بن علقمة عن داود عن الشَّعبيِّ عن مسروق عن عائشة، ورواه عليُّ بن مسهرٍ وغيره [عن داود] (٤) عن الشَّعبيِّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا، وهو أصحُّ. انتهى كلام أبي عيسى.
-
وقولها: «جعلَ الحرامَ حلالًا» ، أي جعل الشَّيء الذي حرَّمه ــ وهو العسل أو الجارية ــ حلالًا بعد تحريمه إيَّاه.
وقال اللَّيث بن سعدٍ: عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن عبد الله بن هُبيرة،
vol. 6, p. 428عن قَبِيصة بن ذُؤيبٍ، قال: سألت زيد بن ثابتٍ وابن عمر عمَّن قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ، فقالا جميعًا: كفَّارة يمينٍ (١) .
وقال عبد الرزاق (٢) : عن ابن عُيينة، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن مسعودٍ قال في التَّحريم: هي يمينٌ يكفِّرها.
قال ابن حزمٍ (٣) : ورُوي ذلك عن أبي بكرٍ الصِّديق (٤) وعائشة أمِّ المؤمنين (٥) . وقال الحجَّاج بن منهالٍ: ثنا جرير بن حازمٍ قال: سألتُ نافعًا مولى ابن عمر عن الحرام أطلاقٌ هو؟ قال: لا، أَوَليس قد حرَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاريتَه، فأمره الله عزَّ وجلَّ أن يُكفِّر عن يمينه، ولم يُحرِّمها عليه (٦) .
vol. 6, p. 429وقال عبد الرزاق (١) : عن معمر، عن يحيى بن أبي كثيرٍ وأيُّوب السَّختيانيِّ، كلاهما عن عكرمة، أنَّ عمر بن الخطَّاب قال: هي يمينٌ، يعني التَّحريم.
وقال إسماعيل بن إسحاق: ثنا المقدَّمي، ثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن صخر (٢) بن جُويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الحرام يمينٌ (٣) .
-
وفي «صحيح البخاريِّ» (٤) : عن سعيد بن جبيرٍ أنَّه سمع ابن عبَّاسٍ يقول: إذا حرَّم امرأتَه ليس بشيءٍ، لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ. فقيل: هذا روايةٌ أخرى عن ابن عبَّاسٍ. وقيل: إنَّما أراد أنَّه ليس بطلاقٍ وفيه كفَّارة اليمين، ولهذا احتجَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا الثَّاني أظهر.
-
وهذه المسألة فيها عشرون مذهبًا للنَّاس، ونحن نذكرها، ونذكر وجوهها ومآخذَها، والرَّاجحَ منها (٥) ، بعون الله وتوفيقه.
- vol. 6, p. 430
أحدها: أنَّ التَّحريم لغوٌ لا شيء فيه، لا في الزَّوجة ولا في (١) غيرها، لا طلاق ولا إيلاء ولا ظهار ولا يمين. روى وكيعٌ عن إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الشَّعبيِّ عن مسروق: ما أبالي حرَّمتُ امرأتي أو قَصْعةً من ثَرِيدٍ (٢) .
-
وذكر عبد الرزاق (٣) عن الثَّوريِّ، عن صالح بن مسلم، عن الشَّعبيِّ، أنَّه قال في تحريم المرأة: لهي أهونُ عليَّ من نعلي.
-
وذكر (٤) عن ابن جريجٍ، أخبرني عبد الكريم، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، أنَّه قال: ما أبالي حرَّمتُها ــ يعني امرأته ــ أو حرَّمتُ ماء النَّهر.
وقال قتادة: سأل رجلٌ حُميد بن عبد الرَّحمن الحميريَّ عن ذلك، فقال: قال الله عز وجل: { (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ} [الشرح: ٧ - ٨] ، وأنت رجلٌ تلعب، فاذهبْ فالعبْ (٥) .
-
وهذا قول أهل الظَّاهر كلِّهم.
