(١٨) «ما يؤثر عنه في الجراح، وغيره».
٣٩ فقرة، ج ١ ص ٢٤٢
- ج ١ ص ٢٤٢
(١٣٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمدُ بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: ١٥١] وقال: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) } [التكوير] . وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: ١٣٧] .
قال الشافعي: كان بعضُ العَربِ يَقتُلُ الإنَاثَ مِن ولَده (١) صِغارًا؛
-
خَوف العَيْلة عَليهم، والعَارَ بهن، فلمَّا نهى اللهُ - عز وجل - عن ذلك -مِن أولادِ المُشركين- دَلَّ ذلك على تَثبيت النَّهْي عن قتل أطفالِ المُشركين في دار الحرب، وكذلك دَلَّت عليه السُّنة، مع ما دَلَّ عليه الكتابُ مِن تحريم القتل بغَير حَقٍّ» (٢) .
-
(١٣٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي - رحمه الله - في قول الله - عز وجل -: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: ٣٣] قال: «لا يَقتُل غيرَ قَاتِلِه، وهذا يُشْبِهُ ما قيل واللَّهُ أَعْلَم، قال الله - عز وجل -: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: ١٧٨] . فالقصاص: إنما يكون مِمَّن فَعل ما فيه القصاص، لا مِمَّن لا يفعله،
ج ١ ص ٢٤٣فَأحْكَم اللهُ - عز وجل - فَرْضَ القصَاص في كتابه، وأبانت السُّنةُ لِمَن هو، وعلى مَن هو» (١) .
-
(١٣٩) أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «مِن العِلم العَام الذي لا اختلاف فيه بَين أَحَدٍ لَقِيتُه -فحدثني وبلغني عنه مِن عُلماء العَرب-: أنها كانت قبل نزول الوَحْي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تَبايَنُ في الفَضْل، ويكون بينها ما يكون بَين الجِيران مِن قَتل العَمْد والخَطَإ، وكان بَعضُها يَعرِفُ لِبعض الفَضْل في الدِّيات، حتى تكونَ ديةُ الرجل الشَّريف أَضعافَ دِيةِ الرَّجُل دُونَه، فأخذ بذلك بعضٌ مِن بَيْن أَظْهُرها من غيرها ناقصة مما كانت تأخذ به، فكانت دِيةُ النَّضِيريِّ، ضِعْفَي دِية القُرَظِيِّ، وكان الشريفُ مِن العَرب إذا قُتِل: تَجاوزوا (٢) قاتِلَه، إلى مَن لم يَقْتُلْه مِن أشراف القَبِيلَة التي قَتلَه أحدُها، وربما لم يَرْضَوا إلا بعددٍ يَقتلونهم، فَقَتل بَعضُ غَنِيٍّ: شأسَ بنَ زهير، فجمع عليهم أبوه -زهيرُ بنُ جذيمة- فقالوا له: سَلْ -أو بعض من نُدِب عنهم-: سل في قتل شأس، فقال: إحدى ثلاث لا يرضيني غيرُها، فقالوا: ما هي؟ فقال: تُحيُون لي شأسًا، أو تَملئون رِدَائِي مِن نجوم السماءِ، أو تدفعون لي غَنيًا بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أَخذتُ عِوضًا.
-
وقُتِل كُلَيبُ وائِلٍ، فاقتتلوا دهرًا طويلًا، واعْتَزَلَهُم (٣) بعضُهم، فأصابوا ابنًا له - يقال له: بَجِير- فأتاهم، فقال: قد عَرَفْتُم عُزْلَتِي، فَبَجِيرٌ بِكُلَيب- وهو
ج ١ ص ٢٤٤أعز العرب (١) - وكُفُّوا عن الحَرب (٢) ، فقالوا: بَجير بِشِسْع كُلَيب، فقاتلهم وكان مُعتَزِلًا.
