السنة العاشرة

٥٢ فقرة، ج ٢ ص ١٨٢

الصفحة ١ من ٢

  1. ثم قال ابن إسحاق: ولما فتح الله على نبيه مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. وإنما كان العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس.

    قال: فقدم عطارد بن حاجب في وفد عظيم من بني تميم، منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، ومعهم عيينة بن حصن. فلما دخلوا المسجد، نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجرات: اخرج إلينا يا محمد. وآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: "قد أذنت لخطيبكم، فليقم" . فقام عطارد، فقال:

    الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددا، وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإن لو نشأ لأكثرنا الكلام، ولكن نستحيي من الإكثار. أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا.

    ج ٢ ص ١٨٢
  2. ثم جلس: فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن الشماس الخزرجي: "قم فأجبه" . فقام، فقال:

    الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله. ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا؛ أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير العالمين فعالا، ثم كان أول الخلق استجابة إذ دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن الأنصار، أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله. فمن آمن منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.

  3. فقام الزبرقان بن بدر، فقال:
  4. نحن الكرام فلا حي يعادلنا … منا الملوك وفينا تنصب البيع

    وكم قسرنا من الأحياء كلهم … عند النهاب، وفضل العز يتبع

    ونحن نطعم عند القحط مطعمنا … من الشواء إذا لم يؤنس القزع (١)

    بما ترى الناس تأتينا سراتهم … من كل أرض هويا ثم نصطنع

    في أبيات.

    فقال النبي ﷺ : "قم يا حسان، فأجبه" . فقال حسان:

    إن الذوائب من فهر وإخواتهم … قد بينوا سنة للناس تتبع

    يرضى بها كل من كانت سريرته … تقوى الإله وكل الخير يصطنع

    قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم … أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

    سجية تلك منهم غير محدثة … إن الخلائق فاعلم، شرها البدع

    في أبيات.

    فقال الأقرع بن حابس: وأبي، إن هذا الرجل لمؤتى له. إن خطيبه أفصح من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا.

    قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وأحسن النبي ﷺ جوائزهم. وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] .

    وقال سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: قدم على النبي ﷺ ، الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمر بن الأهتم. فقال لعمرو بن الأهتم: أخبرني عن هذا الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه. قال: وأراه قال قد عرف قيسا. فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال. فقال عمرو: ما علمتك إلا زمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال. ثم قال: يا رسول الله، قد صدقت فيهما جميعا؛ أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم، وأسخطني فقلت بأسوأ ما فيه. فقال رسول الله ﷺ : "إن من البيان سحرا" .

    ج ٢ ص ١٨٣
  5. وقد روى نحوه علي بن حرب الطائي، عن أبي سعد الهيثم بن محفوظ، عن أبي المقوم الأنصاري يحيى بن يزيد، عن الحكم بن عتيبتة، عن مقسم، عن ابن عباس؛ متصلا.

    وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا الأسود بن شيبان، قال: حدثنا أبو بكر بن ثمامة بن النعمان الراسبي، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: وفد أبي في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ ، فقال: أنت سيدنا وذو الطول علينا. فقال: "مه مه، قولوا بقولكم ولا يستجرئنكم الشيطان، السيد الله، السيد الله" .

    وقال الزبير بن بكار: حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مؤملة، عن أبيها، عن جدها مؤملة بن جميل، قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله ﷺ فقال: يا عامر، أسلم. قال: أسلم على أن الوبر لي ولك المدر. قال: يا عمر أسلم. فأعاد قوله. قال: لا. فولى وهو يقول: يا محمد، لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردًا، ولأربطن بكل نخلة فرسا. فقال النبي ﷺ : "اللهم اكفني عامرا واهد قومه" . فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة يقال لها: سلولية، فنزل عن فرسه ونام في بيتها، فأخذته غدة في حلقه، فوثب على فرسه، وأخذ رمحه، وجعل يجول، ويقول: غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية. فلم تزل تلك حاله حتى سقط ميتا.

