(٢٦) «ما يؤثر عنه من التفسير، في آيات متفرقة، سوى ما مضى».

٤٠ فقرة، ج ١ ص ٣٦٥

  1. (٢٠٦) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ -في كِتاب «المُسْتَدْرَك» (٢) - أخبرنا أبو العَباس محمدُ بنُ يَعقُوبَ، أخبرنا الربيع بنُ سليمان، أخبرنا الشَّافِعيُّ، أخبرني يَحْيى بنُ سُلَيم، حدثنا ابنُ جُرَيج، عن عِكْرِمة، قال: دَخلتُ على ابنِ عَباسٍ، وهو يَقْرأُ في المُصْحَف، قَبل أَن يَذهبَ بَصرُه، وهو يَبْكِي، فقلتُ: ما يُبكِيكَ يا أبا عَبَّاس؟ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاك، فقال لي: هَل تَعِرفُ أَيْلَةَ؟ قلتُ: ومَا أَيْلَةُ؟ قال: قَرْيةٌ كان بها نَاسٌ مِن اليَهُود، فَحَرَّم اللهُ عليهم الحِيتَان يَوم السَّبت، فكانت حِيتَانُهُم تَأْتِيهِم يَوم سَبْتِهم شُرَّعًا، بِيضٌ سِمَانٌ كأمثال المَخَاض، بأفْنِياتهِم وأَبْنِيَاتهم (٣) ، فإذا كان في غَير يوم السَّبت، لم يَجْدِوهَا، ولم يُدْرِكُوها إلا في مَشَقَّةٍ ومُؤْنَةٍ شَديدة، فقال بعضُهم -أو من قال ذلك منهم-: لَعَلَّنا لَو أَخذنَاها يومَ السَّبتِ، وأَكَلْنَاها في غَير يومِ السَّبت.

    ج ١ ص ٣٦٥
  2. فَفَعَل ذلك أَهلُ بَيتٍ منهم، فأخذوا فَشَوَوْا، فَوجَد (٤) جِيرانُهُم رِيحَ الشَّوِيِّ (٥) ، فقالوا: واللهِ ما نَرى أَصَابَ بَنِي فُلانٍ شيءٌ (٦) .

  3. فأخذها آخَرُون، حتى فَشَا ذَلِك فِيهِم، فَكَثُر، فَافْتَرَقُوا فِرَقًا ثَلاثًا (١) : فِرْقَةً أَكَلَت، وفِرْقَةً: نَهَتْ، وفِرْقَةً قالت: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الأعراف: ١٦٤] .

    فقالت الفِرقَةُ التي نهتْ: إِنَّا نُحَذِّرُكُم غَضَبَ اللهِ وعِقَابَه: أَنْ يُصِيبَكُم اللهُ بِخْسَفٍ، أو قَذْفٍ أو بِبَعْضِ ما عِنْدَه مِن العَذَابِ، واللهِ لا نُبَايِتُكُم في مَكانٍ وأَنْتُم فيه.

    قال: فَخَرجُوا مِن البُيُوتِ (٢) ، فَغَدَوْا عَلَيْهِم مِن الغَدِ، فَضَربُوا بابَ البُيُوتِ (٣) فَلم يُجِبْهُم أَحَدٌ، فَأَتَوْا بِسُلَّمٍ، فَأَسْنَدُوه إلى البيوت (٤) ، ثم رَقَى منهُم رَاقٍ على السُّورِ، فقال: يا عِبادَ اللهِ، قِرَدَةٌ واللهِ، لها أَذْنَابٌ، تُعَاوِي (٥) ثَلاثَ مَرَّات.

    ج ١ ص ٣٦٦
  4. ثُم نَزَلَ مِن السُّور، فَفَتَح البُيُوتَ (٦) ، فَدَخل النَّاسُ عَلَيْهِم، فَعَرَفَت القُرودُ أَنْسَابَها مِن الإِنْسِ، ولم تَعْرِف الإِنسُ أَنسابها مِن القُرُود.