قال: فيقال إنه نزل في ذلك وغيره مِمَّا كانوا يحكمون به في الجاهلية هذا الحكم الذي أحكيه بعد هذا، وحكم الله بالعدل، فَسَوَّى في الحكم بين عباده الشريف منهم، والوضيع، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: ٥٠] فيقال: إن الإسلام نزل وبعضُ العَرب يَطلُبُ بَعضًا بدماء وجراح، فنزل فيهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [البقرة: ١٧٨] » (٣) .
قال: «كان بَدءُ ذلك في حَيَّيْن مِن العرب، اقتتلوا قبل الإسلام بقليل، وكان لأحد الحَيَّيْن فَضلٌ على الآخَر، فأقسموا بالله لَيَقْتُلن بالأنثى الذَّكرَ، وبالعبدِ منهم الحُرَّ، فلما نزلت هذه الآية = رضوا وسَلَّموا.
قال الشافعي: وما أَشْبَه ما قَالوا -مِن هذا- بما قالوا؛ لأن اللهَ - عز وجل - إنما ألزم كُلَّ مُذنبٍ ذَنبَه، ولم يجعل جُرْمَ أحدٍ على غيره فقال: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} إذا كان واللَّهُ أَعْلَمُ قاتلًا له {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} إذا كان قاتِلًا له، {وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} إذا كانت قاتلة لها، لا أن يُقْتل بأحد مِمَّن لم يقتله، لِفَضل المَقتُول على القاتل.
-
وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعدى الناس على الله - عز وجل - مَن قَتَل غَيرَ
ج ١ ص ٢٤٥قَاتِلِه» (١) .
-
وما وصفتُ -مِن أن لَم أَعْلم مُخالفًا في أن يُقْتل الرَّجلُ بالمرأة- دَليلٌ على أن لو كانت هذه الآية غير خاصة- كما قال من وصفت قوله من أهل التفسير- لَم يُقتَل ذَكرٌ بأنثى» (٢) .
-
(١٤٠) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: ١٧٨] فكان ظاهرُ الآية واللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ القصاص إنما كُتِب على البالغين المَكْتُوب عليهم القصاص؛ لأنهم المُخَاطَبون بالفرائض
إذا قتلوا المؤمنين بابتداء الآية، وقوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: ١٧٨] ؛ لأنه جعل الأُخُوَّة بين المؤمنين، فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: ١٠] وقطع ذلك بين المؤمنين والكافرين.
قال: ودَلَّت سُنة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - على مثل ظاهر الآية» (٣) .
قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ في أهل التوراة: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} إلى آخر الآية [المائدة: ٤٥] .
-
«ولا يجوز واللَّهُ أَعْلَمُ في حكم الله تبارك وتعالى بين أهل التوراة أن كان حُكْمًا بَيِّنًا = إلا ما جاز في قوله: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: ٣٣] . ولا يجوز فيها إلا أن يكون كُلُّ
ج ١ ص ٢٤٦نَفْسٍ مُحَرَّمةَ القَتل، فعلى مَن قتلها القَوَدُ، فيلزم في هذا أَن يُقتَل المُؤمنُ بالكَافِر المُعَاهَد، والمُسْتأمَن، والمَرأَةِ والصَّبيِّ مِن أهل الحرب، والرجل بِعبدِه وعَبدِ غَيرِه -مُسلمًا كان، أو كافرًا-، والرجلُ بولَدِه إذا قتله.
-
أو يكون قولُ الله - عز وجل -: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} مِمَّن دَمُه مُكافئٌ (١) دَمَ مَن قَتلَه، وكُلُّ نَفْسٍ كانت تُقَاد بنفس، بدلالة كتاب الله، أو سُنةٍ، أو إجماع، كما كان قول الله - عز وجل -: {وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [البقرة: ١٧٨] إذا كانت قَاتلة خاصة، لا أَنَّ ذكرًا لا (٢) يُقْتَلُ بأنثى.