    وقال ابن إسحاق: قدم على رسول الله ﷺ وفد بني عامر، فيهم: عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم، وكانوا رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عامر عدو الله على رسول الله ﷺ وهو يريد أن يغدر به. فقال له قومه: إن الناس قد أسلموا. فقال: قد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد: إذا قدمنا عليه فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف.

    ج ٢ ص ١٨٤
  6. فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال عامر: يا محمد، خلني. فقال: "لا والله، حتى تؤمن بالله وحده" ، فقال: "والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا" . فلما ولى قال: "اللهم اكفني عامرا" . ثم قال لأربد: أين ما أمرتك به؟ قال: لا أبا لك، والله ما هممت بالذي أمرتني به من مرة إلا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟ فبعث الله ببعض الطريق على عامر الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من سلول. وأما الآخر فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة أحرقتهما.

  7. وقال همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: حدثني أنس، قال: كان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتى رسول الله ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال؛ يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء.

    قال: فطعن في بيت امرأة، فقال: غدوة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي، فركب فمات على ظهر فرسه. أخرجه البخاري (١) .

  8. [وافد بني سعد]

    ج ٢ ص ١٨٥
  9. قال ابن إسحاق، عن محمد بن الوليد، عن كريب، عن ابن عباس: بعثت بنو سعد بن بكر، ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ﷺ ، وكان جلدا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف فقال: أيكن ابن عبد المطلب؟ فقال: أنا. فقال: أنت محمد؟ قال: "نعم" . قال: إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك. أنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد؟ قال: "اللهم نعم" . قال: فأنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: "نعم" . ثم جعل يذكر فرائض الإسلام ينشده عنده كل فريضة. ثم قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص.

  10. ثم انصرف إلى بعيره راجعا، فقال رسول الله ﷺ : "إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة" . فقدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: باست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام، اتق البرص، اتق الجنون. قال: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه.

    قال: فوالله ما أمسى ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما.

    قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام.

    وقال إسحاق بن أبي إسرائيل المروزي: حدثني حمزة بن الحارث بن عمير، قال: حدثنا أبي، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل من أهل البادية إلى النبي ﷺ فقال: أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك، آلله أرسلك؟ وذكر الحديث، وفيه:

    ج ٢ ص ١٨٦فإني قد آمنت وصدقت، وأنا ضمام بن ثعلبة، فلما ولى قال رسول الله ﷺ : "فقه الرجل" . قال: فكان عمر يقول: ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة. الحارث بن عمير ضعيف، وقصة ضمام في الصحيحين من حديث أنس.

    قال ابن إسحاق: وفد على رسول الله ﷺ الجارود بن عمرو أخو بني عبد القيس - قال عبد الملك بن هشام: وكان نصرانيا- فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام. فقال: يا محمد، تضمن لي ديني؟ قال: "نعم، قد هداك الله إلى ما هو خير منه" . قال: فأسلم، وأسلم أصحابه.

    قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب، فكان منزلتهم في دار بنت الحارث الأنصارية. فحدثني بعض علمائنا أن بني حنيفة أتت به رسول الله ﷺ تستره بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه معه عسيب نخل في رأسه خوصات. فلما كلم النبي ﷺ وسأله قال: "لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه" .

    قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا؛ زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر به لهم، وقال: "أما إنه ليس بأشركم مكانا" ؛ يعني حفظه ضيعة أصحابه. ثم انصرفوا وجاؤوه بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ، وقال: إني أشركت في الأمر مع محمد، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له أما إنه ليس بأشركم مكانا؟ وما ذاك إلا لما يعلم أني قد أشركت معه. ثم جعل يسجع السجعات فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق (١) وحشى. ووضع عنهم الصلاة وأحل لهم الزنى والخمر، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي. فأصفقت (٢) معه بنو حنيفة على ذلك.