    قال: فَيأتي القِردُ إلى نَسِيبِه وقَرِيبِه مِن الإنس، فَيَحْتَكُّ به ويَلْصَقُ، ويقولُ الإنسانُ: أَنتَ فُلان؟ فَيُشِيرُ بِرَأْسِه - أي: نَعَم- ويَبْكِي، وتأتي القِرْدَةُ إلى نسيبها وقريبها مِن الإنْس، فيقولُ لها الإِنسانُ: أنتِ فُلانَة؟ فَتُشِيرُ برأسها

    ج ١ ص ٣٦٧- أي: نعم- وتَبكِي، فَيقُول لها الإنسانُ: إِنَّا حَذَّرْنَاكُم غَضَب اللهِ وعِقَابَه: أَن يُصيبَكُم بِخَسْف، أو مَسْخٍ أو بِبَعضِ ما عِندَه مِن العَذاب.

    قال ابنُ عَبَّاسٍ: وأَسْمَعُ اللهَ - عز وجل - يقول (١) : {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: ١٦٥] .

  5. فلا أَدرِي مَا فَعَلت الفِرقَةُ الثَّالِثَة؟

    قال ابنُ عَبَّاسٍ: فَكَم قَد رَأَيْنَا مِن مُنْكَرٍ، فَلم نَنْهَ عنه.

    قال عِكْرِمَةُ: ألا تَرَى -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ- أَنَّهُم قَد (٢) أَنْكَرُوا وكَرِهُوا حين قَالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الأعراف: ١٦٤] . فَأَعْجَبَه قَوْلِي ذلك، وأَمَر لي بِبُرْدَيْن غَلِيظَيْن، فَكَسَانِيهِمَا» (٣) .

  6. (٢٠٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافِظُ -في آخَرِين- قالوا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي: «أخبرنا سُفْيانُ، عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَةَ قال: لَم يَزَل رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسألُ عن السَّاعَةِ حتى أُنْزلَ عليه: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: ٤٣] . فانتهى» (٤) .

  7. (٢٠٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرني أبو عَبد اللهِ أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ ابنِ مَهْدِيٍّ الطُّوسِيِّ (١) ، حدثنا محمدُ بنُ المُنْذِر بن سَعِيد (٢) ، أخبرنا محمدُ بنُ ... عَبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَم، قال: سَمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقول في قول الله - عز وجل -: {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم: ٦١] قال: «يُقَالُ (٣) : هُو مِن الغِنَاء بالحِمْيَرِيَّة.

    وقال بَعضُهم: غِضَابًا مُبَرْطِمُون (٤) .

    قال الشافعي: السُّمُود: كلُّ ما يُحَدَّثُ الرَّجُلُ، فَلَها عنه، ولم يَسْتَمِع إليه، فهو: السُّمُود».

    ج ١ ص ٣٦٨
  8. (٢٠٩) أخبرنا أبو عَبدِ الرَّحمن السُّلَمِيُّ، قال: سمعت أبا الحَسَن بن مِقْسَم (٥) -ببغداد-، يقول: سَمعتُ أحمدَ بنَ عَلِيِّ بنِ سَعِيدٍ البَزَّار (٦) ، يقول: سَمعتُ أَبا ثَوْرٍ (٧) يقول: سمعتُ الشَّافِعِيَّ يقول: «الفَصَاحَةُ إذا اسْتَعْمَلتَها في

    ج ١ ص ٣٦٩الطَّاعَةِ = أَشْفَى وَأَكْفَى في البَيان وأَبْلَغُ في الإِعْذَارِ، لذلك سأل موسى ربه (١) ، فقال: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) } [طه] .

    وقال: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} [القصص: ٣٤] . لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الفَصَاحَة أَبْلَغُ في البَيَان».

  9. (٢١٠) أخبرنا أبو عبد الرَّحمَن السُّلَمِيُّ، قال: سمعتُ عَليَّ بنَ أَبي عَمْرٍو البَلْخِيَّ، يقول: سَمعتُ عبدَ المُنْعِم بنَ عُمَر الأَصْفَهَاني (٢) ، حدثنا أحمدُ بنُ مُحمدٍ المَكِّيُّ، حدثنا محمدُ بنُ إسماعِيلَ، والحُسَينُ بنُ يَزيدَ (٣) ، والزَّعْفَرَانِيُّ، وأبو ثَوْرٍ كُلُّهم قالوا: سَمِعْنَا محمدَ بنَ إدْرِيسٍ الشَّافعيَّ، يقول: «نَزَّهَ اللهُ - عز وجل - نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم -، ورَفَع قَدْرَه، وعَلَّمَه وَأَدَّبَه وقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: ٥٨] .

