فصل: في أقسام إلحاق المسكوت بالمنطوق

٨١ فقرة، ج ٢ ص ١٨٦

الصفحة ١ من ٣

  1. إلحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون:

    ج ٢ ص ١٨٦
  2. فالمقطوع ضربان:
  3. أحدهما: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، وهو المفهوم١

    ولا يكون مقطوعًا حتى يوجد فيه المعنى الذي في المنطوق وزيادة، كقولنا: إذا قبل شهادة اثنين، فثلاثة أولى، فإن الثلاثة: اثنان وزيادة.

  4. وإذا نهى عن التضحية بالعوراء٢: فالعمياء أولى، فإن العمى: عوَر مرتين.

  5. فأما قولهم: "إذا وجبت الكفارة في القتل الخطأ، ففي العمد أولى" و "إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى" ٣: فهذا يفيد الظن

    ج ٢ ص ١٨٨لبعض المجتهدين، وليس من الأول؛ لأن العمد نوع يخالف الخطأ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على رفعه، بخلاف الخطأ.

  6. والكافر يحترز من الكذب لدينه، والفاسق متهم في الدين.

  7. الضرب الثاني:
  8. أن يكون المسكوت مثل المنطوق، كسراية العتق في العبد١، والأمة مثله، وموت الحيوان في السمن٢، والزيت مثله.

  9. وهذا يرجع إلى العلم بأن الفارق لا أثر له في الحكم، وإنما يعرف ذلك باستقراء أحكام الشرع في موارده ومصادره في ذلك الجنس.

  10. وضابط هذا الجنس: أن لا يحتاج فيه إلى التعرض للعلة الجامعة، بل بنفي الفارق المؤثر، ويعلم أنه ليس ثم فارق مؤثر قطعًا.

  11. فإن تطرق إليه احتمال: لم يكن مقطوعًا به، بل يكون مظنونًا١

    وقد اختلف في تسمية هذا قياسًا٢.

    ج ٢ ص ١٨٩
  12. وما عدا هذا من الأقيسة: فمظنون٣.

  13. وفي الجملة، فالإلحاق له طريقان:

    أحدهما: أنه لا فارق إلا كذا، وهذه مقدمة٤.

  14. ولا مدخل لهذا الفارق في التأثير، وهذه مقدمة أخرى٥.

  15. فيلزم منه نتيجة، وهو أن لا فرق بينهما في الحكم٦.

  16. وهذا إنما يحسن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل، فلا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع.

  17. الثاني: أن يتعرض للجامع فيبينه، ويبين وجوده في الفرع١. وهذا المتفق على تسميته قياسًا٢.

    ج ٢ ص ١٩٠
  18. وهذا٣ يحتاج إلى مقدمتين، أيضًا:

    أحدهما: أن السكر-مثلًا- علة التحريم في الخمر.

  19. والثانية: أنه موجود في النيبذ.

  20. فهذه المقدمة الثانية يجوز أن تثبت بالحس، ودليل العقل، والعرف، وأدلة الشرع٤.

  21. وأما الأولى: فلا تثبت إلا بدليل شرعي، فإن كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي، كما أن نفس التحريم كذلك، وطريقه طريقه، فالشدة التي جعلت علامة للتحريم يجوز أن يجعلها الشارع علامة للحل، فليس إيجابها لذاتها.

    ج ٢ ص ١٩١
  22. [أدلة إثبات العلة] ١

    وأدلة الشرع ترجع إلى "نص" أو "إجماع" أو "استنباط" فهذه ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: إثبات العلة بأدلة نقلية٢، وهو ضربان٣:

  23. الأول- الصريح١:
  24. وذلك أن يرد فيه لفظ التعليل كقوله تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً} ٢ {لِكَيْلا تَأْسَوْا} ٣، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ٤، {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ} ٥

    ج ٢ ص ١٩٣{لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} ١، {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} ٢.

  25. وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم٢: "إِنَّما جُعِلَ الاسْتِئْذانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ" ٣، و "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ" ٤.

    ج ٢ ص ١٩٤وكذلك إن ذُكر المفعول له، فهو صريح في التعليل؛ لأنه يذكر للعلة والعذر، كقوله تعالى: { ... لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} ١، {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} ٢.

  26. وما جرى هذا المجرى من صيغ التعليل.

  27. فإن قام دليل على أنه لم يقصد التعليل نحو: أن يضاف إلى ما لا يصلح علة: فيكون مجازًا، كما لو قيل: "لم فعلت هذا" ؟ قال: "لأني أردتُ" ، فهذا استعمال اللفظ في غير محله٣.

  28. فأما لفظة "إنّ" مثل قوله، عليه السلام، لما ألقى الروثة: إِنَّها رِجْسٌ "٤، وقال، في الهرة: " إِنَّها لَيْسَتْ بِنَجسٍ، إِنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ

    ج ٢ ص ١٩٥عَلَيكُمْ "١ و " لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِها وَلَا عَلَى خَالَتِهَا؛ إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ " ٢.

  29. فإن انضم إلى "إنّ " حرف الفاء: فهو آكد، نحو قوله، عليه السلام: " لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا" ٣.

    قال أبو الخطاب: هذا صريح في التعليل.

  30. وقيل: بل هذا من طريق التنبيه والإيماء إلى العلة، لا من طريق الصريح٤. والله أعلم.

  31. الضرب الثاني، التنبيه والإيماء إلى العلة١:

    ج ٢ ص ١٩٦
  32. وهو أنواع ستة:
  33. أحدها: أن يذكر الحكم عقيب وصف بالفاء، فيدل على التعليل بالوصف

    ج ٢ ص ١٩٧كقوله تعالى: { ... قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ١، و {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ٢ وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" ٣، و "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فهِيَ له" ٤.

  34. فيدل ذلك على التعليل؛ لأن الفاء في اللغة للتعقيب، فيلزم من ذكر الحكم مع الوصف بالفاء: ثبوته عقيبه، فيلزم منه السببية، إذ لا معنى للسبب إلا ما ثبت الحكم عقيبه.

  35. ولهذا يفهم منه السببية وإن انتفت المناسبة، نحو قوله: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوضَّأْ" ١.

    ج ٢ ص ١٩٨
  36. ويلحق بهذا القسم٢: ما رتبه الراوي بالفاء، كقوله: "سَهَى رَسُولُ الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فَسَجَدَ" ٣ و "رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ" ٤. يفهم منه السببية فلا يحل نقله.

  37. من غير فهم السببية؛ لكونه تلبيسًا١ في دين الله.

    ج ٢ ص ١٩٩
  38. والظاهر أن الصحابي يمتنع مما يحرم عليه في دينه، لا سيما إذا علم عموم فساد، فيظهر أنه فهم منه التعليل.

  39. والظاهر أنه مصيب في فهمه، إذ هو عالم بمواقع الكلام ومجاري اللغة، فلا يعتقد السببية إلا بما يدل عليها، واللفظ مشعر به. ولا يحتاج إلى فقه الراوي، فإن هذا مما يقتبس من اللغة، دون الفقه٢.

  40. الثاني: