المسألة الثانية في دلالة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم المجرد

١٠ فقرات، ج ٣ ص ٢٢٩

  1. المسألة الثانية اختلفوا في أن فعل الرسول ص بمجرده هل يدل على حكم في حقنا أم لا على أربعة أقوال أحدها أنه للوجوب وهو قول ابن سريج وأبي سعيد الاصطخري وأبي علي بن خيران

    ج ٣ ص ٢٣٠وثانيها أنه للندب ونسب ذلك إلى الشافعي رضي الله عنه وثالثها أنه للإباحة وهو قول مالك رحمه الله ورابعها يتوقف في الكل وهو قول الصيرفي وأكثر المعتزلة وهو المختار لنا أنا إن جوزنا الذنب عليه جوزنا في ذلك الفعل أن يكون ذنبا له ولنا وحينئذ لا يجوز لنا فعله وإن لم نجوز الذنب عليه جوزنا كونه مباحا ومندوبا وواجبا وبتقدير أن يكون واجبا جوزنا أن يكون ذلك من خواصه وأن لا يكون ومع احتمال هذه الأقسام امتنع الجزم بواحد منها

    ج ٣ ص ٢٢٩
  2. واحتج القائلون بالوجوب بالقرآن والإجماع والمعقول أما القرآن فسبع آيات

    ج ٣ ص ٢٣١إحداها قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره والأمر حقيقة في الفعل على ما تقدم بيانه والتحذير عن مخالفة فعله يقتضي وجوب موافقة فعله وثانيتها قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وهذا مجراه مجرى الوعيد فيمن ترك التأسي به ولا معنى للتأسي به إلا أن يفعل الإنسان مثل فعله وثالثتها قوله تعالى واتبعوه وظاهر الأمر للوجوب والمتابعة هي الإتيان بمثل فعله

    ج ٣ ص ٢٣٢ورابعتها قوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني دلت الآية على أن محبة الله مستلزمة للمتابعة لكن المحبة واجبة بالإجماع ولازم الواجب واجب فمتابعته واجبة وخامستها قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه فإذا فعل فقد آتانا بالفعل

  3. فوجب علينا أن نأخذه وسادستها قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول دلت الآية بإطلاقها على وجوب طاعة الرسول والآتي بمثل فعل الغير أجل أن ذلك الغير فعله طائع لذلك الغير فوجب أن يكون ذلك واجبا وسابعتها أن قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها بين أنه تعالى إنما زوجه بها ليكون حكم أمته مساويا لحكمه في ذلك وهذا هو المطلوب

    ج ٣ ص ٢٣٣وأما الإجماع فلأن الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين فقالت عائشة رضي الله عنها فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا فرجعوا إلى ذلك وإجماعهم على الرجوع حجة وهو المطلوب وإنما كان لفعل رسول الله ص فقد أجمعوا ها هنا على أن مجرد الفعل للوجوب

    ج ٣ ص ٢٣٤ولأنهم واصلوا الصيام لما واصل وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع وأمرهم عام الحديبية بالتحلل بالحلق فتوقفوا فشكا إلى أم سلمة

  4. ولأنه خلع خاتمه فخلعوا ولأن عمر رضي الله عنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ص يقبلك لما قبلتك وأنه عليه الصلاة والسلام قال في جواب مسأل أم سلمة عن قبلة

    ج ٣ ص ٢٣٧الصائم ألا أخبرته كما أنني أقبل وأنا صائم وأما المعقول فمن وجهين الأول أن الاحتياط يقتضي حمل الشئ على أعظم مراتبه وأعظم مراتب فعل الرسول ص أن يكون واجبا عليه وعلى أمته فوجب حمله عليه بيان الأول أن الاحتياط يتضمن دفع ضرر الخوف عن النفس بالكلية ودفع الضرر عن النفس واجب بيان الثاني أن أعظم مراتب الفعل أن يكون واجبا على الكل الثاني أنه لا نزاع في وجوب تعظيم الرسول ص في الجملة وإيجاب الإتيان بمثل فعله تعظيم له بدليل العرف والتعظيمان هو يشتركان في قدر من المناسبة فيجمع بينهما بالقدر المشترك فيكون ورود الشرع بإيجاب ذلك

    ج ٣ ص ٢٣٨التعظيم يقتضي وروده بأن يجب على الأمة الإتيان بمثل فعله والجواب عن الأول لا نسلم أن لفظ الأمر حقيقة في الفعل على ما تقدم سلمناه لكنه بالإجماع أيضا حقيقة في القول فليس حمله على ذلك بأولى من حمله على هذا

