مقدمة عمدة الطالب

٣٦٠ فقرة، ج ٢ ص ٢٣

الصفحة ٩ من ٩

  1. والذهنُ: قوةُ النفسِ المستعدة لاكتسابِ الحدودِ والآراءِ. وقيل: إن الفقهَ هو العلمُ. وقيل: معرفةُ قصدِ المتكلمِ. وقيل: فهمُ ما يَدِقُّ. وقيل: استخراجُ الغوامضِ والاطَّلاعُ عليها. ا. هـ. "شرح مختصر التحرير" (٢) .

    ج ٢ ص ٨٤
  2. قوله: (وعرفًا) أي: في عرفِ الفقهاءِ، أي: اصطلاحِهم: معرفةُ الأحكامِ الشرعيَّةِ دونَ العقليَّةِ، الفرعيَّةِ لا الأصوليَّةِ، ومعرفتُها إمَّا بالفعلِ أي: بالاستدلالِ، أو بالقوَّةِ القريبةِ من الفعلِ أي: بالتهيؤ (٣) لمعرفتِها بالاستدلالِ، قال صاحبُ "المنتهى" (٤) : هذا الحدُّ لأكثرِ أصحابِنا المتقدِّمين (٥) . وقيل: هو العلمُ بأفعالِ المكلفين الشرعيةِ دونَ العقليةِ من تحليلٍ أو تحريمٍ، وحظرٍ أو إباحةٍ. وقيل: هو العلمُ بالأحكام الشرعيةِ. وقيل: معرفةُ كثيرٍ من الأحكام عُرفًا. وقيل: معرفةُ أحكامِ جُملٍ كثيرةٍ عُرفًا من مسائلِ الفروعِ العلميَّةِ من أدلَّتِها الحاصلةِ بها. وقيل: العلمُ بها عن أدلتِها التفصيليَّةِ بالاستدلالِ.

  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٢ ص ٨٥
  4. معرفةُ الأحكامِ

    وكلُّ هذهِ الحدودِ لا تخلو عن مؤاخذةٍ وأجوبةٍ يطولُ الكتابُ بذكرِها من غيرِ طائلٍ.

  5. فإن قيل: لِمَ عبَّر دون العلم، مع أن الصَّوابَ التعبيرُ به كما صنعَ ابنُ السُّبكي في "جمعِ الجوامع" (١) قال: الفقهُ: العلمُ. بناءً على أنَّ المعرفةَ إنما تتعلَّقُ بالمفرداتِ، والعلمَ إنَّما يتعلُّقُ بالنِّسبِ التامَّةِ (٢) ، أي: المعرفةُ هي التصوُّرُ، والعلمُ هو التصديقُ، والفقهُ من قبيلِ التَّصديقات لا من قبيلِ التصوراتِ؟.

  6. أُجيب: بأنَّ المرادَ بالمعرفةِ العلمُ بمعنى الظَّنِّ، أي: الإدراكِ الراجحِ لا بمعنى العلمِ المتبادرِ منه، وهو الإدراكُ الجازمُ؛ إذِ الاجتهادُ إنَّما هو طريقٌ للأولِ لا للثاني، فيرادُ بالمعرفةِ هنا العلمُ؛ ليوافقَ ما هو مقرَّرٌ عندهم.

  7. و (الأحكامُ) جمعُ حكمٍ، وهو إثباتُ شيءٍ لشيءٍ إيجابًا أو سَلبًا، لغويًّا كانَ كرفع الفاعلِ، أو عقليًّا كعدمِ اجتماعِ الضِّدين (٣) ، أو شرعًا كوجوبِ الصلاةِ، فالمرادُ بالأحكامِ في التعريفِ ما يشملُ التكليفيَّةَ والوضعيَّةَ (٤) ، وأن كلًّا منهما لا فرقَ بين أن يكونَ مُتعلَّقُه

    ج ٢ ص ٨٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  8. الشرعيةِ الفرعيةِ بالفعلِ أو القوةِ القريبة.