-
وهذا أولى معانيه به واللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأن عليه دلائلَ، منها: قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكَافِرٍ» (٣) ، والإجماع على: أن لا يُقْتل المَرءُ بابنه إذا قتله، والإجماع على: أن لا يُقْتَل الرجل بعبده، ولا بِمُسْتَأمَن مِن أهل الحرب، ولا بامرأةٍ مِن أهل الحرب ولا صَبيٍّ.
قال: وكذلك: لا يُقتلُ الرَّجلُ الحُرُّ بالعَبد، بحال» (٤) .
-
(١٤١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، وأبو زكريا ابنُ أبي إسحاقَ قالا:
حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، «أخبرنا معاذُ بن موسى، عن بُكَير بن معروف، عن مُقاتِل بن حيان، قال (٥) : قال مقاتل: أَخذتُ هذا التفسير عن نَفَرٍ- حفظ معاذُ منهم: مجاهدًا، والحَسَن، والضَّحَّاك بن
ج ١ ص ٢٤٧مزاحم- في قوله - عز وجل - {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} إلى آخر الآية [البقرة: ١٧٨] .
قال: كان كُتِبَ على أهل التوراة: مَن قَتل نفسًا بغير نَفس، حُقَّ أن يُقَاد بها، ولا يُعفى عنه، ولا يُقبَل منه الدِّيةُ.
-
وفُرِضَ على أهل الإنجيل: أن يُعفى عنه، ولا يُقْتَل.
-
ورُخِّص لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: إن شاء قَتَل، وإن شاءَ أخذَ الدِّيةَ، وإن شاء عَفَى.
-
فذلك: قوله - عز وجل -: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} يقول: الدِّيةُ تَخفيفٌ مِن الله تعالى؛ إذ جَعَل الدية، ولا يُقْتَل.
ثم قال: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) } [البقرة: ١٧٨] يقول: فمن قَتَل بَعد أَخْذِه (١) الدِّية، فَله عذابٌ أليم.
وقال -في قوله - عز وجل -: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: ١٧٩] -: يقول: لكم في القصاص، حياةٌ يَنتهِي بها بعضُكُم عن بعضٍ، أن يُصِيبَ مَخافَةَ أن يُقْتَل» (٢) .
-
(١٤٢) وأخبرنا أبو عبد الله، وأبو زكريا، قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، «أخبرنا ابنُ عُيَينَة، أخبرنا عمرو بن دينار، قال: سمعتُ مجاهدًا، يقول: سمعت ابنَ عباس، يقول: كان في بني إسرائيل
ج ١ ص ٢٤٨القصَاص، ولم يكن فيهم الدِّيةُ، فقال الله - عز وجل - لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} الآية. وقال (١) : العفو: أن يَقْبَل الدِّيَةَ في العَمْد. [ {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ} ] (٢) مِمَّا كُتِب على مَن كَان قَبْلَكُم، {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) } [البقرة] (٣) .
قال الشافعي - في رواية أبي عبد الله-: وما قال ابنُ عباسٍ في هذا، كما قال واللَّهُ أَعْلَم، وكذلك قال مقاتل، وتَقَصِّي مقاتل فيه أكثر مِن تَقَصِّي ابن عباس، والتَّنزيلُ يَدُلُّ على ما قال مقاتل؛ لأن الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ إذْ ذَكَر القصاص، ثم قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} لم يجز واللَّهُ أَعْلَم أن يُقَال: إن عُفِي: إن صُولِح على أخذ الدية؛ لأن العفو تَركُ حَقٍّ بلا عِوَض، فلم يجز إلا أن يكون: إن عُفِي عن القتل، فإذا عَفَى لم يكن إليه سبيل، وصار لعافي القَتل ما قال في مال القاتل- وهو: دية قتيله- فيتبعه بمعروف، ويؤدي إليه القاتل بإحسان.
-
ولو (٤) كان إذا عفى عن القاتل، لم يكن له شيء، لم يكن للعافي أن يتبعه ولا على القاتل شيءٌ يؤديه بإحسان.
