مقدمة عمدة الطالب
٣٦٠ فقرة، ج ٢ ص ٢٣
الصفحة ٨ من ٩
- ج ٢ ص ٨٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
أجيبَ: بأنَّه زادَه للإشارةِ إلى مدحِ مختصرِه من جهتين: عموم كونِه في الفقه، وخصوص كونه في المذهب، ولمدحِ عمومِ الفقه وخصوصِ مذهب الإمام أحمد، على أنَّ مذهبَ الإمام أحمدَ قد يكون في غيره.
-
اعلم أنَّه يجبُ وجوبًا صناعيًّا على كلِّ بادٍ في علمٍ من العلوم أن يعرفَ عشرةَ أشياءَ قد نَظَمها سيدي أحمدُ أبو العَبَّاس (١) بن زِكْري في أُرجوزتِه المُسماة "محصل المقاصد" حيثُ قالَ:
فأولُ الأبوابِ في المبادي … وتلك عشرةٌ على المرادِ
الحدُّ والموضوعُ ثم الواضعُ … والاسمُ الاستمدادُ حكمُ الشارع
تصورُ المسائلِ الفضيلة … ونسبةٌ فائدةٌ جليلة
حقٌّ على طالبِ علمٍ أن يحيط … بفهم ذي العشرةِ فهمها ينيط
بسعيه قبلَ الشروع في الطلب … بها يصير مبصرًا لما طلب
وزاد بعضُهم: الغايةَ، فصارَ مجموعُ الأشياءِ أحدَ عشرَ شيئًا.
-
الأولُ: حدُّ الفقهِ لغةً واصطلاحًا، فقد تكفَّل بهما الشارحُ.
-
الثاني: موضوعُه: وهو فعلُ المكلَّفِ من حيثُ إنَّه معرَّضٌ للأحكامِ الخمسةِ.
-
الثالث: واضعُه: وهو النبي ﷺ ، وأوَّلُ مَن صنَّف فيه أبو حنيفةَ النعمانُ رضي الله تعالى عنه (٢) .
- ج ٢ ص ٨١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
الرابعُ: اسمُه: وهو الفقهُ.
-
الخامسُ: استمدادُه: وهو من الكتابِ والسنةِ والإجماعِ والقياسِ وباقي الأدلةِ.
-
السادسُ: حكمُه: وهو الوجوبُ العينيُّ على كل مكلَّفٍ بقدرِ ما يَعرِفُ به تصحيحَ عباداتِه، فإنْ زادَ عن ذلك صارَ واجبًا كفائيًّا إلى بلوغِ درجةِ الافتاء، فإن زادَ عن ذلك إلى أن بلغَ درجةَ الاجتهادِ، صار مندوبًا.
-
السابعُ: مسائلُه: وهي قضاياهُ التي تطلبُ نسبَ محمولاتِها إلى موضوعاتِها، كقولِنا: فروضُ الوضوءِ عند الإمامِ ابنِ حنبل ستَّةٌ.
-
الثامن: فضلُه على غيرِه: وهو أفضلُها؛ لأنه به يُعرفُ الحلالُ والحرام، والصحيحُ والفاسدُ وغيرُها من بقيَّة الأحكامِ.
-
التاسعُ: نسبتُه إلى غيرهِ: أنه من العلومِ الشرعيَّةِ، وأنَّه يعصمُ المكلَّفَ عن الخطأِ في فعلِه.
-
العاشر: فائدتُه: وهي الفوزُ بسعادةِ الدارين.
-
الحادي عشر: غايتُه: وهي امتثالُ الأوامرِ واجتنابُ النواهي.
-
وينبغي أن يُقدِّمَ قبلَ معرفة هذه الاشياء شروطَ تَعلُّمِ العلومِ وتعليمها وهي اثنا عشرَ شرطًا:
أحدُها: أن يقصدَ به ما وُضِع ذلك العلمُ له، فلا يقصد به غير ذلك، كاكتسابِ مالٍ أو جاهٍ أو مغالبةِ خصمٍ أو مكاثرةٍ.
-
ثانيها: أن يقصدَ العلمَ الذي يقبله طبعُه، إذ ليسَ كل واحدٍ يصلحُ لتعلُّمِ العلومِ، ولا كلُّ مَن يصلحُ لتعلُّمِها يصلحُ لتعلُّمِ جميعِها، بل كلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له.
-
ثالثُها: أن يعلمَ غايةَ ذلك العلمِ؛ ليكون على ثقةٍ من أمرِه.
- ج ٢ ص ٨٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
رابعُها: أن يستوعبَ ذلك العلم من أوَّله إلى آخره تصوُّرًا وتصديقًا.
-
خامسها: أن يقصدَ فيه الكتبَ الجيّدةَ المستوعبة لجميعِ الفنِّ.
-
سادسها: أن يقرأ على شيخٍ مرشدٍ أمينٍ ناصحٍ، ولا يستبدَّ بنفسِه وذكائه.
-
سابعها: أن يذاكرَ به الأقرانَ والأنظار؛ طلبًا للتحقيق، لا للمغالبةِ، بل للمعاونة على الإفادةِ والاستفادةِ.
-
ثامنها: إذا حَصَّل ذلك لا يُضيعه بإهمالِه، ولا يمنعه مستحقَّه؛ لخبر: "مَن عَلِمَ علمًا وكتَمه، ألجمه الله تعالى بلجامٍ من نارٍ" (١) . ولا يُؤتيه غيرَ مستحقِّه، لما جاءَ فى كلامِ النبوةِ: "لا تُعلِّقوا الدُّرَّ في رقابِ الخنازير" (٢) أي: لا تُؤتوا العلومَ غيرَ أهلها.
-
تاسعُها: أن لا يعتقدَ في علمٍ أنه حصَّلَ منه مقدارًا لا تمكنُ الزيادةُ عليه، فذلك نقصٌ وحرمان.
-
عاشرُها: أن يعلمَ أنَّ لكل علم حدًّا، فلا يتجاوزُه ولا يقصرُ عنه.
-
حادي عشرها: أن لا يُدخلَ علمًا في علمٍ آخر لا في تعلُّمٍ ولا في مناظرةٍ؛ لأنَّ ذلك يشوشُ الفكرَ.
- ج ٢ ص ٨٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
وهو لغةً: الفَهْم،
ثاني عشرها: أن يراعيَ كلُّ من المتعلِّمِ والمعلِّمِ الآخرَ خصوصًا الأوَّل؛ لأنَّ معلّمَه كالأبِ بل أعظمُ؛ لأنَّ أباه أخرجَه إلى دارِ الفناء، ومعلمَه دلَّه على دارِ البقاء؛ ولأن والدَه يُربي البدنَ، وأستاذَه يُربي الروحَ، ولذا قيل في هذا المعنى شعرٌ (١) :
أقدِّمُ أستاذي على فضلِ والدي … وإن كانَ من أهلِ الزيادةِ والشَّرفْ
فَذا مُربي الروحِ والروحُ جوهرٌ … وذا مُربي الجسمِ والجسمُ من صَدفْ
واعلم أنَّ الاشتغالَ بالعلمِ له آفات كثيرةٌ، عُدَّ منها في الحقيقة:
الوثوقُ بالزمنِ المستقبلِ، فيترك التعلُّ حالًا؛ إذ اليومُ في التعلُّمِ والتعليم أفضلُ من غدٍ، وأفضلُ منه أَمسُه، والإنسانُ كلَّما كبرَ، كبرت عوائقُه.
-
ومنها الوثوقُ بالذكاء، فكثيرٌ مَن فاتَه بركونِه إلى ذكائِه وتسويفِه أيامَ الاشتغالِ.
-
ومنها التنقلُ من علمٍ قبلَ إتقانِه إلى آخرَ، ومن شيخٍ إلى آخرَ قبل إتقانِ ما بدأ عليه، فإن ذلك هدمٌ لما قد بَنَى.
-
ومنها طلبُ الدنيا، والترُّدُ إلى أهلِها، والوقوفُ على أبوابِهم.
-
ومنها ولايةُ المناصبِ، فإنَّها شاغلةٌ مانعةٌ، كما أنَّ ضيقَ الحالِ مانعٌ قويٌّ.
-
(وهو لغةً) أي: في اللغةِ، فـ "لغة" منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، وقولُه: (الفهم) عند الأكثرِ؛ لأنَّ العلمَ يكونُ عنه. قال اللهُ تعالى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) ﴾ [النساء: ٧٨] .
- ج ٢ ص ٨٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- أي: إدراك معنى الكلام. وعرفًا:
-
وقوله: (أي: إدراك معنى الكلام) ، تفسيرٌ للفهم لجَودةِ (١) الذهنِ من جهةِ تهييئِه لاقتباسِ ما يَرِدُ عليه منَ المطالبِ.