  9. فعلَ الجوارحِ، كالعلمِ بأنَّ النية في الوضوءِ شرطٌ، أو القلبَ، وأنَّه لا فرقَ في الثاني بين المكلَّفِ وغيرِه، كالعلمِ بأنَّ الزكاةَ واجبةٌ في مالِ الصَّبي، وغيرُ واجبةٍ في الحَلْي المباحِ.

  10. ولمَّا كانت الأحكامُ شاملة للشرعيَّةِ الفرعيَّةِ وغيرِها، والمقصودُ هو الشرعيَّةِ الفرعيَّةِ، أخرجَ غير الشرعيَّةِ بقولهِ:

    (الشرعيَّةِ) ، وخَرجَ بـ "الأحكامِ" غيرُها من الذواتِ والصفاتِ، كالمعرفةِ المتعلِّقةِ بالإنسانِ من تصوَّرِ ماهيَّتِه والبياض، وأخرجَ الأصليةَ بقوله: (بالفعلِ) كما إذا أجمِعَ عليها بعدَ استفادتِها بالاجتهادِ، إذِ الأصليَّةُ لا تنحصرُ طريقُها في ذلك.

  11. وأُورِدَ على التعريفِ بأنَّ "أَل" في الأحكامِ إن كانت للعمومِ، خرجَ عن التعريفِ فقهُ الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم ممَّن سُئِل عن مسائلَ وقال فيها: لا أدري، مع أنهم فقهاءُ بالإجماعِ، وإن لم تكنْ للعمومِ، لزمَ أنَّ مَنْ عرفَ بعضَ مسائل عن أدلَّتِها يكون فقيهًا، وليس كذلك، فالتعريفُ غيرُ جامعٍ لأفرادِ المعرَّفِ، وغيرُ مانعٍ من دخولِ غيرِ أفرادِ المعرَّفِ فيه، وهو خطأٌ؟.

  12. أُجيب: بأن المرادَ بمعرفةِ جميعِ الأحكامِ التهيؤ لها بمراجعةِ الأدلَّةِ، كما يُقال: فلانٌ يعرفُ الفقهَ، ولا يُراد أنَّ جميعَ مسائِله حاضرةٌ عندَه على التفصيلِ؛ لأنَّ ذلك ليس من مقدورِ البشرِ، بلِ المرادُ أنَّ عندَه تهيُّؤًا لذلك، وملكة يقتدرُ بها على الوقفِ على كلِّ مسألةٍ بمراجعةِ الأدلَّةِ.

  13. والجوابُ عن الثاني: بأنْ نختاره، ولا محذورَ في تسليمِ اللازمِ؛ بناءَ على القولِ بجوازِ تجزي الاجتهادِ.

  14. والفقيهُ: مَن عرفَ جملةً غالبةً ذلك بالاستدلالِ، يعني الفقيه في اصطلاحِ أهلِ الشرعِ.

  15. على مذهبِ الإمامِ الأمثلِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ بنِ حنبلٍ،

    (على مذهَبِ) بفتح الميم، من ذهبَ يذهبُ: إذا مضى، بمعنى الذهابِ أو مكانِه أو زمانه، ثم نُقل إلى ما قاله المجتهدُ بدليلٍ، ومات قائلًا به، وكذا ما جرى مجراه.

    ج ٢ ص ٨٧
  16. (الإمامِ) المقتدَى به في الدين (الأمثلِ) أي: الأشبه بكلِّ خير، أبي عبد الله (أحمدَ بنِ محمد

    وقوله: غالبة، أي: كثيرة. كذلك: أي: بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبةِ من الفعلِ، وهي التهيؤ لمعرفتِها عن أدلَّتِها التفصيليَّةِ، فلا يُطلَق الفقيهُ على مَن عرفَها على غيرِ هذه الصفةِ، كما لا يُطلقُ الفقيه على مُحدِّثٍ ولا مُفسِّرٍ ولا متكلِّمٍ ولا نَحويٍّ. وقيل: الفقيهُ: مَن له أهليَّةٌ تامَّةٌ يَعرفُ الحكمَ بها إذا شاءَ مع معرفتِه جملًا كثيرةً من الأحكامِ الفرعيَّةِ، وحضورِها عندَه بأدلِّتِها الخاصَّةِ والعامَّةِ.

