(١٧) «ما يؤثر عنه في العدة، وفي الرضاع، وفي النفقات»

٣٦ فقرة، ج ١ ص ٢٣١

  1. (١٢٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ -قراءَةً عليه- حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي - رحمه الله -، قال: «قال الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] . وقالت عائشة - رضي الله عنها -: الأقراء: الأطهار، وقال بمثل (١) معنى قولها، زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وغيرهما.

    ج ١ ص ٢٣١
  2. وقال نَفَرٌ مِن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢) : الأقراء: الحيض، فلا تحل المطلقة حتى تغتسل من الحَيْضة الثالثة» (٣) .

  3. ثم ذكر الشافعي حُجَّةَ القولين، واختار الأول، واستدل عليه بأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَر عُمَرَ - رضي الله عنه - حين طَلَّق ابنُ عمرَ امرأتَه، حائضًا- أن يأمره بَرَجْعَتِها حتى تَطْهُر، ثم يُطَلِّقها طَاهرًا، مِن غير جِماع، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فَتِلكَ العِدَّةُ التِي أَمَر اللهُ - عز وجل - أن يُطَلَّق لها النِّسَاءُ» (٤) .

    قال الشافعيُّ: «واللَّهُ أَعْلَم قول الله - عز وجل -: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله - عز وجل - أن العِدَّة: الطُّهر،

    ج ١ ص ٢٣٢دون الحيض» (١) .

  4. واحتج: «بأن الله - عز وجل - قال: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} ، ولا معنى للغسل؛ لأن الغسل (٢) رابع (٣) » (٤) .

  5. واحتج: «بأن الحَيْضَ هو: أن يُرخِيَ الرَّحِمُ الدَّمَ حتى يَظْهَر، والطُّهرُ هو: أن يَقْريَ الرَّحِمُ الدَّمَ، فلا يَظْهَر، فالقري (٥) : الحَبْس، لا الإرسَال. فالطُّهر -إذا كان يكونُ وقتًا- أَوْلى (٦) في اللسان، بمعنى القُرْء؛ لأنه حَبسُ الدَّم» (٧) .

  6. وأطال الكلام في شرحه.

  7. (١٣٠) أنبأني أبو عبد الله -إجازةً- حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: ٢٢٨] الآية.

    قال الشافعي - رحمه الله -: فكان بَيِّنًا -الآية في التنزيل- أنه لا يَحِل للمُطَلَّقة أن تَكتُم ما في رَحِمِها مِن الحيض (٨) ، فقد يَحْدُث له -عند خوفه انْقضاءَ عِدَّتِها- رَأيٌّ في نكاحها، أو يكون طلاقه إياها أدبًا لها.

  8. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: وكان ذلك يحتمل: الحمل مع الحيض (١) ؛ لأن الحمل مما خلق الله في أرحامهن، فإذا سأل الرجلُ امرأته المطلقة، أحامل هي؟ أو هل حاضت؟ فَبيِّن (٢) عندي، ألا يَحِل لها أن تكتمه ولا أحدًا رأت أنه يُعلِمُه، فأحب إلي لو أخبرته به.

    ج ١ ص ٢٣٣
  9. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: ولو كَتَمتْهُ بعد المَسْأَلَةِ، حتى خَلَت عِدَّتُها= كانت عندي آثِمَةٌ بالكتمان، وخِفتُ عليها الإثمَ إذا كَتَمَت، وإذا (٣) لم يَسْأَل ولم يَكُن لَه عَليها رَجْعَةٌ؛ لأن اللهَ - عز وجل - إنما جَعلَها له حتى تَنْقَضِي عِدَّتُها» (٤) .

  10. وروى الشافعي - رحمه الله - في ذلك قول عَطاءٍ، ومُجَاهِدٍ، وهو منقول في كتاب «المبسوط» و «المعرفة» (٥) .