  10. وذلك: أَنَّ النَّاسَ في أَحوالٍ شَتَّى: مُتَوَكِّلٌ على نَفْسِه، أو: عَلى مَالِه، أو: على زَرْعِهِ، أو: عَلَى سُلْطَانٍ، أو: عَلى عَطِيَّةِ النَّاسِ.

  11. وكُلٌّ مُسْتَنِدٌ إلى حَيٍّ يَمُوت، أو عَلَى شَيءٍ يَفْنَى: يُوشِكُ أَن يَنْقَطِع به، فَنَزَّه اللهُ تَعَالى نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - وأَمَرَه أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلى الحَيِّ الذي لا يَمُوتُ.

    قال الشافعي: واسْتَنْبَطتُ البَارِحَةَ آيَتَيْن ما (٤) أشتهي باسْتِنْبَاطِهِمَا، الدُّنيا

    ج ١ ص ٣٧٠وما فيها: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: ٣] وفي كِتَابِ اللهِ، مِن هَذا كَثِيرٌ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: ٢٥٥] .

  12. فَيَبْطُل الشُّفَعاءُ، إلا بإذْنِ اللهِ.

    وقال في سورة هود - عليه السلام -: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [هود: ٣] .

  13. فَوعَدَ اللهُ كُلَّ تَائِبٍ مُسْتَغْفِرٍ (١) ، التَّمُتَّعَ إلى المَوت ثم قال: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: ٣] : في الآخرة.

    قال الشافعي - رحمه الله -: فَلَسْنَا نَحنُ تَائِبِين عَلى حَقِيقَةٍ، ولَكِن عَلِمَ اللهُ (٢) ، مَا صُحْبَةُ التَّائِبين، وقَد مَتَّعَنا في هذه الدُّنيا، تَمَتُّعًا حَسنًا».

    (٢١١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، قال: وقال الحَسَنُ بنُ مُحَمدٍ- فيما أُخْبِرتُ عنه، وقَرأْتُه في كِتابه-: أخبرنا مُحمدُ بنُ سُفيانَ، حدثنا يُونُس بن ... عَبد الأَعْلَى، قال: وقال لي الشافعي: «ما بَعْدَ عِشرينَ ومِائَة مِن آل عِمْرَان:

    نَزلَت في أُحُدٍ، في أَمْرِها، وسُورَةُ الأنْفَالِ: نَزلَت في بَدْرٍ، وسُورُةُ بَراءَة: نَزَلَت في تَبُوك، وسورة الأَحْزَاب: نزلت في الخَنْدَق، وهي: الأَحْزَاب، وسُورة الحَشْر: نَزلَت في النَّضِير».

    قال: وقال الشافعيُّ: «إن غَنَائِمَ بَدرٍ لم تُخَمَّس الْبَتَّةَ، وإنما نزلت آيةُ الخُمْس بَعد رُجُوعِهم مِن بَدْر، وقَسْم الغَنَائِم» .

    ج ١ ص ٣٧١قال: وقال الشافعي - رحمه الله - في قوله تعالى: {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة: ٢] : «يَعنِي: لا تَسْتَحِلُّوها، كما قال الله - عز وجل - في الهَدْي.

  14. {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: ٢] : مِنْ أَن يَصُدُّوهُم عنه» (١) .

    قال: وقال الشافعيُّ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: {شَنَآنُ قَوْمٍ} [المائدة: ٢] -: «على خِلَافِ الحَقِّ» .

  15. وفي قوله - عز وجل -: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: ٣] : «فَمَا وَقَع عَليْه اسْمُ الذَّكَاةِ -مِن هَذَا-: فهو ذَكِيٌّ» .

    قال: وقال الشافعي: «الأَزْلَامُ (٢) لَيس لَها مَعنًى إلا: القِدَاحُ».

