فصل [في قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوحي لا بما يراه]
5 paragraphs · vol. 6, p. 521
- vol. 6, p. 521
لوجب عليه الحدُّ، فدلَّ على أنَّ قذفه سببٌ لوجوب الحدِّ عليه، وله إسقاطه باللِّعان، إذ لو لم يكن سببًا لما وجب بإكذابه نفسَه بعد اللِّعان.
-
وأبو حنيفة يقول: قذفُه لها دعوى تُوجِب أحد أمرين: إمَّا لعانه وإمَّا إقرارها، فإذا لم يلاعن حُبِس حتَّى يلاعن، إلا أن تُقِرَّ فيزول موجب الدَّعوى. وهذا بخلاف قذف الأجنبيِّ، فإنَّه لا حقَّ له عند المقذوفة، فكان قاذفًا محضًا.
-
والجمهور يقولون: بل قذفه جنايةٌ منه على عِرْضها، فكان موجَبُها الحدَّ كقذف الأجنبيِّ، ولمَّا كان فيها شائبةُ الدَّعوى عليها إتلافَها (١) لحقِّه وخيانتَها (٢) فيه= مَلكَ إسقاطَ ما يوجبه القذف من الحدِّ بلعانه، فإذا لم يلاعن مع قدرته على اللِّعان وتمكُّنِه منه= عَمِلَ مقتضى القذف عملَه، واستقلَّ بإيجاب الحدِّ، إذ لا معارضَ له. وباللَّه التَّوفيق.
-
فصل
ومنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كان يقضي بالوحي وبما أراه اللَّه، لا بما رآه هو، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يقْضِ بين المتلاعنين حتَّى جاءه الوحي ونزل القرآن، فقال لعويمرٍ حينئذٍ: «قد نزل فيك وفي صاحبتك (٣) ، فاذهبْ فأْتِ بها» (٤) ،
vol. 6, p. 522وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يسألُني الله عن سنَّةٍ أحدثتُها فيكم لم أُؤْمَرْ بها» (١) . وهذا في الأقضية والأحكام والسُّنن الكلِّيَّة، وأمَّا الأمور الجزئيَّة التي لا ترجع إلى أحكامٍ كالنُّزول في منزلٍ معيَّنٍ وتأمير (٢) رجلٍ معيَّنٍ، ونحو ذلك ممَّا هو متعلَّقُ المشاورة (٣)
-
المأمور بها بقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: ١٥٩] ، فتلك للرَّأي فيها مدخلٌ، ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - في شأن تلقيح النَّخل: «إنَّما هو رأيٌ رأيته» (٤) . فهذا القسم شيءٌ، والأحكام والسُّنن الكلِّيَّة شيءٌ آخر.