    ج ٣ ص ٢٣٦
  5. سلمناه لكن ها هنا ما يمنع من حمله على الفعل وهو من وجهين الأول أن تقدم ذكر الدعاء وذكر المخالفة يمنع منه فإن الإنسان إذا قال لعبده لا تجعدعائي كدعاء غيري واحذر مخالفة أمري فهم منه أنه أراد بالأمر القول الثاني وهو أنه قد أريد به القول بالإجماع فلا يجوز حمله على الفعل لأن اللفظ المشترك لا يجوز حمله على معنييه سلمناه لكن الهاء راجعة إلى الله تعالى لأنه أقرب المذكورين فإن قلت القصد هو الحث على اتباع الرسول ص لأنه تعالى قال لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا فحث بذلك

    ج ٣ ص ٢٣٩على الرجوع إلى أقواله وأفعاله ثم عقب ذلك بقوله فليحذر الذين يخالفون عن أمره فعلمنا أنه بعث بذلك على التزام ما كان دعا إليه من الرجوع إلى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وأيضا فلم لا يجوز الحكم بصرف الكناية إلى الله تعالى والرسول ص قلت الجواب عن الأول أن صرف هذا الضمير إلى الله تعالى مؤكد لهذا الغرض أيضا لأنه لما حث على الرجوع إلى أقوال الرسول وأفعاله ثم حذر عن مخالفة أمر الله تعالى كان ذلك تأكيدا لما هو المقصود من متابعة الرسول ص

  6. وعن الثاني أن الهاء كناية عن واحد فلا يجوز عوده إلى الله تعالى والى الرسول معا سلمنا عود الضمير إلى الرسول فلم قلت إن عدم الإتيان بمثل فعله مخالفة لفعله فإن قلت يدل عليه أمران الأول أن المخالفة ضد الموافقة لكن موافقة فعل الغير هو أن تفعل مثل فعله فمخالفته هو أن لا تفعل مثل فعله

    ج ٣ ص ٢٤٠الثاني وهو أن المعقول من المختلفين هما اللذان لا يقوم أحدهما مقام الآخر والعدم والوجود لا يقوم أحدهما مقام الآخر بوجه أصلا فكانا في غاية المخالفة فثبت إن عدم الإتيان بمثل فعله مخالف للإتيان بمثل فعله من كل الوجوه قلت هب أنها في أصل الوضع كذلك لكنها في عرف الشرع ليست كذلك ولهذا لا يسمى إخلال الحائض بالصلاة مخالفة للمسلمين بل هي عبارة عن عدم الإتيان بمثل فعله إذا كان الإتيان به واجبا وعلى هذا لا يسمى ترك مثل فعل النبي ص مخالفة إلا إذا دل فعله على الوجوب فإذا أثبتنا ذلك بهذا الدليل لزم الدور وهو محال

  7. والواجب عن الثاني لم قلت إن الإتيان بمثل فعل الغير مطلقا يكون تأسيا به بل عندنا كما يشترط في التأسي المساواة في الصورة يشترط فيه

    ج ٣ ص ٢٤١المساواة في الكيفية حتى أنه لو صام واجبا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به وعلى هذا لا يكون مطلق فعل الرسول عليه الصلاة والسلام سببا للوجوب في حقنا لأن فعله قدلا يكون واجبا فيكون فعلنا إياه على سبيل الوجوب قادحا في التأسي وتمام الأسئلة سيأتي في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى والجواب عن الثالث أن قوله واتبعوه إما أن لا يفيد العموم أو يفيده فإن كان الأول سقط التمسك به وإن كان الثاني فبتقدير أن يكون ذلك الفعل واجبا عليه وعلينا وجب أن نعتقد فيه أيضا هذا الاعتقاد والحكم بالوجوب يناقضه فوجب أن لا يتحقق وهذا هو الجواب وسلم عن التمسك بقوله تعالى فاتبعوني والجواب عن الخامس لا نسلم أن قوله تعالى ما آتاكم الرسول فخذوه يتناول الفعل ويدل عليه وجهان

    ج ٣ ص ٢٤٢الأول أن قوله تعالى وما نهاكم عنه فانتهوا يدل على أنه عنى بقوله ما آتاكم ما أمركم

  8. الثاني أن الإتيان إنما يتأتى في القول لأنا نحفظه وبامتثاله إن يصير كأننا أخذناه فيصير كأنه ص أعطاناه والجواب عن السادس أن الطاعة هي الإتيان بالمأمور أو بالمراد على اختلاف المذهبين فلم قلت إن مجرد فعل الرسول ص يدل على أنا أمرنا بمثله أو أريد منا مثله وهذا هو أول المسألة والجواب عن الإجماع من وجوه الأول أن هذه أخبار آحاد فلا تفيد العلم ولهم أن يقولوا هب أنها تفيد الظن لكن لما حصل ظن كونه دليلا