  11. وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «سمعتُ مَن أرضى مِن أهل العِلْم يقول: إن أَوَّلَ ما أنزل اللهُ - عز وجل - مِن العِدَد: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] فلم يَعلموا ما عِدَّةُ المَرأةِ لا قُرْءَ لها: -وهي التي لا تحيض- والحامل. فأنزل الله - عز وجل -: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: ٤] وقوله: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} فلم تدروا ما تَعْتَدُّ غَيرُ ذَواتِ الأقراء؟

    ج ١ ص ٢٣٤وقال تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] .

    قال الشافعي: في هذا واللَّهُ أَعْلَم شبه ما قالوا» (١) .

  12. وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله تبارك وتعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: ٤٩] . فكان بَيِّنًا في حُكم الله - عز وجل -: ألَّا عِدَّة على المُطَلَّقة قبل أن تُمَس، وأن المَسِيس: الإصابة» (٢) .

  13. وذكر الآيات في العِدَّة، ثم قال: «فكان بَيِّنا في حُكم الله - عز وجل -: أن العِدَّة مِن يوم يَقَع الطَّلاق، وتكونُ الوفَاةُ» (٣) .

  14. وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: ٢٤٠] .

    قال الشافعي: حَفِظتُ عن غير واحِدٍ من أهل العلم بالقرآن: أن هذه الآية نزلت قبل نزول آي (٤) المواريث، وأنها منسوخة.

  15. وكان بعضُهم، يذهبُ إلى أنها نَزلَت مَع الوَصِيَّة للوالِدَين والأَقرَبين، وأَنَّ وَصِيةَ المَرأةِ مَحْدُودَةٌ بمَتاع سَنَة، وذلك: نَفَقتُها، وكِسوتها، وسَكَنُها، وأن قَد حَظَر على أهل زَوجِها إخراجَها، ولم يحظر عليها أن تَخرُج.

    ج ١ ص ٢٣٥قال: وكان مذهبهم: أن الوصية لها بالمتاع إلى الحَول والسكنى منسوخة.

  16. يعني: بآية المواريث (١) .

  17. وأن الله - عز وجل - أثبت عليها عِدة أربعة أشهر وعشرًا، ليس لها الخيار في الخروج منها، ولا النِّكاح قبلها.

  18. إلا أن تكون حاملًا فيكون أَجلُها أن تَضَع حملها» (٢) .

  19. وله -في سُكْنَى المُتَوفَّى عنها- قَولٌ آخَر: «أَنَّ الاختيار لوَرَثَتِه، أَنْ يُسْكِنُوها، وإن لم يَفعَلُوا، فقد مَلكُوا المَالَ دُونَه» (٣) .

    قال (٤) : رويناه عن عطاء (٥) ، ورواه الشافعي، عن الشعبي (٦) .

  20. (١٣١) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا

    ج ١ ص ٢٣٦الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل - في المطلقات: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: ١] . قال الشافعي: فالفاحشة: أن تَبذُو (١) على أهل زوجها، فيأتي من ذلك ما يُخَاف الشقاق بينها وبينهم، فإذا فعلت: حَلَّ لهم إخراجُها، وكان عليهم أن يُنْزِلُوها منزلًا غيره».

  21. وروى الشافعي معناه -بإسناده- عن ابن عباس (٢) .

  22. (١٣٢) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل -: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: ٢٣] . قال الشافعي: حَرَّم الله - عز وجل - الأم، والأخت من الرضاعة، واحتمل تحريمها معنيين:

    أحدهما: إِذْ ذَكَر اللهُ تَعالى تَحْريمَ الأُمِّ والأُختِ مِن الرَّضَاعَة، فأقامها في التحريم، مقامَ الأُمِّ والأختِ مِن النَّسَب، أن تكون الرَّضَاعةُ كُلُّها، تقوم مَقَام النَّسبِ، فما حَرُم بالنَّسب: حَرُم بالرَّضَاعة مثله، وبهذا نقول، بدلالة سُنَّةِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، والقِيَاسِ عَلى القُرآن.