  11. وقال شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، قال: حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد الله رسول الله ﷺ المدينة، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته. وقدمها في بشر كثير من قومه. فأقبل النبي ﷺ ، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي ﷺ قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: "إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك،

    ج ٢ ص ١٨٧ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني أراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني " ثم انصرف.

    قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ : "إنك الذي أريت فيه ما رأيت "، فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي ".

    قال: فهذا أحدهما العنسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة. أخرجاه (١) .

  12. وقال معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم إذ أتيت بخزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب. فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلي أن أنفخهما، فنفختهما، فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما؛ صاحب صنعاء وصاحب اليمامة ". متفق عليه (٢) .

    وقال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: سمع أبا رجاء؛ هو العطاردي؛ يقول: لما بعث النبي ﷺ فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب؛ لحقنا بالنار؛ وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، وإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم حلبنا عليها اللبن، ثم نطوف به.

  13. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرأون قراءة ما أنزلها الله: الطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خيزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، فأرسل إليهم عبد الله فأتى بهم، وهم سبعون رجلا ورأسهم عبد الله بن النواحة. قال: فأمر به عبد الله فقتل. ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء، ولكنا نحدرهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم.

  14. وقال المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهما النبي ﷺ : "تشهدان أني رسول الله "؟ فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال: " آمنت بالله ورسله، ولو كانت قاتلا رسولا لقتلتكما".

    ج ٢ ص ١٨٨قال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل.

    قال عبد الله: أما ابن أثال فقد كفانا الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي حتى أمكن الله منه. رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" ، عن المسعودي. وله شاهد.

    قال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم، بن مسعود، عن أبيه، سمع النبي ﷺ حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: "وأنتما تقولان بمثل ما يقول" ؟ قالا: نعم. فقال: "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" .

    قال ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة كتب إلى رسول الله ﷺ في آخر سنة عشر:

    من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون.

  15. فكتب إليه: "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين" .

  16. ثم قد وفد طيئ، على رسول الله ﷺ ، وفيهم زيد الخيل سيدهم، فأسلموا، وسماه رسول الله ﷺ زيد الخير، وقطع له فيد وأرضين، وخرج راجعا إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ : "إن ينج زيد من حمى المدينة" . فإنه يقال قد سماها رسول الله ﷺ باسم غير الحمى، فلم نثبته. فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له: قردة، أصابته الحمى فمات بها. قال: فعمدت امرأته إلى ما معه من كتب فحرقتها.

    وقال شعبة: حدثنا سمك بن حرب، قال سمعت عباد بن حبيش، يحدث عن عدي بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ وأنا بعقرب، فأخذوا عمتي وناسا. فلما أتوا بهم رسول الله، قالت: يا رسول الله، غاب الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة، فمن علي من الله عليك. قال: "من وافدك" ؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: "الذي فر من الله ورسوله" ؟ قالت: فمن علي، ورجل إلى جنبه تراه عليا، فقال: "سليه حملانا" ، فأمر لها به.

    قال: فأتتني، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها. إيته راغبا أو راهبا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه.

    قال عدي: فأتيته، فإذا عند امرأة وصبيان؛ أو صبي، فذكر قربهم من النبي ﷺ قال:

    ج ٢ ص ١٨٩فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر، فأسلمت. فرأيت وجهه قد استبشر، وقال: "إن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى" . وذكر باقي الحديث.

    وقال حماد زيد، عن أيوب، عن محمد، قال: قال أبو عبيدة بن حذيفة، قال رجل:

    كنت أسأل عن حديث عدي وهو إلى جنبي لا أسأله، فأتيته، فقال: بعث الله محمدا ﷺ فكرهته أشد ما كرهت شيئا قط. فخرجت حتى أقصى أرض العرب مما يلي الروم. ثم كرهت مكاني فقلت: لو أتيته وسمعت منه. فأتيت إلى المدينة، فاستشرفني الناس؛ وقالوا: جاء عدي بن حاتم، جاء عدي بن حاتم. فقال: "يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم" . فقلت: إني على دين: قال: "أنا أعلم بدينك منك، ألست ركوسيا" ؟ (١) قلت: بلى. قال: "ألست ترأس قومك" ؟ قلت: بلى. قال: "ألست تأخذ المرباع" قلت: بلى. قال: "فإن ذلك لا يحل في دينك" . قال: فوجدت بها علي غضاضة. ثم قال: "إنه لعله أن يمنعك أن تسلم أن ترى بمن عندنا خصاصة، وترى الناس علينا إلبا واحدا. هل رأيت الحيرة" ؟ قلت: لم أرها، وقد علمت مكانها. قال: "فإن الظعينة سترحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت بغير جوار، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز" . قلت: كنوز كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم، وليفيضن المال حتى يهم الرجل من يقبل ماله منه صدقة" . قال: فلقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن. ووالله لتكونن الثالثة، إنه لحديث رسول الله ﷺ . وروى نحوه هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة.

    وقال ابن إسحاق: قدم على رسول الله ﷺ فروة بن مسيك المرادي، مفارقا لملوك كندة، فاستعمله النبي ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه على الصدقة خالد بن سعيد بن العاص، فكان معه حتى توفي رسول الله ﷺ .

    قال: وقدم على رسول الله ﷺ وفد كندة، ثمانون راكبا فيهم الأشعث بن قيس. فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: "ألم تسلموا" ؟ قالوا: بلى. قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشقوه وألقوه.

    قال: وقدم على رسول الله ﷺ صرد بن عبد الله الأزدي فأسلم، في وفد من الأزد.

  17. فأمره على من أسلم من قومه، ليجاهد من يليه.

  18. [إسلام ملوك اليمن]

    قال: وقدم على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير؛ مقدمه من تبوك، ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان. وبعث إليه ذو يزن، مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم. فكتب إليهم النبي ﷺ كتابا يذكر فيه فريضة الصدقة، وأرسل إليهم معاذ بن جبل في جماعة، وقال لهم: إني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي، وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمركم بهم خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    ج ٢ ص ١٩٠
  19. وقال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه، عن جده، عن البراء، أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن، يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. ثم إن النبي ﷺ بعث عليا رضي الله عنه فأمره أن يقفل خالدا، إلا رجل كان يمم مع خالد أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. فكنت فيمن عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمت همدان جمعا. فكتب علي إلى رسول الله ﷺ ، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان" . هذا حديث صحيح أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد.

  20. وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا علم لي بالقضاء؟ فضرب بيده في صدري، وقال: "اللهم اهد قلبه وثبت لسانه" . فما شككت في قضاء بين اثنين أخرجه ابن ماجه.

  21. وقال محمد بن علي، وعطاء، عن جابر، أن عليا قدم من اليمن على رسول الله ﷺ في حجة الوداع. متفق عليه. من حديث عطاء.

  22. وقال شعبة، وغيره، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى؛ أن رسول الله ﷺ بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا" . متفق عليه، ومن أوجه أخر بأطول من هذا.

  23. وفي "الصحيح" للبخاري، من حديث طارق بن شهاب، عن أبي موسى، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أرض قومي. قال: فجئته وهو منيخ بالأبطح. قال: فسلمت عليه.

    ج ٢ ص ١٩١فقال: "أحججت يا عبد الله بن قيس" ؟ قلت: نعم. قال: "كيف قلت" ، قال: قلت: لبيك إهلالا كإهلالك. فقال: "أسقت هديا" ؟ قلت: لم أسق هديا. قال: "فطف بالبيت واسع ثم حل" . ففعلت. وذكر الحديث.

  24. أما معاذ فالأشبه أنه لم يرجع من اليمن حتى توفي رسول الله ﷺ .

    وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من الله ورسوله. يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. عهدا من رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله. فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وأمره أن يأخذ الحق كما أمره، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه، ولا يمس القرآن أحد، إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، وقال: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِين﴾ [هود: ١٨] ، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس من النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمر الله به، والحج الأكبر والحج الأصغر، فالحج الأصغر العمرة. وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير، إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي إلى السماء بفرجه. ولا يعقد شعر رأسه إذا عفي في قفاه. وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعوا إلى القبال والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله عز وجل ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر بإسباغ الوضوء؛ وجوهم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم، إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمر الله، وأمروا بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، وأن يغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها. وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله عز وجل وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار فيما سقى الغيل وفيما سقت السماء العشر، وفيما سقت الغرب فنصف العشر. ثم ذكر زكاة الإبل والبقر" ، مختصرا.

    ج ٢ ص ١٩٢قال: وعلى كل حالم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، من اليهود والنصاري، دينار واف أو عرضه من الثياب. فمن أدى ذلك كان له ذمة الله ذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين.

  25. وقد روى سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، نحو هذا الحديث موصولا؛ بزيادات كثيرة في الزكاة، ونقص عما ذكرنا في السنن.

    وقال أبو اليمان: حدثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن راشد بن حميد السكوني: أن معاذا لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فخرج النبي ﷺ يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: "يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري" . فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله ﷺ ، فقال: "لا تبك يا معاذ، البكاء من الشيطان" .

    وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: لما قدم وقد نجران على رسول الله ﷺ ، دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم. فقال النبي ﷺ : "دعوهم" . فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.

    وقال ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان، عن ابن البيلماني، عن كرز بن علقمة، قال: قدم على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران؛ ستون راكبا، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم، منهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم، صاحب مشورتهم، والذين لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره؛ واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم؛ واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة، أحد بكر بن وائل؛ أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم.

  26. وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم. وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس. فلما توجهوا إلى رسول الله ﷺ من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى رسول الله ﷺ ، وإلى جنبه أخ له، يقال له: كرز بن علقمة؛ يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز: تعس الأبعد؛ يريد رسول الله ﷺ . فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال له: لم يا أخي؟ فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره. قال له كرز: فما يمنعك وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء

    ج ٢ ص ١٩٣القوم؛ شرفونا ومولونا، وقد أبوا إلا خلافة، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.

    قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وقال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا. فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥] .

    فقال أبو رافع القرظي: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من نجران يقال له الربيس: وذلك تريد يا محمد وإليه تدعو؟ فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله" . فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ، إلى قوله: ﴿مِنَ الشَّاهِدِين﴾ [آل عمران: ٨١] .

  27. وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن ابن مسعود؛ ورواه شعبة، وسفيان، عن أبي إسحاق فقالا حذيفة بدل ابن مسعود: إن السيد والعاقب أتيا رسول الله ﷺ ، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: "لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين" . فاستشرف لها أصحابه: فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح" . فلما قام قال: "هذا أمين هذه الأمة" . أخرجه البخاري من حديث حذيفة.

  28. وقال إدريس الأودي، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما تقرأون ﴿يَا أُخْتَ هَارُون﴾ [مريم: ٢٨] ، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم؟ قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم" . أخرجه مسلم.

    وقال ابن إسحاق: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، قبل أن يقاتلهم، ثلاثا. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون

    ج ٢ ص ١٩٤إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، فأقام خالد يعلمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك. ثم قدم وفدهم مع خالد إلى رسول الله ﷺ ، ومن أعيانهم: قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل. قال: فأمر عليهم النبي ﷺ قيسا.

  29. وقد كان النبي ﷺ بعث إليهم، بعد أن ولى وفدهم، عمرو بن حزم ليفقههم ويعلمهم السنة، ويأخذ منهم صدقاتهم.

  30. وفي عاشر ربيع الأول: توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وهو ابن سنة ونصف، وغسه الفضل بن العباس، ونزل قبره الفضل وأسامة بن زيد فيما قيل، وكان أبيض مسمنا، كثير الشبه بوالده ﷺ .

    وقال ثابت، عن أنس، قال رسول الله ﷺ : "ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم" ، ففيه دليل على تسمية الولد ليلة مولده. ثم دفعه إلى أم سيف؛ يعني امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف. قال أنس: فانطلق رسول الله ﷺ بابنه وانطلقت معه، فدخل فدعا بالصبي فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول.