    قال: وقال الشافعي - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: ٥] -: «إنهم النِّسَاءُ والصِّبيانُ، لا تُمَلِّكْهُم ما أَعْطَيتُك مِن ذلك، وكُنْ أَنتَ النَّاظِر لَهم فيه» .

    قال: وقال الشافعي-في قوله - عز وجل -: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} -: «الحَرَائِرُ مِن أَهْل الكِتَاب، غَيرُ ذَوَاتِ الأَزْوَاج. {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [المائدة: ٥] . عَفَائِفَ غَيرَ فَواسِقَ» .

    قال: وقال الشافعي - رحمه الله - في قول الله - عز وجل -: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

    ج ١ ص ٣٧٢الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: ٩٣] الآية. قال: «إذا اتَّقَوْا، لَم يَقْرَبُوا مَا حُرِّمَ عَليهم» (١) .

    قال: وقال الشافعي - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: ١٠٥] الآية. قال: «هذا مِثْلُ قَولِه تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة: ٢٧٢] . ومِثلُ قَولِه - عز وجل -: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: ١٤٠] . وَمِثْلُ هذا في القُرْآنِ على أَلفَاظِه» .

    قال: وقال الشافعي - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: ١٧] -: «ذَكَرُوا فِيها مَعْنَيَيْن:

    أحدهما: أنه مَن عَصَى، فَقَد جَهِل، مِن جَمِيع الخَلْق.

  16. والآخر: أنه لا يَتُوبُ أِبدًا، حتى يَعْمَلَهُ -حِينَ يَعْمَلُه (٢) - وهُو لا يَرى أَنَّه مُحَرَّمٌ.

  17. والأَوَّلُ: أَوْلَاهُمَا».

    قال: وقال الشافعيُّ - رحمه الله -: « {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: ٩٢] معناه: أَنَّه لَيْس لِلْمُؤمِنِ أَنْ يَقْتُلَ أَخَاه، إِلَّا خَطَأً» .

    قال: وقال الشافعي- في قوله - عز وجل -: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: ١٢٧] الآية-: «قَولُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَثْبَتُ شَيءٍ

    ج ١ ص ٣٧٣فِيه». وذَكَر لي-في قَولِهَا- حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ (١) .

    قال: وقال -في قوله - عز وجل -: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: ٢٢٥] -: «لَيس فَيه إلا قَولُ عَائِشَةَ: حَلِفُ الرَّجُلِ عَلى الشَّيءِ يَسْتَيْقِنُه، ثُم يَجِدُهُ عَلى غَير ذَلِك» .

    قلت: وهذا بِخِلافِ رِوَايةِ الرَّبيعِ عَن الشَّافِعِي مِن قَولِ عَائِشَةَ، ورِوَايةُ الرَّبيعِ أَصَحُّ (٢) .

  18. فهذا الذي رواه يُونُس عن الشَّافِعِيِّ-مِن قَولِ عَائِشَةَ- إِنَّما رَواهُ عُمَرُ بنُ قَيْسٍ، عن عَطَاءٍ، عن عَائِشَة (٣) .

  19. وعُمَرُ بنُ قَيْسٍ: ضَعِيفٌ (٤) . ورُوِيَ مِن وَجْهٍ آخَر، كالمُنْقَطِع (٥) .

  20. والصَّحيحُ عن عَطاءٍ وعُرْوةَ، عن عَائِشَة: ما رَواهُ في رِوَايةِ الرَّبيعِ.

  21. والصحيحُ مِن المَذْهَب أيضًا: ما اختاره (١) في رواية الربيع.

    ج ١ ص ٣٧٤
  22. قَرأتُ في كتاب «السُّنَن» -روايةِ حَرْمَلةَ، عن الشَّافِعي - رحمه الله -: قال: «قال الله تبارك وتعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: ٨] .

    وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: ١٤] .

    وقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: ١٣] .

    وقال تَبَارَكَ اسْمُهُ: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) } [الطارق] .

  23. فقيل: يَخْرُج مِن صُلْبِ الرَّجُلِ، وتَرَائِبِ المَرأة.

    وقال تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان: ٢] .