  17. (بفتح الميمِ) أي: والهاء، أي: معتقد. فقولُه: "على مذهبِ" أي: على ما ذهبَ اليه من الأحكامِ في المسائلِ، وأصلُه يصلحُ لمكانِ الذهابِ وزمانِه وللذهابِ نفسِه.

    (ثم نقل … الخ) أشارَ بذلكَ إلى أنه صارَ حقيقةً عرفيّةً، وبهجرِ معناه الأصيِّ بمعنى أنَّه إذا أُطلِق المذهبُ لا ينصرفُ إلَّا إلى الأحكامِ القائلِ بها إمامٌ من الأئمةِ.

  18. وقوله: (ما قالَه المجتهدُ) من الأحكامِ، فهو مجازٌ عن مكانِ الذهابِ، إذِ "المذهبُ" اسمٌ لمكاِنِ الذهابِ، ثم استُعمِل فيما صارَ من الأحكامِ مجازًا استعارةً تصريحيَّةً تبعيَّةً، وقالَ السَّعدُ: أصليَّة؛ لأنَّه لم يُجوِّز في أسماءِ الأمكنةِ التبعيَّةَ، فشُبِّهت الأحكامُ المعقولةُ بمكانِ الذهابِ الحسيِّ؛ لأنَّ الخواطرَ تذهبُ فيها كذهابِ الأجسامِ في الأمكنةِ بجامع التوصُّلِ، وأطلق اسمه عليهِ.

  19. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٢ ص ٨٨
  20. ابنِ حَنْبَل) الشيباني، المَرْوَزي (١) ، البغدادي، الزاهد الرباني، والصدِّيق الثاني.

  21. (ابن حنبل) قال في "القاموس" (٢) : الحنبلُ: القصيرُ، والفَرْوُ، أو خَلَقُهُ، والخفُّ الخَلَق، والبَحرُ، كالحِنْبَالَةِ، والضَّخمُ البطن (٣) ، واللحيم كالحِنبال، ورَوضةٌ بديارِ تميمٍ، وأحمدُ بنُ عبدِ الله (٤) بنِ حنبل: إمامُ السنةِ.

  22. وبالضمِّ: طَلْعُ أُمِّ غَيلان، وثمرُ الغَدَفِ واللوبياء. وحَنْبلَ: لَبِسَ الحنبلَ، والحِنبالة، بالكسرةِ: كثيرُ الكلام، وتحنبَل: تَطأطأَ، ووَتَرٌ حُنابلٌ كعُلابطٍ: غليظٌ شديدٌ. وهذا باعتبارِ الأصلِ، والآن صارَ علمًا لأحدِ أَجدادِه رضي الله عنه .

  23. (الشَّيبانيُّ) نسبةً لجدِّه شَيبان المذكور في نسبِه.

  24. (الزاهد الرَّباني) الزُّهدُ: الإعراضُ بالقلبِ عن الدنيا. وقالَ الإمامُ أحمدُ: الزهدُ: قِصرُ الأملِ (٥) والإياسُ عمَّا في أيدي الناس. وقالَ: الزهدُ على ثلاثةِ أوجهٍ: الأولُ: تركُ الحرامِ بالقلبِ، وهو زهدُ العوامِّ من المسلمين. الثاني: تركُ الفضولِ من الحلالِ بالقلبِ، وهو زهدُ الخواصِّ منهم. الثالث: تركُ ما يَشغَلُ العبدَ عن اللهِ تعالى بالقلبِ، وهو زهدُ العارفين، وهم خَواصُّ الخواصِّ. و "الرَّبانيُّ" المُتألِّهُ العارفُ باللهِ تعالى. مصنِّف على "الإقناع" (٦) . قالَ بعضُهم: الرَّبانيُّ: منسوب إلى الربِّ أي: المالكِ، وقال ابنُ حجر (٧) : الرَّبانيُّ: هو مَن أُفيضَت عليه المعارفُ الإلهيَّةُ، فعرَف ربَّه، ورَبَّى الناس بعلمِه. فما ذكرَه مبيِّنٌ للمرادِ من الربِّ.