ج ١ ص ٢٤٩قال: وقد جاءت السُّنة- مع بيان القرآن- بمثل معنى القرآن.
-
فذكر حديث أبي شُرَيح: أَنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن قتل بعده (١) قتيلًا، فأهله بين خِيرَتَيْن: إن أحَبُّوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العَقْل» (٢) (٣) .
قال الشافعي: قال الله - عز وجل -: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} وكان معلومًا عند أهل العلم- مِمَّن خُوطِب بهذه الآية- أَنَّ وَلِيَّ المقتول، مَن جَعَل اللهُ له مِيراثًا منه» (٤) .
-
(١٤٣) وفيما أنبأني به أبو عبد الله -إجازةً-، عن أبي العَبَّاس، عن الربيع، قال: قال الشافعي: «ذكر اللهُ تعالى ما فَرض على أهل التَّوراة، فقال:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: ٤٥] . قال: ولم أَعلمُ خلافًا في أَنَّ القصاص في هذه الأمة (٥) ، كما حكى (٦) الله - عز وجل - به (٧) بين أهل التوراة، ولم أعلم مخالفًا في أن القصاص بين الحُرَّين المُسْلِمَين
ج ١ ص ٢٥٠في النفس، وما دونها مِن الجِراح التي يُسْتَطَاعُ فيها القصاص بلا تَلَف يُخَاف على المُسْتقاد منه مِن مَوضِع القَوَد» (١) .
-
(١٤٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: ٩٢] . فَأَحْكَم اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ في تنزيل كتابه (٢) أن على قَاتِل المُؤمن: دِيةً مُسَلَّمةً إلى أهله، وأبان على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - كم الدِّية، وكان نقل عدد من أهل العلم عن عدد لا تنازع بينهم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بدية (٣) المسلم: مائة من الإبل، وكان هذا أقوى مِن نَقل الخَاصَّة، وقد رُوي مِن طريق الخاصة» (٤) .
-
قال الشافعي-فيما يَلْزَمُ العِراقِيين في قولهم في الدية إنها عَلى أهل
الوَرِق عَشْرة آلاف دِرهم-: «قد رُوي عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قَضى بالدية: اثْنَيْ عَشر أَلف دِرْهم، وزعم عِكْرمةُ أنه نزل فيه: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: ٧٤] » (٥) .
ج ١ ص ٢٥١قال الشَّيخُ: حديثُ عِكرمة هذا: رواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، مَرَّةً مُرسلًا، ومَرَّةً مَوصُولًا بِذكر ابنِ عَبَّاسٍ فيه (١) .
-
ورواه محمدُ بن مُسلم الطَّائِفي، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، موصولًا (٢) .
-
وبهذا الإسناد، قال (٣) : قال الشافعي: «أمر الله تبارك وتعالى في المُعَاهَد يُقْتلُ خَطأً: بِدِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إلى أهله، ودَلَّت سُنَّةُ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا يُقْتَل مؤمنٌ بِكَافرٍ، مع ما فَرَّق اللهُ بَين المؤمنين والكافرين، فلم يَجُز أن يُحْكَم على
ج ١ ص ٢٥٢قَاتِل الكافر إلا (١) بدية، ولا أن يُنْقَص (٢) منها، إلا بخبر لازم، وقضى عمرُ بن الخَطَّاب، وعثمان بنُ عفانَ - رضي الله عنهما - في دية اليهودي، والنصراني: بثُلثِ دِية المُسلم، وقضى عمر - رضي الله عنه - في دِية المَجُوسي: بثَمَانِمَائة دِرهم، ولم نعلم أن أحدًا قال في دياتهم بأقل مِن هذا.
-
وقد قيل: إن دِيَّاتهم أكثرُ مِن هذا، فَألزمنا قَاتلَ كُلِّ وَاحدٍ مِن هؤلاء الأقل مما اجتمع عليه» (٣) .