  23. والآخر: أن يَحرُم مِن الرَّضَاع: الأم والأخت، ولا يَحرُم سواهما» (٣) .

  24. ثم ذكر دلالة السُّنة، لما اختار مِن المعنى الأول.

    قال الشافعي - رحمه الله -: «والرَّضَاع: اسمٌ جامع، يقع على المَصَّة، وأكثر

    ج ١ ص ٢٣٧منها إلى كَمال رَضاع (١) الحَوْلَين، ويقع على كل رَضَاع وإن كان بَعْد الحَولين» (٢) .

  25. «فاستدللنا أنَّ المُرادَ بتحريم الرَّضَاع: بَعضَ المُرْضَعِين (٣) ، دون بعض، لا (٤) مَن لَزِمَه اسمُ رَضَاع» (٥) .

  26. وجعل نظير ذلك: آية السارق والسارقة، وآية الزاني والزانية، وذكر الحجة في وقوع التحريم بَخَمْس رَضَعَات.

  27. واحتج في الحولين بقول الله - عز وجل -: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: ٢٣٣] «فَجعَلَ - عز وجل - تَمَامَ الرَّضَاع: حَوْلَيْن وقال: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: ٢٣٣] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: قبل الحولين، فَدَلَّ إرخاصُه جَلَّ ثَنَاؤُهُ في فِصَال المَولود، عن تراضي وَالِدَيه وتَشَاورهما، قبل الحولين = على أن ذلك إنما يكون باجتماعهما على فِصَالِه، قَبْل الحَوْلَين، وذلك لا يكون واللَّهُ أَعْلَمُ إلا بالنَّظَر للمولود مِن والديه، أن يكونا يَريَان فِصَالَه قبل الحولين، خيرًا له مِن إتمام (٦) الرَّضَاع له؛ لِعِلَّةٍ تكون به، أو بمرضعته (٧) ، وأنه لا يقبل رَضاع غيرها، وما

    ج ١ ص ٢٣٨أشبه هذا، وما جعل الله تعالى له غَايةً، فالحكم (١) بعد مُضِي الغاية فيه، غيره قبل مُضِيِّها. قال الله - عز وجل -: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] . فحكمهن-بعد مُضِيِّ ثلاثةِ أَقْرَاءٍ- غَير حُكْمِهِنَّ فيها.

    وقال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: ١٠١] . فكان لهم أن يَقْصُروا مُسافِرين، وكان في شَرط القَصر لهم بحال موصوفة: دَلِيلٌ على أَنَّ حُكمَهم في غير تِلك الصِّفَة غَيرُ القَصْر» (٢) .

  28. (١٣٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -قراءةً عليه- حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) } [النساء] . قال: وقول الله - عز وجل -: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} يَدُلُّ واللَّهُ أَعْلَمُ على أن على الزوج نَفقةَ امْرَأتِه.

  29. وقوله: {أَلَّا تَعُولُوا} أي: لا يَكثُر مَن تُعولوا، إذا اقتصَر المَرءُ على واحدة، وإن أباح له أكثر منها» (٣) .

  30. (١٣٤) أخبرنا أبو الحُسَين (٤) بنُ بِشْران العدلُ -ببغداد-، أخبرنا أبو عمرَ محمدُ بنُ عبد الواحد اللُّغَوي -صَاحِبُ ثَعْلَب- في كتاب «يَاقُوتَة الصِّرَاط» (٥) في قوله - عز وجل -: {أَلَّا تَعُولُوا} أي: ألَّا تَجُوروا. وتعولوا: تَكثُر

    ج ١ ص ٢٣٩عِيالُكُم.

  31. ورويناه (١) عن زيد بن أسلم- في هذه الآية-: «وذلك أدنى أن لا يَكثُر مَن تَعُولُونَه» (٢) .