  25. (والصِّدِّيق الثاني) لُقِّبَ به؛ لنصرتِه للسنةِ وصبرِه على المحنةِ المشهورة. "والصِّدِّيق" :

    ج ٢ ص ٨٩. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    قال عليُّ بن المديني (١) شيخُ البخاري: أيّد اللهُ هذا الدِّين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يومَ الرِّدة، وأحمدُ بن حنبل يوم المحنة. انتهى.

  26. والشيباني: نسبة إلى أحدِ أجداده، وهو شيبانُ بنُ ذُهْل بن ثَعلبَة بن عُكابَة، لا شيبان بن ثعلبة بن عُكابة.

  27. حملت به رضي الله عنه أمُّه بمروَ، وولد ببغدادَ في ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة، وتُوُفِّي ببغدادَ يوم الجمعة ثاني عشرَ ربيع الأول أو الآخر، سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة

    البالغُ في الصدقِ الذي هو ضدُّ الكذبِ. مصنِّف (٢) . والصِّديقُ الأولُ أبو (٣) بكر رضي الله عنه . قالَ في حقِّه إمامُ الحرمين: غسل وجهَ السنةِ من غبارِ البدعةِ، وكشفَ الغُمَّةَ عن عقيدةِ هذه الأمةِ، روى بعضُ الإخوان من ساداتِ اليمن، عن بعض طبقاتِ الحنابلةِ لبعضِ العلماء حاصلَ ما نصُّه: أن رجلًا من فقهاء الحنابلة أرادَ الانتقال إلى مذهبِ الإمامِ الشافعي رضي الله عنه لسبب جرى، فرأى أن القيامةَ قامت، وإذا بالنبي ﷺ وبينَ يديهِ الأئمةُ الأربعةُ، فقالَ: يا رسولَ الله، أي مذهبٍ من المذاهبِ الأربعةِ أقلِّد؟ فأشارَ إلى الإمامِ أحمدَ رضي الله عنه ، فانتبه من المنامِ ورجعَ عن قصده (٤) .

  28. (ووُلد ببغداد) وفيها أربعُ لغاتٍ إحداها: بدالينِ مُهملتين، والثانية: بإهمالِ الأولى وإعجامِ الثانية، والثالثة: بغدان بالنون، والرابعة: مغدان بميمٍ أوَّلَها. وتُذكَّرُ وتُؤنثُ يقال لها: هذا بغدادُ، وهذه بغدادُ، ومعناها بالعربيةِ: عَطيةُ الصَّنمِ، وقيل:

    ج ٢ ص ٩٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  29. وأسلَمَ يومَ موتهِ عشرون ألفًا من اليهودِ والنصارى والمجوسِ (١) . ومِن مصنّفاته رضي الله عنه : "المسنَد" ثلاثون ألفًا، و "التفسير" مئة وخمسون ألفًا، وغير ذلك. وفضائله ومناقبه كثيرة شهيرة رضي الله تعالى عنه.

  30. ومن أعيان أصحابه الذين نقلوا مذهبه: ولداه: عبد الله، وصالح، والمرُّوذي (٢) ، والأثرم (٣) ، والحربي (٤) .

