سنة إحدى عشرة
٦٠٤ فقرة، ج ٢ ص ٢٠١
الصفحة ٨ من ١٦
- ج ٢ ص ٢٨٢
وكان يواصل في صومه، ويبقى أياما لا يأكل، وينهى عن الوصال، ويقول: "إني لست مثلكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
-
وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد أتى بمفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبى أن يقبلها، واختار الآخرة عليها، وكان كثير التبسم، يحب الروائح الطيبة وكان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه.
-
وكان لا يكتب ولا يقرأ ولا معلم له من البشر، نشأ في بلاد جاهلية، وعبادة وثن، ليسوا بأصحاب علم ولا كتب، فآتاه الله من العلم ما لم يؤت أحدا من العالمين، قال الله في حقه:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
-
وكل هذه الأطراف من الأحاديث فصحاح مشهورة.
وقال ﷺ : "حبب إلي النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة" .
وقال أنس: طاف النبي ﷺ على نسائه في ضحوة بغسل واحد.
-
وكان يحب من النساء عائشة رضي الله عنها ومن الرجال أباها أبا بكر رضي الله عنه وزيد بن حارثة، وابنه أسامة، ويقول: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" .
- ج ٢ ص ٢٨٣
ويحب الحسن والحسين سبطيه، ويقول: "هما ريحانتاي من الدنيا" .
-
ويحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه.
-
ويحب التيمن في ترجله وتنعله، وفي شأنه كله.
-
وكان يقول: "إني أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى" .
وقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" .
وقال: "شيبتني هود وأخواتها" .
-
وكل هذا في الصحاح.
- باب من اجتهاده وعبادته ﷺ :
-
قال ابن عيينة، عن زياد بن علاقة: عن المغيرة بن شعبة، قال: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" . متفق عليه (١) .
وقال منصور، عن إبراهيم، عن علقمة: سألت عائشة: كيف كان عمل رسول الله ﷺ ، هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع؟ متفق عليه (٢) .
وقال معمر، عن همام، حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والوصال" . قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من العمل ما لكم به طاقة" .
-
وفي الصحيح مثله من حديث ابن عمر، وعائشة، وأنس، بمعناه.
-
وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة" . هذا حديث حسن.
-
وقال حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
وقال أبو كريب: حدثنا معاوية بن هشام عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو بكر: يا رسول الله أراك شبت قال: "شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت" .
-
وأما تهجده، وتلاوته، وتسبيحه، وذكره وصومه، وحجه، وجهاده، وخوفه، وبكاؤه، وتواضعه، ورقته، ورحمته لليتيم والمسكين، وصلته للرحم، وتبليغه الرسالة، ونصحه الأمة، فمسطور في السنن على أبواب العلم.
- باب في مزاحه ودماثة أخلاقه الزكية:
-
قال مبارك بن فضالة، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأمزح، ولا أقول إلا حقا" (١) . إسناده قريب من الحسن.
وقال أبو حفص بن شاهين: حدثنا عثمان بن جعفر الكوفي قال: حدثنا عبد الله بن الحسين، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قيل: يا رسول الله إنك تداعبنا قال: "إني لا أقول إلا حقا" (٢) .
-
تابعه أبو معشر، عن المقبري، وهو صحيح.
وقال الزبير بن بكار: حدثني حمزة بن عتبة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أنها مزحت عند رسول الله ﷺ ، فقالت: إنه بعض دعابات هذا الحي من بني كنانة.
فقال رسول الله ﷺ : "بل بعض مزحنا هذا الحي من قريش" . حمزة لا أعرفه، والمتن منكر.
-
وقال زيد بن أبي الزرقاء، عن ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كان النبي ﷺ من أفكه الناس. تفرد به ابن لهيعة، وضعفه معروف.
-
وجاء من طريق ابن لهيعة: كان النبي ﷺ من أفكه الناس مع صبي.
-
وقال أبو تميلة يحيى بن واضح، عن أبي طيبة عبد الله بن مسلم، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فثقل على القوم بعض متاعهم، فجعلوا يطرحونه علي، فمر بي النبي ﷺ ، فقال: "أنت زاملة" .