-
وأطال الكلام فيه، وناقضهم بالمؤمنة الحُرَّة، والجَنين، وبالعبد، -وقد تكون قِيْمَتُهُ عَشرةَ دَرَاهِمَ- يَجِبُ في قَتل كُلِّ وَاحدٍ منهُم تَحريرُ رَقَبةٍ مؤمنة، ولم يُسَوَّ بينهم في الدِّية (٤) .
-
(١٤٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} إلى قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] .
ج ١ ص ٢٥٣قال الشافعي: يعني في قَومٍ عَدُوٍّ لَكُم.
-
ثم ساق الكلام، إلى أن قال: وفي التنزيل، كفاية عن التأويل؛ لأن الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ إذ حكم في الآية الأولى في المؤمن يُقتل خَطأً: بالدِّية والكَفّارة، وحَكَم بمثل ذلك، في الآية بعدها في الذي بيننا وبينه مِيثاقٌ، وقال بين هذين الحُكْمَين: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ولم يذكر دِيةً، ولم تحتمل الآيةُ معنى، إلا أن يكون قوله: {مِنْ قَوْمٍ} يعني: في قوم عَدو لنا، دَارُهُم دَارُ حَرب مُبَاحة، وكانت مِن سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغت النَّاسَ الدَّعوةُ، أن يُغِير عليهم غَارِّين = كان في ذلك دَليلٌ على أن لا يُبِيح الغَارةَ على دَارٍ وفيها مَن له -إن قَتَل- عَقْل، أو قَوَد، وكان هذا حُكمُ الله - عز وجل -، قال: ولا يجوز أن يُقالَ لِرجُلٍ: مِن قَوم عَدو لَكُم، إلا في قوم عَدو لنا، وذلك أن عَامَّة المهاجرين كانوا مِن قُرَيش، وقَريشٌ عَامَّةُ أهل مَكة، وقريش عَدُوٌّ لنا، وكذلك كانوا مِن طَوائِفَ العَرب والعَجَم وقبائلهما أعداء (١) للمسلمين، فإن دَخَل مسلمٌ في دار حرب، ثم قتله مسلم، فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنة، ولا عَقْل لَه إذا قَتله وهو لا يعرفه بعينه مُسلِمًا» (٢) .
-
وأطال الكلام في شرحه.
قال الشافعي في كتاب البُوَيْطِيِّ: «وكل قَاتِل عمدٍ (٣) عُفِي عنه، وأُخِذَت منه الدِّيةُ: فعليه الكَفَّارة؛ لأن الله - عز وجل - إذ جعلها في الخَطَإِ الذي وَضَعَ فيه
ج ١ ص ٢٥٤الإثم= كان العَمدُ أَوْلى، والحُجَّة في ذلك كتاب الله - عز وجل - حين قال في الظِّهار: {مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة: ٢] وجعل فيه كَفَّارة، ومن قوله: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ... [المائدة: ٩٥] ثم جعل فيه الكفارة» (١) .
-
وذكرها أيضًا في رواية المُزَني (٢) ، دون العَفو، وأَخْذِ الدِّية.
- ج ١ ص ٢٥٦
لا يَنْسإِ اللهُ مِنَّا مَعْشَرًا شَهِدُوا * يَومَ الأُمَيْلِح، لا غَابُوا، ولا جَرَحُوا
عَقَّوْا بِسَهْم، فَلم يَشْعُر بِهِم أَحَدٌ * ثُم اسْتَفَاءُوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ (١)
قال الشافعي: فأمر الله تبارك وتعالى -إن فاءوا- أن يُصلَح بينهم بالعدل ولم يذكر تِبَاعَةً في دم، ولا مال، وإنما ذكر الله - عز وجل - الصُّلْح آخرًا، كما ذكر الإصلاح بينهم أولًا قبل الإذن بقتالهم، فأشبه هذا واللهُ أَعْلَمُ أن تكون التِّبَاعَاتُ في الجِراح والدماء، وما فات من الأموال: ساقطةً بينهم.
