فصل: الأدلة على حجية الإجماع
٣٢ فقرة، ج ١ ص ٣٧٩
- ولنا دليلان١:
- ج ١ ص ٣٨٠
أحدهما: قول الله -تعالى-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ١ وهذا يوجب اتباع سبيل المؤمنين، ويُحرِّم مخالفتهم.
- ج ١ ص ٣٨١
فإن قيل١: إنما توعّد على مشاقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وترك اتباع سبيل المؤمنين معًا، أو على ترك أحدهما بشرط ترك الآخر، فالتارك لأحدهما بمفرده لا يلحق به الوعيد.
-
ومن وجه آخر: وهو أنه إنما ألحق الوعيد لتارك سبيلهم إذا بان له الحق فيه؛ لقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} والحق -في هذه المسألة- من جملة "الهدى" فيدخل فيها.
-
ويحتمل: أنه توعد على ترك سبيلهم فيما صاروا فيه مؤمنين.
-
ويحتمل: أنه أراد بالمؤمنين: جميع الأمة إلى قيام الساعة، فلا يحصل الإجماع بقول أهل عصر.
-
ولأن المخالف من جملة المؤمنين، فلا يكون تاركًا لاتباع سبيلهم بأسرهم.
-
ولو قدر أنه لم يرد شيء من ذلك، غير أنه لا ينقطع الاحتمال، والإجماع أصل لا يثبت بالظن٢.
-
قلنا٣: التوعد على الشيئين يقتضي أن يكون الوعيد على كل واحد منهما منفردًا، أو بهما معًا.
-
ولا يجوز أن يكون لاحقًا بأحدهما معينًا، والآخر لا يلحق به
ج ١ ص ٣٨٢وعيد، كقول القائل: "من زنا أو شرب ماء عوقب" .
-
وهذا لا يدخل في القسم الثاني١ لأن مشاقة الرسول بمفردها تثبت العقوبة، فثبت أنه من القسم الأول٢.
-
وأما الثاني٣: فلا يصح؛ فإنه توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقًا من غير شرط.
-
وإنما ذكر تبين الهدي عقيب قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} وليس بشرط لإلحاق الوعيد على مشاقة الرسول اتفاقًا، فلأن لا يكون شرطًا لترك اتباع سبيل المؤمنين -مع أنه لم يذكر معه- أولى.
-
وأما الثالث٤: فنوع تأويل، وحمل اللفظ على صورة واحدة.
-
"وأما الرابع٥: فإن مطلق الاحتمال لا يؤثر في نفس كونه من الأدلة
ج ١ ص ٣٨٣الأصلية؛ إذ ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، فإن النص يحتمل أن يكون منسوخًا، والعام يجوز أن يكون مخصوصًا، وهذا وشبهه لم يمنع كونه من الأصول، كذا ههنا "١.
- الدليل الثاني: من السنة٢:
-
قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا تجتمع أمتي على ضلالة " ٣. وروي: " لا تجتمع على خطأ ". وفي لفظ " لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ".
ج ١ ص ٣٨٤وقال: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح" ١.
وقال: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة٢ الإسلام من عنقه" ٣
ج ١ ص ٣٨٥و "من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" ١.
وقال: "عليكم بالسواد الأعظم" .
وقال: "ثلاث لا يغل٣ عليهن قلب المسلم: إخلاص العمل لله، والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين" ٤.
- ج ١ ص ٣٨٦
ونهى عن الشذوذ١ وقال: "مَن شَذًٌ شَذٌ فلي النٌار" ٢.
وقال: "لا تزال طائفة من أمتى على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله" ٣.
وقال: "من أراد بحبوحة٤ الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" ٥.
- ج ١ ص ٣٨٧
وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحابة والتابعين، لم يدفعها أحد من السلف والخلف.
-
وهي وإن لم تتواتر آحادها، حصل لنا بمجموعها العلم الضروري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عظم شأن هذه الأمة، وبين عصمتها عن الخطأ١.
-
وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى تصديق شجاعة "علي" وسخاء "حاتم" ٢ وعلم "عائشة" ، وإن لم يكن آحاد الأخبار فيها متواترًا، بل يجوز على كل واحد منها الكذب لو جرّدنا النظر إليه، ولا يجوز على المجموع.
-
ويشبه ذلك: ما يحصل فيه العلم بمجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال، ويحصل بمجموعها العلم الضروري.
-
ومن وجه آخر٣.
- ج ١ ص ٣٨٨
أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر فيه أحد خلافًا إلى زمن النظام.
-
ويستحيل في مطرد العادة ومستقرها توافق الأمم في أعصار مطردة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته، مع اختلاف الطباع، وتباين المذاهب في الرد والقبول.
-
ولذلك: لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف، وإبداء تردد فيه.
-
ومن وجه آخر:
أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا به وهو: الإجماع الذي يحكم على كتاب الله وسنة رسوله.
-
ويستحيل في العادة التسليم بخبر يرفعون به، الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى سند مقطوع به.
-
أما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلومًا، حتى لا يتعجب
ج ١ ص ٣٨٩متعجب، ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستنده إلى خبر غير معلوم الصحة؟!
-
وكيف يذهل عنه جميع الأمة إلى زمن النظام فيختص بالتنبيه له؟ هذا وجه الاستدلال١.
-
فصل: ولا يشترط في أهل الإجماع أن يبلغوا عدد التواتر؛
-
لأن الحجة في قولهم، لصيانة الأمة عن الخطأ بالأدلة المذكورة، فإذا لم يكن على الأرض مسلم سواهم، فهم على الحق يقينًا، صيانة لهم عن الاتفاق على الخطأ٢.