  24. فقيل وَاللَّهُ أَعْلَمُ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ، مُخْتَلِطَةً بِنُطْفَةِ المَرْأةِ.

    قال الشافعيُّ: ومَا اخْتَلَط، سَمَّتْهُ العَرَبُ أَمْشَاجًا.

    وقال الله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: ١١] الآية. فأخبر جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ: مَخلُوقٌ مِن ذَكَرٍ وأُنْثَى، وسَمَّى الذَّكَر: أَبًا، والأُنثَى: أُمًّا.

  25. وفيه: أَنَّ ما نُسِبَ مِنَ الوَلَدِ إلى أَبِيهِ: نِعْمَةٌ مِن نِعَمِه؛ فقال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: ٧١] .

    وقال: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} [مريم: ٧] .

    ج ١ ص ٣٧٥قال الشافعي: ثُم كان بَيِّنًا في أَحْكَامِه جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَنَّ نِعْمَتَه لا تَكُونُ مِن جِهَةِ مَعْصِيَتِه (١) ، فَأحَلَّ النِّكَاحَ، فقال: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ، وقال تَبارَكَ وتَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٣] . وحَرَّمَ الزِّنا، فقال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: ٣٢] مَع مَا ذَكَره في كِتَابِه.

  26. فكان مَعقُولا في كتاب اللهِ: أَنَّ وَلَد الزِّنا لا يَكُونُ مَنسوبًا إلى أَبِيه: الزَّانِي بأمه؛ لِمَا وَصَفْنا (٢) : مِن أَنَّ نِعْمَتَه إنَّما تَكُونُ مِن جِهَةِ طَاعَتِه، لا مِن جِهة مَعْصِيَتِه.

  27. ثم أَبَان ذَلِك عَلى لِسَانِ نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

  28. وبسط الكلام في شرح ذلك.

  29. (٢١٢) أخبرنا أبو عبدِ الرَّحمَن السُّلَمِيُّ، قال: حدثنا عَلِيُّ بنُ عُمرَ الحافظُ -ببغْدَاد- حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أَحْمدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ محمدِ ابنِ العَبَّاسِ الشَّافِعِيُّ (٤) ،

    أخبرنا أَبي، عن أَبيه، حَدَّثَني أبي: عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال: سمعتُ الشَّافِعيَّ يقول: «نَظَرتُ بَيْن دَفَّتَي المُصْحَفِ، فَعرَفتُ مُرادَ اللهِ

    ج ١ ص ٣٧٦- عز وجل - في جَمِيع ما فيه، إلا حرفين: ذَكَرَهُمَا، أُنْسِيتُ أَحَدُهُما، والآخَرُ قَولُه تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: ١٠] فَلم أَجِدْهُ في كَلام العَرَب، فَقرأْتُ لِمُقَاتِل بنِ سُلَيْمَان: أَنَّها لُغَةُ السُّودَان وأَنَّ دَسَّاهَا: أغواها».

  30. قوله (١) : «في كَلامِ العَربِ» أراد: لُغَتَه، أو أراد: فِيمَا بَلَغَه مِن كلام العرب.

  31. والذي ذكره مُقَاتِلٌ: -لُغَةَ السُّودَان- مِن كَلامِ العَرَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  32. وقَرأتُ في كِتابِ «السنن» -رواية حَرْمَلة بْن يَحيى- عن الشَّافِعِي - رحمه الله -: قال: «قال الله - عز وجل -: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الممتحنة: ٨] إلى آخر، الآيتين.

    قال: يُقَال وَاللَّهُ أَعْلَمُ: إنَّ بَعضَ المُسْلِمين تَأَثَّم مِن صِلَةِ المُشْرِكين، أَحْسَبُ ذَلك: لَمَّا نَزَلَ مِن فَرْضِ جِهَادِهِم، وقَطْعِ الولايَة بَينهُم وبَينَهُم، ونزل: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: ٢٢] الآية. فَلَمَّا أَن خَافُوا أَن تَكُونَ الصِّلَةُ بالمَال والمُرَاسَلة، أو البِرُّ والإِحْسَانُ: مَوَادَّةً، وغَيرَ قَطْعٍ لِلولَاية = فقيل إن الله تعالى أنزل: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) } [الممتحنة] .