-
وقد يحتمل قولُ الله - عز وجل -: {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} [الحجرات: ٩] : أَنْ يُصْلَح بينهم بالحكم، إذا كانوا قد فعلوا ما فيه حُكم، فَيُعْطَى بَعضُهم مِن بعض، ما وَجَب له؛ لقول الله - عز وجل -: {بِالْعَدْلِ} والعدل: أَخْذُ الحَقِّ لِبعضِ النَّاس مِن بَعْض (٢) » (٣) . ثم اخْتار الأوَّل، وذكر حُجَّتَه
(١٤٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي - رحمه الله -، قال: «قال الله - عز وجل -: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} إلى قوله تعالى: {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: ١ - ٣] .
ج ١ ص ٢٥٧قال الشافعي: فَبَيِّنٌ في كتاب الله - عز وجل - أن الله أخبر عن المنافقين أنهم اتَّخذُوا أَيْمَانَهم جُنَّةً، يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: مِن القَتْل، ثم أخبر بالوجه الذي اتخذوا به أيمانهم جُنة فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} [المنافقون: ٣] بَعد الإيمان، كُفرًا، إذا سُئِلُوا عنه أنكرُوه، وأَظْهرُوا الإيمانَ وَأَقرُّوا به، وأظهروا التَّوبة مِنه وهم مُقِيمُون -فيما بينهم وبين الله تعالى- عَلى الكُفر، وقال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة: ٧٤] فأخبر: بكفرهم، وجَحْدِهِم الكُفرَ، وكَذَّب سَرائِرَهُم بِجَحْدِهم، وذكر كُفرَهم في غير آيةٍ، وسَمَّاهم بالنفاق إذا أَظهرُوا الإيمان وكانوا على غيره، وقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: ١٤٥] فأخبر الله - عز وجل - عن المنافقين بالكفر، وحكم فيهم بعلمه مِن أسرار خلقه، ما لا يَعلَمُه غيرُه مِن أنهم في الدرك الأسفل مِن النار، وأنهم كاذبون بأَيْمَانهم، وحكم فيهم- في الدنيا- أن ما أظهروا مِن الإيمان- وإن كانوا به كَاذِبين- لَهُم جُنَّة مِن القَتْل، وهم المُسِرُّون الكُفر، المُظهِرُون
الإيمان، وبَيَّن على لِسَان نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم - مِثل مَا أَنْزَل اللهُ - عز وجل - في كِتَابه» (١) .
-
وأطال الكلام فيه.
قال الشافعي: «وأخبر الله - عز وجل - عن قوم مِن الأعراب فقال: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: ١٤] . فَأعْلَم: أَنْ لَم يَدْخُل الإيمان في قلوبهم، وأنهم أَظهرُوه، وحَقَن به دِماءَهُم.
ج ١ ص ٢٥٨قال الشافعي: قال مجاهد في قوله: {أَسْلَمْنَا} قال: اسْتَسْلَمْنا
مَخافةَ القَتْل والسَّبْي» (١) .
قال الشافعي: «ثم أخبر أنه يَجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله، يعني: إن أحدثوا طاعة الله ورسوله» (٢) .
قال الشافعي: «والأَعْرَابُ لا يَدِينُون دِينًا يَظْهَر، بل يُظهِرُون الإسلام، ويَسْتَخفُون الشِّرك والتعطيل، قال الله - عز وجل -: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: ١٠٨] » (٣) .
وقال - في قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: ٨٤] -: «فإن صلاته -بأبي هُو وأُمي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله- مُخَالِفةً صَلاة غَيره، وأرجو أن يكون قَضى-إذ أَمرَه بترك الصلاة على المنافقين- أن لا يُصَلِّي على أحد إلا غُفِر له، وقضى أن لا يُغْفَر لِمُقِيمٍ على شرك = فنهاه عن الصلاة على مَن لا يَغْفِر له.
قال الشافعي: ولم يمنع رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن الصَّلاةِ عَليهِم- مُسْلِمًا، ولم يَقتُل مِنهم -بعد هذا- أَحدًا» (٤) .