-
المذهب الثَّاني: أنَّ التَّحريم في الزَّوجة طلاقٌ ثلاثٌ. قال ابن حزمٍ (٦) : قاله عليُّ بن أبي طالبٍ وزيد بن ثابتٍ وابن عمر، وهو قول الحسن
vol. 6, p. 431ومحمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ورُوِي عن الحكم بن عُتَيبة (١) .
قلت: الثابت عن زيد بن ثابتٍ وابن عمر ما رواه هو (٢) من طريق اللَّيث بن سعدٍ عن يزيد بن أبي حبيبٍ عن أبي هريرة (٣) عن قَبِيصة، أنَّه سأل زيد بن ثابتٍ وابن عمر عمَّن قال لامرأته: أنت عليَّ حرامٌ، فقالا جميعًا: كفَّارة يمينٍ. ولم يصحَّ عنهما خلاف ذلك.
-
وأمَّا عليٌّ، فقد روى أبو محمد ابن حزم (٤) من طريق يحيى القطَّان، ثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبيِّ قال: يقول رجالٌ في الحرام هي حرامٌ حتَّى تنكح زوجًا غيره، ولا والله، ما قال ذلك علي، إنَّما قال علي: ما أنا بِمُحِلِّها ولا بمُحرِّمِها عليك، إن شئتَ فتقدَّمْ، وإن شئتَ فتأخَّرْ.
-
وأمَّا الحسن، فقد روى أبو محمد (٥) من طريق قتادة عنه أنَّه قال: كلُّ
vol. 6, p. 432حلالٍ عليَّ حرامٌ فهي يمينٌ.
-
ولعلَّ أبا محمد غلِطَ على علي وزيد وابن عمر، من مسألة الخليَّة والبريَّة والبتَّة، فإنَّ أحمد حكى عنهم أنَّها ثلاثٌ، وقال (١) : هو عن علي وابن عمر صحيحٌ. فوهم أبو محمد وحكاه في «أنت عليَّ حرامٌ» ، وهو وهمٌ ظاهرٌ، فإنَّهم فرَّقوا بين التَّحريم فأفتوا فيه بأنَّه يمينٌ، وبين الخليَّة فأفتوا فيها بالثَّلاث، ولا أعلم أحدًا قال إنَّه ثلاثٌ بكلِّ حالٍ.
-
المذهب الثَّالث: أنَّه ثلاثٌ في حقِّ المدخول بها لا يُقبل منه غيرُ ذلك، وإن كانت غيرَ مدخولٍ بها وقع ما نواه من واحدةٍ واثنتين وثلاثٍ، فإن أطلق فواحدةٌ. فإن قال: لم أُرِدْ طلاقًا، فإن كان قد تقدَّم كلامٌ يجوز صرفُه إليه قُبِل منه، وإن كان ابتداءً لم يُقبَل، وإن حرَّم أَمتَه أو طعامَه أو متاعَه فليس بشيءٍ. وهذا مذهب مالك.
-
المذهب الرَّابع: أنَّه إن نوى الطَّلاق كان طلاقًا، ثمَّ إن نوى به الثَّلاث فثلاثٌ، وإن نوى دونها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن نوى يمينًا فهو يمينٌ فيها كفَّارةٌ، وإن لم ينوِ شيئًا فهو إيلاءٌ فيه حكم الإيلاء. فإن نوى الكذب صُدِّق في الفتيا، ولم يكن شيئًا، ويكون في القضاء إيلاءً، وإن صادف غيرَ الزَّوجة كالأَمة والطَّعام وغيره فهو يمينٌ، فيه كفَّارتها. وهذا مذهب أبي حنيفة.