    قال الشافعي - رحمه الله -: وكانت الصِّلَةُ بالمَال، والبِرُّ، والإِقْسَاطُ، ولِينُ

    ج ١ ص ٣٧٧الكَلامِ، والمُرَاسَلَةُ، بِحُكْم اللهِ = غَيرَ ما نُهُوا عَنه مِن الولاية لِمَن نُهُوا عن وِلَايَتِه، مع المُظَاهَرةِ عَلى المُسلِمين.

  33. وذَلِك: أَنَّه أَبَاحَ بِرَّ مَن لَم يُظَاهِر عَليهم مِن المُشْركين، والإِقْسَاطَ إليهم، ولَم يُحَرِّم ذلك إلى مَن أَظْهَر (١) عليهم، بَلْ ذَكر الذين ظَاهَرُوا عليهم، فَنهَاهُم عَن ولايتِهِم، وكانت الولاية: غَيرَ (٢) البِرِّ والإِقْسَاطِ.

  34. وكانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَادَى بَعْضَ أُسَارَى بَدرٍ، وقد كان أَبو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ مِمَّن مَنَّ عَليه، وقد كان مَعروفًا بِعَدَاوَتِه، والتَّأْلِيبِ (٣) عليه بِنَفْسِه ولِسَانِه (٤) .

  35. ومِن بَعْد بَدْرٍ: عَلى ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ (٥) ، وكان معروفًا بِعَدَاوَتِه، وأَمَر بِقَتْلِه، ثُم مَنَّ عَليه بَعد إِسَارِه، وأَسْلَم ثُمَامَةُ، وحَبَس المِيْرَةَ عَن أَهْل مَكَّة، فسألوا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَن يَأْذَنَ لَه بأن (٦) يَمِيرَهُم، فَأَذِنَ له، فَمَارَهُم».

  36. «وقال الله - عز وجل -: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) } [الإنسان] والأَسْرَى يَكُونُون: مِمَّن حَادَّ اللهَ وَرَسُولَه».

    (٢١٣) أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ، أخبرنا الحَسَنُ بنُ رَشِيقٍ ... -إجازة-: قال عَبدُ الرَّحْمَن بنُ أَحْمَدَ المَهْرِيُّ (١)

    قال: سَمِعتُ الرَّبيعَ بنَ سُلَيْمَانَ، يَقول: سَمعتُ الشَّافِعيَّ - رحمه الله - يقول: «مَنْ زَعَم-مِن أَهْل العَدَالَةِ- أَنَّه يَرَى الجِنَّ: أَبْطَلْتُ شَهَادَتَهُ؛ لأنَّ اللهَ - عز وجل - يقول: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: ٢٧] . إلا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا» (٢) .

    ج ١ ص ٣٧٨
  37. (٢١٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأَصَمُّ، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشافعيُّ - رحمه الله - قال: «أَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لِلمُحَرَّم: صَفَر.

  38. كانوا يَعُدُّون، فَيقُولون: صَفَرَان، لِلْمُحَرَّم وصَفَر، ويُنْسِئُونَ، فَيَحُجُّونَ

    ج ١ ص ٣٧٩عامًا في شهرٍ، وعامًا في غَيرِه.

  39. ويقولون: إِن أَخْطَأْنا مَوْضِعَ الحُرُم (١) في عَامٍ، أَصَبْنَاه في غَيرِه؛ فأنزل الله - عز وجل -: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: ٣٧] الآية.

    وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الزَّمَانَ قَد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِه يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاواتِ والأَرْضَ، السَّنَةُ: اثْنَا عَشَر شَهرًا، مِنهَا أَرْبَعةٌ حُرُم: ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذو القَعْدَة، وذو الحَجَّة، والمُحَرَّم، ورَجَبٌ -شَهرُ مُضَر، الذي بَيْنَ جُمَادَى وشَعْبَانَ» (٢) .

    قال الشَّافِعيُّ: فلا شَهْرَ يُنْسَأُ. وسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: المحرم».

  40. تم بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (٣) .