    قال أنس: فلقد رأيت إبراهيم بين يدي رسول الله ﷺ وهو يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله ﷺ وقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون" . أخرجه مسلم والبخاري تعليقا مجزوما به.

    وقال شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء، قال: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله قال رسول الله ﷺ : "إن له مرضعا تتم رضاعه في الجنة" . أخرجه البخاري.

  31. وقال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، أن النبي ﷺ صلى على ابنه إبراهيم حين مات.

  32. وفيها: مات أبو عامر الراهب، الذي كان عند هرقل عظيم الروم.

  33. وفيها: ماتت بوران بنت كسرى ملكة الفرس، وملكوا بعدها أختها آزرمن. قاله أبو عبيدة.

  34. وفي أواخر ذي القعدة: ولد محمد بن أبي بكر الصديق، ولدته أسماء بن عميس، بذي الحليفة، وهي مع النبي ﷺ .

    قال جابر بن عبد الله: خرجنا مع النبي ﷺ حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إليه: كيف أصنع؟ فقال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي" .

  35. وفيها: ولد محمد بن عمرو بن حزم، بنجران، وأبوه بها.

  36. [حجة الوداع]

    ج ٢ ص ١٩٥
  37. قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر، قال: أذن رسول الله ﷺ في الناس بالحج، فاجتمع في المدينة بشر كثير. فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، أو لأربع، فلما كان بذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر الصديق، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال: "اغتسلي واستثفري بثوب" . وصلى رسول الله ﷺ في المسجد، وركب القصواء حتى استوت به على البيداء، فنظرت إلى مد بصري، بين يدي رسول الله ﷺ ، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك. فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم شيئا منه. ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. ولسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ، فجعل المقام بينه وبين البيت.

    قال جعفر: فكان أبي يقول: - لا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله ﷺ : كان يقرأ في الركعتين ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الأخلاص] ، و: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون] ، ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، حتى إذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾ [البقرة: ١٥٨] ، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى إذا رأى البيت فكبر وهلل وقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك، فقال مثل ذلك ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فعلا عليها وفعل كما فعل على الصفا. فلما كان آخر الطواف على المروة، قال: "إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة" . فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه الهدي.

  38. فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: فشبك أصابعه وقال: "دخلت العمرة في الحج هكذا؛ مرتين، لا؛ بل لأبد الأبد" .

    ج ٢ ص ١٩٦
  39. وقدم علي، رضي الله عنه ، من اليمن ببدن إلى النبي ﷺ ، فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر عليها. فقالت: أبي أمرني بهذا. فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا بالذي صنعته، مستفتيا رسول الله ﷺ ، فقال: "صدقت، صدقت. فماذا قلت حين فرضت الحج" ؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال: "فإن معي الهدي فلا تحلل" . قال: فكان الهدي الذي جاء معه، والهدي الذي أتى به النبي ﷺ من المدينة مائة. ثم حل الناس وقصروا، إلا رسول الله ﷺ ، ومن معه هدي.

  40. فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى، أهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجازه رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس فقال: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث؛ كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله تعالى، وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون" ؟ قالوا: نشهد أن قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: "اللهم اشهد" ؛ ثلاث مرات. ثم أذن بلال، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، لم يصل بينهما شيئا. ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه فدفع وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده: "أيها الناس، السكينة السكينة" ، كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد. حتى أتى المزدلفة، فصلى بها

    ج ٢ ص ١٩٧المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئا. ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح وبأذان وإقامه. ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه فحمد الله وكبره وهلله. فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حسن الشعر وسيما. فلما دفع رسول الله ﷺ مر الظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فصرف الفضل وجهه من الشق الآخر، فحول رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، حتى إذا أتى محسرا حرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرجك على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند المسجد، فرمى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، وأعطى عليا رضي الله عنه فنحر ما غبر وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، وطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.