-
المذهب الخامس: أنَّه إن نوى به الطَّلاق كان طلاقًا، ويقع ما نواه، فإن أطلق وقعتْ واحدة، وإن نوى الظِّهار كان ظهارًا، وإن نوى اليمين كان يمينًا، وإن نوى تحريمَ عينها من غير طلاقٍ ولا ظهارٍ فعليه كفَّارة يمينٍ، وإن لم ينو
vol. 6, p. 433شيئًا ففيه قولان، أحدهما: لا يلزمه شيءٌ، والثَّاني: يلزمه كفَّارة يمينٍ. وإن صادف جاريةً فنوى عِتقَها وقع العتق، وإن نوى تحريمَها لزِمَه بنفس اللَّفظ كفَّارة يمينٍ، وإن نوى الظِّهارَ منها لم يصحَّ، ولم يلزمه شيءٌ، وقيل: يلزمه كفَّارة يمينٍ، وإن لم ينْوِ شيئًا ففيه قولان، أحدهما: لا يلزمه شيءٌ. والثَّاني: عليه كفَّارة يمينٍ. وإن صادف غيرَ الزَّوجة والأَمةِ لم يَحْرُم، ولم يلزمه به شيءٌ. وهذا مذهب الشَّافعيِّ.
-
المذهب السَّادس: أنَّه ظهارٌ بإطلاقه، نواه أو لم ينْوِه، إلا أن يصرفه بالنِّيَّة إلى الطَّلاق أو اليمين، فينصرف إلى ما نواه، هذا ظاهر مذهب أحمد. وعنه روايةٌ ثانيةٌ أنَّه بإطلاقه يمينٌ إلا أن يصرفه بالنِّيَّة إلى الظِّهار أو الطَّلاق، فينصرف إلى ما نواه. وعنه روايةٌ أخرى ثالثةٌ أنَّه ظهارٌ بكلِّ حالٍ ولو نوى غيره. وفيه روايةٌ رابعةٌ حكاها أبو الحسين (١) في «فروعه» أنَّه طلاقٌ بائنٌ. ولو وصله بقوله: «أعني به الطَّلاق» فعنه فيه روايتان، إحداهما: أنَّه طلاقٌ، فعلى هذا هل تلزمه الثَّلاث أو واحدةٌ؟ على روايتين. والثَّانية: أنَّه ظهارٌ أيضًا، كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، أعني به الطَّلاق. هذا تلخيص مذهبه (٢) .
-
المذهب السَّابع: أنَّه إن نوى ثلاثًا فهي ثلاثٌ، وإن نوى واحدةً فواحدةٌ بائنةٌ، وإن نوى يمينًا فهي يمينٌ، وإن لم ينو شيئًا فهي كذبةٌ لا شيء فيها. وهذا
vol. 6, p. 434مذهب سفيان الثَّوريِّ، حكاه أبو محمد (١) .
-
المذهب الثَّامن: أنَّه طلقةٌ واحدةٌ بائنةٌ بكلِّ حالٍ، وهذا مذهب حمَّاد بن أبي سليمان.
-
المذهب التَّاسع: أنَّه إن نوى ثلاثًا فثلاثٌ، وإن نوى واحدةً أو لم ينْوِ شيئًا فواحدةٌ بائنةٌ. وهذا مذهب إبراهيم، حكاه أبو محمد ابن حزم (٢) .
-
المذهب العاشر: أنَّه طلقةٌ رجعيَّةٌ، حكاه ابن الصبَّاغ وصاحبه أبو بكرٍ الشَّاشيُّ، عن الزُّهريِّ عن عمر بن الخطَّاب.
-
المذهب الحادي عشر: أنَّها حرمت عليه بذلك فقط، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا ولا ظهارًا ولا يمينًا، بل ألزموه موجَب تحريمه. قال ابن حزمٍ (٣) : صحَّ هذا عن عليِّ بن أبي طالبٍ، ورجالٍ من الصَّحابة لم يسمَّوا، وعن أبي هريرة (٤) . وصحَّ عن الحسن وخِلاس بن عمرٍو وجابر بن زيدٍ وقتادة أنَّهم أمروه باجتنابها فقط.
-
المذهب الثَّاني عشر: التَّوقُّف في ذلك، ولا يُحرِّمها المفتي على الزَّوج ولا يُحِلُّها له، كما رواه الشَّعبيُّ عن علي أنَّه قال: ما أنا بمُحِلِّها ولا مُحرِّمها