    ج ٣ ص ٢٤٣ترتب عليه ظن ثبوت الحكم فيكون العمل به دافعا لضرر مظنون فيكون واجبا وتقرير هذه الطريقة سيجئ إن شاء الله تعالى في مسألة القياس الثاني أن أكثر هذه الأخبار واردة في الصلاة والحج فلعله ص كان قد بين لهم أن شرعه وشرعهم سواء في هذه الأمور قال ص صلوا كما رأيتموني أصلي وعليه خرج مسألة التقاء الختانين وقال خذوا عني مناسككم وعليه خرج تقبيل عمر للحجر الأسود وقال هذا وضوئي ووضوء الآنبياء من قبلي وأما الوصال فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم واشتغل معهم به أنه

  9. قصد بفعله بيان الواجب ففعلوا فرد عليهم ظنهم وأنكر عليهم الموافقة وأما خلع النعل فلا نعلم أنهم فعلوا ذلك واجبا وأيضا لا يمتنع أن يكونوا لما رأوه قد خلع نعله مع تقدم قوله تعالى

    ج ٣ ص ٢٤٤خذوا زينتكم عند كل مسجد ظنوا أن خلعها مأمور به غير مباح لأنه لو كان مباحا لما ترك به المسنون في الصلاة على أنه ص قال لهم لم خلعتم نعالكم فقالوا لأنك خلعت نعلك فقال إن جبريل أخبرني أن فيها أذى فبين بهذا أنه ينبغي أن يعرفوا الوجه الذي أوقع عليه فعله ثم يتبعونه وأما خلع الخاتم فهو مباح فلما خلع أحبوا موافقته لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم والجواب عن الوجه الأول من المعقول أن الاحتياط إنما يصار إليه إذا خلا عن الضرر قطعا وها هنا ليس كذلك لاحتمال أن يكون ذلك الفعل حراما على الأمة وإذا احتمل الأمران لم يكن المصير إلى الوجوب احتياطا وعن الثاني إن ترك الإتيان بمثل ما يأتي به الملك العظيم قد يكون تعظيما ولذلك يقبح من العبد أن يفعل كل ما يفعل سيده واحتج القائلون بالندب بالقرآن والإجماع والمعقول أما القرآن فقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ولو كان التأسي واجبا لقال عليكم فلما قال لكم دل على عدم

    ج ٣ ص ٢٤٥الوجوب ولما أثبت الأسوة الحسنة دل على رجحان جانب الفعل على جانب الترك فلم يكن مباحا وأما الإجماع فهو أنا رأينا أهل الأعصار متطابقين على الاقتداء في الأفعال بالنبي ص وذلك يدل على انعقا الإجماع على أنه يفيد الندب وأما المعقول فهو إن فعله عليه الصلاة والسلام إما أن يكون راجح العدم أو مساوى العدم أو مرجوح العدم والأول باطل لما ثبت أنه لا يوجمنه الذنب والثاني باطل ظاهرا لأن الاشتغال به عبث والعبث مزجور عنه بقوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا فتعين الثالث وهو أن يكون مرجوح العدم ثم إنا لما تأملنا أفعاله وجدنا بعضها مندوبا وبعضها واجبا والقدر المشترك هو رجحان جانب الوجود وعدم الوجوب ثابت بمقتضى الأصل فأثبتنا الرجحان مع عدم الوجوب والجواب عن الأول ما تقدم أن التأسي في إيقاع الفعل على الوجه الذي أوقعه عليه فلوا

    ج ٣ ص ٢٤٦كان فعله واجبا أو مباحا وفعلناه مندوبا لما حصل التأسي وعن الثاني أنا لا نسلم أنهم استدلوا بمجرد الفعل فلعلهم وجدوا مع الفعل قرائن أخرى وعن الثالث لا نسلم أن فعل المباح عبث لأن العبث هو الخالي عن الغرض فإذا

  10. حصلت في المباح منفعة ما لم يكن عبثا بل من حيث حصول النفع به خرج عن العبث فلم قلتم بأنه خلا عن الغرض ثم حصول الغرض في التأسي بالنبي ص ومتابعته في أفعاله بين فلا يعد من أقسام العبث والله أعلم واحتج القائلون بالإباحة بأنه لما ثبت أنه لا يجوز صدور الذنب منه ثبت أن فعله لا بد أن يكون إما مباحا أو مندوبا أو واجبا وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في رفع الحرج عن الفعل فأما رجحان جانب الفعل فلم يثبت على وجوده دليل لأن الكلام فيه