-
قال الشافعي -في غَير هذا المَوضِع- {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: ١] : ما هم بمخلصين» (٥) .
- ج ١ ص ٢٥٩
(١٤٨) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: «قال الله - عز وجل -: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: ١٠٦] فلو أَنَّ رجُلًا أَسَره العَدوُّ، فَأُكرِهَ على الكفر: لم تَبِن منه امرأتُه، ولم يُحكَم عليه بِشيءٍ مِن حُكم المُرتَد، قد أكره بعضُ مَن أَسلَم -في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الكفر، فقاله، ثم جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكر له ما عُذِّب به، فنزلت فيه هذه (١) ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - باجتناب زوجته، ولا بشيءٍ مِمَّا على المُرتَد» (٢) .
-
(١٤٩) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: «وأبان الله - عز وجل - لِخَلقه أَنَّه تَولَّى الحُكمَ -فيما أثابهم، وعَاقبَهُم عليه- على ما عَلِم مِن سَرائِرهِم، وافقت سرائرُهُم علانيتَهم، أو خَالفَتْها، فإنما جزاؤُهم بالسَّرائِر، فَأحبَط عَمَل مَن كَفَر به.
ثم قال تبارك وتعالى -فيمَن فُتِن عن دينه-: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: ١٠٦] فَطَرح عَنهم حُبوطَ أَعمالِهم، والمَأثَم بالكفر؛ إذا كانوا مكرهين (٣) وقلوبهم على الإطمأنينة (٤)
-
بالإيمان، وخلاف
ج ١ ص ٢٦٠الكفر، وأمر بقتال الكافرين حتى يؤمنوا، وأبان ذلك حتى يُظهِرُوا الإيمان، ثم أوجب للمنافقين- إذ أسَرُّوا الكفر- نَارَ جَهنَّم فقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: ١٤٥] ، وقال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} إلى قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: ٢] يعني واللَّهُ أَعْلَم: مِنَ القَتْل، فمنعهم مِن القَتل، ولم يُزِل عنهم-في الدنيا- أحكامَ الإيمان؛ بما أظهروا منه، وأوجب لهم الدَّرْكَ الأسْفَل مِن النار؛ لعلمه بسرائرهم، وخلافها لعلانيتهم بالإيمان، وأَعلَم عِبادَه -مع ما أَقامَ عليهم مِن الحُجَّة-: بأن لَيس كمثلِه أحدٌ في شِيء، إنَّ عِلمَه بالسَّرائِر والعَلانِية واحِد. فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: ١٦] ، وقال - عز وجل -: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: ١٩] .
-
مع آياتٍ أُخَر من الكتاب.
قال: وعَرَّف جَميعَ خلقِه -في كتابه-: أن لا عِلمَ لَهُم، إلا ما عَلَّمهم. فقال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: ٧٨] ، وقال: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: ٢٥٥] ، ثُمَّ مَنَّ عليهم بما آتاهُم مِن العِلم، وأمرهم بالاقتِصَار عليه، فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: ٥٢] الآية.
وقال تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: ٢٣ - ٢٤] ، وقال - عز وجل -: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦] .
- ج ١ ص ٢٦١
وذكر سائرَ الآيات التي وَردَت في عِلم الغَيب، وأنه:
حَجَب عن نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - عِلْمَ السَّاعةِ، فكان مَن جَاوَر مَلائِكَة اللهِ المُقرَّبين، وأنبياءَه المُصْطَفَين-مِن عباد الله- أَقْصرَ علمًا، وأولى أن لا يَتَعاطَوْا حُكمًا على غَيب أحدٍ، بدلالة ولا ظن؛ لتقصير علمهم عن علم أنبيائِه، الذين فُرِضَ عليهم الوَقْف عَمَّا وَرد عليهم، حتى يأتيَهم أَمرُه (١) » (٢) .
-
وبسط الكلام في هذا.