  31. بستانُ الصنمِ، ولذلك كرهَ العلماءُ تسميتَها بذلك، لكن يقال: مدينةُ السلام؛ لأنَّهم يُسمون نهرَ الدجلة نهرَ السلام، أي: نهرَ الله (٥) . ونقلَ الغزاليُّ ووجَّه ذلك أنَّها كانت محلَّ الخلافة، ووجَّه استحبابَ الخروجِ منها.

  32. (وأسلم يوم موته … ) وكان الإمامَ على جِنازته محمدُ بنُ عبدِ الله بن طاهر، فقال: انظُروا كَم صلَّى عليه ورائي؟ قالَ: فنَظروا، فكانوا ثمان مئة ألف رجلٍ وستِّين ألف امرأة. وفي رواية: حَزَروا كَم صلَّى على أحمد بن حنبل، فحُزِروا فبلغ ألفَ ألفٍ وثمانين ألفًا سوى مَن كان في السفن في الماء. وفي رواية أخرى: حَزرَ الحازرون المصلِّين على جنازته،

    ج ٢ ص ٩١تشتدُّ إليهِ حاجةُ المبتدئينَ سأَلَنِيْه بعضُ المقصِّرين والعاجزِين.

  33. جعلَه اللهُ خالصًا لوجهِه الكريمِ، وسببًا

    ثم وصف المختصر أيضًا بأنه (تشتدُّ إليه) أي: إلى المختصرِ (حاجةُ المبتدئين) في الفقه. ثم ذكر السببَ الحاملَ له على تصنيفه فقال:

    (سألنِيه) أي: طلب مني تأليفَه (بعضُ المقصِّرين) في طلبهم، مع قدرتهم على ما هو أطول منه (و) بعضُ (العاجرين) الذين لا قدرةَ لهم على [ما هو] (١) أطول منه (جعله الله) أي: جعل الله جمعه من متفرقاتِ الكتب (خالصًا لوجهِهِ) أي: لطلب مرضاته سبحانه (٢) غيرَ مرادٍ به سواه (الكريمِ) أي: المتفضِّلِ بجميعِ النِّعمِ (وسببًا)

  34. فبلغ العدد بحزرهم ألف ألفٍ وسبع مئة ألف سوى الذين كانوا في السفنِ. نقلَه البيهقيُّ في "مناقبِه" (٣) .

  35. (بجميع النِّعم) جمعُ نعمةٍ، قيل: هي بمعنى الرحمةِ، وقيل: أخصُّ منها وهي مُلائمٌ تُحمَدُ عاقبتُه، وعلى هذا فالكافرُ مرحومٌ غيرُ منعمٍ عليه نظرًا للمآلِ (٤) . والإنعامُ: الإعطاءُ من غيرِ مقابلةٍ، قال في "القاموس" (٥) أنعَمها اللهُ، وأنعمَ بها: عطيَّتُه. مصنّف على "الإقناع" (٦) .

  36. اعلمُ أنَّ الغرضَ من بعثةِ الرسل عليهم الصلاةُ والسلامُ انتظامُ أحوالِ الخلقِ في المعادِ والمعاشِ، فبانتظامِ أحوالِهم في المعادِ تتعلَّق قُواهم النطقيَّةُ وهي العباداتُ، وبانتظام أحوالِهم في المعاش تتعلَّقُ قُواهم الشَّهويَّة وهي المعاملاتُ والمناكحاتُ، والغَضَبيَّة وهي: الجناياتُ، ثم قدَّموا منها ما يتعلَّقُ بالقوى النطقيَّةِ؛ لتعلُّقِه بالخالقِ اعتبارًا بشرفِه؛ لأنَّ

    ج ٢ ص ٩٢للزلفى لديهِ في جنَّاتِ النَّعيمِ، ونفَع به، إنَّه هو الرؤوفُ الرَّحيمُ.

