فصل: أمر الله تعالى للنبي أمر للأمة ما لم يوجد تخصيص

٢١ فقرة، ج ١ ص ٥٨٦

  1. إذا أمر الله -تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بلفظ ليس فيه تخصيص، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْل} ١، أو أثبت في حقه حكمًا: فإن أمته يشاركونه في ذلك الحكم، ما لم يقم على اختصاصه به دليل.

    ج ١ ص ٥٨٦
  2. وكذلك إذا توجه الحكم إلى واحد من الصحابة دخل فيه غيره، ويدخل فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو قوله: "إن الله فرض عليكم صيامه" ٢.

  3. هذا قول القاضي، وبعض المالكية، وبعض الشافعية١.

    وقال أبو الحسن التميمي، وأبو الخطاب، وبعض الشافعية: يختص الحكم بمن توجه إليه الأمر؛ لأن السيد من أهل اللغة لو أمر عبدا من عبيده بأمر: لاختص به دون بقية عبيده.

    ج ١ ص ٥٨٧
  4. ولو أمر الله -تعالى- بعبادة، لم يتناول -بمطلقه- عبادة أخرى.

    ج ١ ص ٥٨٩فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" ١.

  5. وروي عنه -صلى الله عليه وسلم- في القبلة للصائم مثل ذلك. رواه مسلم٢.

  6. فالحجة فيه من وجهين:
  7. أحدهما: أنه أجابهم بفعله، ولو اختص به الحكم، لم يكن جوابًا لهم.

  8. الثاني: أنه أنكر عليهم مراجعتهم له باختصاصه بالحكم، فدل على أن مثل هذا لا يجوز اعتقاده.

  9. ولأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يرجعون إلى أفعال

    ج ١ ص ٥٩٠النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يختلفون فيه من الأحكام: كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال١، وإيجاب الوضوء من الملامسة٢، وصحة الصوم ممن أصبح جنبًا٣، وعدم ثبوت حكم الإحرام في حق من

    ج ١ ص ٥٩١بعث هديه وأقام في أهله١، حتى عدوا ذلك ناسخًا لما قبله، معارضًا لما خالفه من أمره ونهيه.

  10. ولأن الله -تعالى- أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بقيام الليل٢، ودخل فيه أمته، حتى نسخه بقوله: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ٣.

  11. ولما عاتبه في تحريم ما أحل الله ما أحل الله له١، قال -عقيبه-: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} ٢.

    ج ١ ص ٥٩٢
  12. وابتدأ الخطاب بمناداته وحده، ثم تممه بلفظ الجمع بقوله: {ياَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ..} ٣. وهذا يدل على أن حكم خطابه لا يختص به.

  13. وقد أشار إليه -عليه السلام- بقوله: "إِنّمَا أََسْهُو لأَسُنًّ" ١.

    ج ١ ص ٥٩٣
  14. فإذا ثبت أن امته يشاركونه في حكمه: فلزم مشاركته لهم في أحكامهم؛ لوجود التلازم ظاهرًا؛ فإن ما ثبت في أحد المتلازمين ثبت في الآخر؛ فإنه لو ثبت في حقهم حكم انفردوا به دونه: لثبت نقيض ذلك الحكم في حقه دونهم، وقد أقمنا الدليل على خلافه.

  15. لذلك: قالت حفصة٢ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما شأن الناس حلُّوا ولم تحلل من عمرتك؟ قال، "إِنَّي لَبدَتُّ رَأْسِي٣، وَقَلَّدتُّ، هَدْبِي، فَلاَ أُحِلَّ حَتىَّ أَنْحَرَ" ٤.

  16. فلولا أنه داخل فيما ثبت لهم من الأحكام: ما استدعوا منه موافقتهم، ولا أقرهم على ذلك، وبين لهم عذره.

  17. والدلالة على أن الحكم إذا ثبت في حق واحد من الصحابة دخل فيه غيره: قوله -عليه السلام-: "خطابي للواحد خطاب للجماعة" ١.

    ج ١ ص ٥٩٤
  18. ولأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانت ترجع في أحكامهم إلى قضايا النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأعيان٢: كرجوعهم في حد الزاني إلى قصة

    ج ١ ص ٥٩٥ماعز١ وفي دية الجنين إلى حديث حمل بن مالك٢، وفي "المفوضة" إلى قصة بروع بنت واشق، و "في السكنى والنفقة" إلى حديث فاطمة بنت قيس، وفريعة بنت مالك٣، وإلى حديث صفية الأنصارية٤ في: "سقوط طواف الوداع عن الحائض" وغير ذلك.

  19. ولأنه لو اختص به لما احتيج إلى التخصيص بقوله -لأبي بردة١- في التضحية بالجذع من المعز: "تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك" ٢.

    ج ١ ص ٥٩٦
  20. دليل آخر: أن قول الراوي: "نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو أمر، أو قضى" يعم، ولو اختص الحكم من شوفه به: لم يكن عامًا؛ لاحتمال أن يكون الراوي سمع نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أمره لواحد فلا يكون عامًا.

  21. ولأن الخطاب بالكتاب والسنة إنما شوفه به أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا خلاف في ثبوت حكمه في حق أهل الأعصار١.

    ج ١ ص ٥٩٧