  32. (١٣٥) أنبأني أبو عبد الله، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله - عز وجل - في المطلقات: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: ٦] الآية، وقال: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٦] قال: فكان بَيِّنًا واللَّهُ أَعْلَمُ في هذه الآية، أنها في المُطلَّقة لا يملك زوجُها رَجعَتَها، مِن قِبَل أنَّ الله - عز وجل - لمَّا أمر بالسُّكنى عامًّا، ثم قال في النَّفقة: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} = دَلَّ ذلك على أن الصِّنف الذي أُمِرَ بالنفقة على ذَواتِ الأَحْمَال مِنهُنَّ: صِنفٌ دَلَّ الكتابُ على ألا نَفَقةَ على غَير ذوات الأحمال مِنهُن؛ لأنه إذا أَوْجَب (٣) لِمُطَلَّقةٍ بِصفَةٍ نفقةً= ففي ذلك دليلٌ على أنه لا يَجِبُ نَفقَةٌ لِمَن كانت في غَير صِفَتها مِن المُطَلَّقات، ولمَّا لم أعلم مُخَالفًا -مِن أهل العِلم- في أن المُطَلَّقة التي يملك

    زوجها رَجْعَتَها في معاني الأزواج= كانت الآية على غيرها مِن المُطَلَّقَات» (٤) .

  33. وأطال الكلام في شرحه، والحُجَّةِ فيه.

  34. (١٣٦) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى: {وَالْوَالِدَاتُ

    ج ١ ص ٢٤٠يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٣] . وقال تبارك وتعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: ٦] . قال الشافعي: ففي كتاب الله - عز وجل -، ثم في سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيانٌ: أن الإجارات جائزةٌ على ما يَعرفُ الناس، إذ قال الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} والرَّضَاع يختلف، فيكون صبيٌّ أكثر رَضاعًا مِن صَبي، وتكونُ امرأةٌ أكثر لَبنًا مِن امرأةٍ ويختلف لَبنُها، فَيقِل (١)

  35. ويَكثُر، فتجوز الإجارات على هذه؛ لأنه لا يوجد فيه أقرب مما يحيط العلم به مِن هذا، وتجوز الإجارات على خدمة العَبد، قياسًا على هذا، وتجوز في غيره- مما يَعرفُ الناس- قياسًا على هذا، قال: وبيان على أَنَّ على الوَالِد نَفَقةُ الوَلَد دُونَ أُمِّه -كانت أَمُّه مُتَزوِّجَة، أو مُطَلَّقةً- وفي هذا، دِلالةٌ على أَنَّ النَّفقَة لَيْسَت على الميراث، وذلك أَنَّ الأُمَّ وَارِثَة، وفرض النفقة والرضاع على الأب، دونها.

    قال: وقال ابن عباس- في قول الله - عز وجل -: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: ٢٣٣] مِن أن لا تُضَار والِدةٌ بولدها، لا أَنَّ عليها الرَّضَاع» (٢) .

  36. وبهذا الإسناد -في الإملاء- قال الشافعي: «ولا يَلزَمُ المَرأةَ رَضَاعُ ولَدِها -كانت عند زوجها، أو لم تكن- إلا أن تشاء، وسواءٌ كانت شَريفَة، أو دَنِيَّة، أو مُوسِرة، أو مُعْسِرة؛ لقول الله - عز وجل -: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} وزاد الشافعي على هذا -في كتاب الإجارة- فقال:

    ج ١ ص ٢٤١«وقد ذكر الله تعالى الإجارةَ في كتابه، وعَمِلَ بها بعضُ أنبيائِه، ... قال الله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: ٢٦] قال: فذكر اللهُ - عز وجل - أن نَبِيًّا مِن أَنبيائِه - صلى الله عليه وسلم - أَجَّر نفسَه حِجَجًا مُسَمَّاة؛ يَملِكُ بها بُضْعَ امرأةٍ، فَدَلَّ على تَجْويز الإجارة، وعلى ألَّا بأس بها على الحِجَج؛ إذ (١) كان على الحجج استأجره، وقد قيل: استأجره على أن يَرعى له واللَّهُ أَعْلَمُ» (٢) .