  37. أي: وجعلَه سببًا (للزُّلْفَى) أي: القرب (لدَيْه) أي: عنده تعالى (في جنَّاتِ النعيم) المعَدَّة للمؤمنين (ونفعَ به) أي: بهذا المختصر المبتدئين وغيرَهم (إنَّه) أي: الله سُبحانَه (هو الرَّؤوفُ) أي: ذو الرَّأفةِ. وهي كما في "القاموس" : أشدُّ الرحمةِ، أو أرقُّها (١) . (الرحيمُ) أي: ذو الرَّحمةِ العظيمةِ.

  38. الشيءَ يشرفُ بشرفِ متبوعِه، ثم بَدؤوا منها بالصلاةِ؛ لأنَّها أفضلُ العباداتِ بعدَ الإيمانِ، ولم يذكُروا حكمَ الشهادتين؛ لأن التوحيدَ قد أفردوا له عِلْمًا مستقلًا وهو علمُ الكلامِ، وقدَّموا الطهارةَ عليها؛ لأنها شرطٌ، والشرطُ مقدَّم على المشروطِ طبعًا، وهو توقُّفُ شيءٍ على شيءٍ بحيثُ لا يقتضي أحدُهما انفكاكًا عنِ الآخر كالطهارةِ للصلاة، فقدِّم وضعًا، أي: ذِكرًا وكتابةً، وقَرنوها بالزكاةِ؛ لاقترانِها بها في كثيرٍ من الآياتِ كقولهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إلى غير ذلك، ثم قدَّموا الصَّومَ على الحجِّ؛ لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، والحجُّ مركَّبٌ من المالِ والبدنِ، فهو بمنزلةِ تقديمِ المفردِ على المركَّبِ، وهذا ما يتعلَّقُ بالخالقِ. وهذا الترتيبُ في الشهادتين على ترتيبِ خبرِ "الصحيحين" ، (٢) : "بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ" .

    قال الشيخُ محمد الخلوتي: واختاروا هذه (٣) الرواية على روايةِ تقديم الحجِّ على الصومِ، وإن ثبت في "الصحيحين" (٤) أيضًا؛ لأن الصومَ أعم وجوبًا، متكرِّرٌ (٥) ، وأفرادُ مَن

    ج ٢ ص ٩٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  39. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  40. يجبُ عليه أكثرُ، وأمَّا ما يتعلَّقُ بالخلائقِ، قدَّموا منه ما يتعلَّقُ بالقوى الشهويَّة وهي المعاملاتُ والمناكحات، ثم قدَّموا منها المعاملاتِ على المناكحاتِ؛ لأنَّ الناسَ يحتاجون إليها؛ لأنَّه لا غنى للإنسانِ عن مأكولٍ ومشروبٍ ولباسٍ، وهو ممَّا ينبغي أن يُهتمَّ به؛ لعمومِ البلوى، إذ لا يخلو مكلَّفٌ غالبًا من بيعٍ وشراءٍ، فيجب معرفةُ الحكمِ في ذلك قبلَ التلبُّسِ به، وقد حكى بعضُهم الإجماعَ على أنَّه لا يجوزُ لمكلَّفٍ أن يُقدِمَ على فعلٍ حتى يعلمَ حكمَ اللهِ فيه، ثم ثَنَّوا بالمناكحاتِ؛ لشدةِ تَوقانِ النفسِ إليها بعدَ معرفتِهم المعاملات، ثم ختموا الكلامَ بما يتعلَّقُ بالقوى الغَضَبيَّة وهي الجناياتُ؛ لأنَّها بعدَ معرفةِ ما تقدَّم من القوى النطقيَّة والشهويَّة تَبطرُ نفسُه الخبيثة، ربَّما يشتُم هذا ويضربُ هذا، فعَقدوا لذلك بابَ الجنايات وأتبعوها بالكلامِ على الأقضيةِ والأيمانِ؛ لأنَّها لا تخلو عنها غالبًا، وأخَّروا القضاءَ عن الأيمان؛ لأنَّها قد يتوقف القضاءِ عليها، وختموا كتبهم بالإقرار؛ رجاء أن يموتوا على ما أقرُّوا به من كلمةِ التوحيد.