ج ٢ ص ٢٨٦وقال حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان: سمعت سفينة يقول: ثقل على القوم متاعهم، فقال رسول الله ﷺ : "ابسط كساءك" . فجعلوا فيه متاعهم، فقال رسول الله ﷺ : "احمل فإنما أنت سفينة" . قال: فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة، حتى بلغ سبعة ما ثقل علي. وهذا يدخل في معجزاته.
وقال علي بن عاصم، وخالد بن عبد الله: حدثنا حميد، عن أنس قال: استحمل أعرابي رسول الله ﷺ فقال: "أنا أحملك على ولد الناقة" . فقال: وما أصنع بولد ناقة يا رسول الله؟ فقال: "وهل تلد الإبل إلا النوق" ؟. صحيح غريب.
وقال الأنصاري: حدثنا حميد، عن أنس قال: كان ابن لأم سليم، يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه … الحديث.
-
وقال شريك، عن عاصم، عن أنس أن النبي ﷺ قال له: "يا ذا الأذنين" (١) .
-
وقال محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عائشة قالت: أتيت النبي ﷺ بخزيرة (٢) طبختها، فقلت لسودة والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي فأبت، فقلت: لتأكلي أو لألطخن وجهك فأبت، فوضعت يدي فيها فلطختها وطليت وجهها، فضحك النبي ﷺ ، فمر عمر فقال: يا عبد الله يا عبد الله، فظن النبي ﷺ أنه سيدخل، فقال: "قوما فاغسلا وجوهكما" . فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله ﷺ منه.
-
وقال عبد الله بن إدريس، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رسول الله ﷺ بحسان بن ثابت، وقد رش فناء أطمه (٣) ، ومعه أصحابه سماطين، وجارية يقال لها: سيرين، معها مزهرها تختلف بين السماطين تغنيهم، فلما مر رسول الله ﷺ لم يأمرهم ولم ينههم، وهي تقول في غنائها:
هل على ويحكم … إن لهوت من حرج
ج ٢ ص ٢٨٧فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "لا حرج إن شاء الله" (١) .
-
حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب هذا مدني، تركه ابن المديني وغيره.
-
وقال بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن محمد بن أبي سلمة، عن عائشة قالت: دخلت الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي النبي ﷺ : "أتحبين أن تنظري إليهم" ؟ قلت: نعم فقالت: "تعالي" ، فقام بالباب، وجئت فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خده، قالت: ومن قولهم يومئذ: "وأبو القاسم طيب" ، فقال رسول الله ﷺ : "حسبك" . قلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه (٢) .
-
وفي بعض طرقه: فلا ينصرف حتى أكون أنا الذي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو (٣) .
-
وفي رواية: والحبشة في المسجد يلعبون بحرابهم ويزفنون (٤) .
وقال زيد بن الحباب: أخبرني خارجة بن عبد الله قال: حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت: كنا مع رسول الله ﷺ ، فسمعنا لغطا وصوت الصبيان، فقام، فإذا حبشية ترقص والصبيان حولها فقال: "يا عائشة تعالي فانظري" فجئت فوضعت ذقني على منكبه ﷺ ، فجعلت أنظر، فقال: "ما شبعت" ؟ فجعلت أقول: لا لأنظر منزلتي عنده إذ طلع عمر رضي الله عنه فارفض الناس عنها فقال رسول الله ﷺ : "إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فرقوا من عمر" .
-
خارجة بن عبد الله، قال ابن عدي: لا بأس به.
ج ٢ ص ٢٨٨وقال النسائي: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سابقني النبي ﷺ ، فسبقته ما شاء الله، حتى إذا رهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال: "هذه بتلك" . صحيح. وأخرجه أبو داود (١) من حديث عروة، عن أبي سلمة عنها وقيل في إسناده غير ذلك.
-
وقال خالد بن عبد الله الطحان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -وغير خالد يسقط منه أبا هريرة- قال: كان رسول الله ﷺ يدلع لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه، فقال له عيينة بن بدر: ألا أراك تصنع هذا، فوالله إني ليكون لي الولد قد خرج وجهه ما قبلته قط. فقال النبي ﷺ : "من لا يرحم لا يرحم" .
-
وقال جعفر بن عون، عن معاوية بن أبي مزرد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أخذ النبي ﷺ بيد الحسن أو الحسين، وهو يقول: "ترق عين بقه" . فيضع الغلام قدمه على قدم النبي يرفعه إلى صدره، ثم قبل فاه وقال: "اللهم إني أحبه فأحبه" .
-
وقال خالد بن الحارث، عن أشعث، عن الحسن، عن أنس، قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو مستلق، والحسن بن علي على ظهره.
وقال محمد بن عمران بن أبي ليلى: حدثني أبي، حدثني ابن أبي ليلى، عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: كنا عند النبي ﷺ ، فجاءه الحسن فأقبل يتمرغ عليه، فرفع رسول الله ﷺ مقدم قميصه فقبل زبيبته.
وقال أبو أحمد الزبيري: حدثنا زمعة بن صالح عن الزهري، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة، أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى قبل موت النبي ﷺ بعام أو عامين، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وهما بدريان، وكان سويبط على زادهم، فجاء نعيمان فقال: أطعمني، فقال: لا، حتى يأتي أبو بكر وكان نعيمان مزاحا، فقال: لأبيعنك ثم قال لأناس: ابتاعوا مني غلاما، وهو رجل ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه إذا قال ذلك فدعوني ولاتفسدوا علي غلامي قالوا: لا بل نبتاعه فباعه بعشر قلائص، ثم جاءهم فقال: هو هذا فقال سويبط: هو كاذب، وأنا رجل حر. قالوا: قد أخبرنا بخبرك وطرحوا الحبل والعمامة في رقبته، وذهبوا به، فجاء أبو بكر فأخبروه، فذهب وأصحاب له فردوا القلائص، وأخذوه، فضحك منها النبي ﷺ وأصحابه حولا (٢) . هذا حديث حسن.
ج ٢ ص ٢٨٩وقال الأسود بن عامر: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، أن رجلا كان يكنى أبا عمرة، فقال له النبي ﷺ : "يا أم عمرة" . فضرب الرجل بيده إلى مذاكيره، فقال له النبي ﷺ : "مه" . قال: والله ما ظننت إلا أني امرأة لما قلت لي: يا أم عمرة. فقال النبي ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم أمازحكم" (١) . حديث مرسل.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس، أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهر، فكان يهدي إلى رسول الله ﷺ هدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ ، وقال: "إن زاهرا باديتنا، ونحن حاضرته" . وكان دميما فأتاه النبي ﷺ يوما، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني، من هذا؟ والتفت فعرف النبي ﷺ ، وجعل رسول الله ﷺ يقول: "من يشتري مني العبد" . فقال: يا رسول الله، إذا والله تجدني كاسدا. فقال: "لكن أنت عند الله غال" (٢) . صحيح غريب.
-
وقال خالد بن عبد الله الواسطي، عن حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى، عن أسيد بن الحضير، قال: بينا رجل من الأنصار عند رسول الله ﷺ يتحدث، وكان فيه مزاح يحدث القوم ويضحكون، فطعنه رسول الله ﷺ في خاصرته، فقال: "اصبر لي" . قال: "أصطبر" . قال: لأن عليك قميص، ولم يكن علي قميص. فرفع النبي ﷺ قميصه.
-
فاحتضنه وجعل يقبل كشحه ويقول: إنما أردت هذا يا رسول الله. رواته ثقات (٣) .
-
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم.
- باب في ملابسه ﷺ :
-
قال خالد بن يزيد: حدثنا عاصم بن سليمان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه كان يلبس القلانس البيض، والمزرورات، وذوات الآذان. عاصم هذا بصري متهم بالكذب.
-
وعن جابر: كان للنبي ﷺ عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه. تفرد به حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن أبي الزبير، عن جابر.
-
وقال وكيع، عن عبد الرحمن بن الغسيل، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خطب الناس وعليه عصابة دسماء (١) . حديث صحيح.