سنة إحدى عشرة

٦٠٤ فقرة، ج ٢ ص ٢٠١

الصفحة ١٢ من ١٦

  1. وصور الأنبياء عند أهل الكتاب بالشام:
  2. قال عبد الله بن شبيب الربعي وهو ضعيف بمرة: حدثنا محمد بن عمر بن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، قال: حدثتني أم عثمان عمتي، عن أبيها سعيد، عن أبيه، أنه سمع أباه جبير بن مطعم يقول: لما بعث الله نبيه ﷺ ، وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم قالوا: فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم. فأدخلوني ديرا لهم فيه صور فقالوا: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته، فأدخلوني ديرا أكبر من ذاك فنظرت، وإذا بصفة رسول الله ﷺ وصورته وبصفة أبي بكر وصورته، وهو آخذ بعقب رسول الله ﷺ ، قالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم قالوا: أهو هذا؟ قلت: اللهم نعم، أشهد أنه هو. قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟ قلت: نعم قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده.

  3. رواه البخاري في "تاريخه" عن محمد، غير منسوب عن محمد بن عمر بن سعيد، أخصر من هذا.

    وقال إبراهيم بن الهيثم البلدي: حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الأموي، قال: بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل ندعوه إلى الإسلام، فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، وإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلمه، فقلنا: والله لا نكلم رسولا، إنما بعثنا إلى الملك، فأذن لنا وقال: تكلموا فكلمته ودعوته إلى الإسلام وإذا عليه ثياب سواد قلنا: ما هذه؟ قال: لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام قلنا: ومجلسك هذا، فوالله لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا قال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار فكيف صومكم؟ فأخبرناه، فملأ وجهه سوادا وقال: قوموا، وبعث معنا رسولا إلى الملك، فخرجنا حتى إذا كنا قريبا من المدينة، قال الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم

    ج ٢ ص ٣١١حلمناكم على براذين وبغال؟ قلنا: والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون، فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا، حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها، وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، والله يعلم لقد تنقضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح، فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا أن أدخلوا، فدخلنا عليه، وهو على فراش له، عنده بطارقته من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمد، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنوا منه، فضحك وقال: ما كان عليكم لو حييتموني بتحيتكم. فإذا عنده رجل فصيح بالعربية، كثير الكلام، فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيا بها لا يحل لنا أن نحييك بها قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليكم قال: فبم تحيون ملككم؟ قلنا: بها قال: وكيف يرد عليكم؟ قلنا: بها قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلما تكلمنا با قال: والله يعلم لقد تنقضت الغرفة، حتى رفع رأسه إلينا فقال: هذه الكلمة التي قلتموها حيث تنقضت الغرفة كلما قلتموها في بيوتكم تنقض بيوتكم عليكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذه قط إلا عندك قال: لوددت أنكم كلما قلتم تنقض كل شيء عليكم، وأني خرجت من نصف ملكي قلنا: لم؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر ألا يكون من أمر النبوة، وأن يكون من حيل الناس ثم سألنا عما أراد، فأخبرناه، ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا، فقما، فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير، فأقمنا ثلاثا، فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة، مذهبة فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح بيتا وقفلا، واستخرج حريرة سوداء فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا ضفيرتان أحسن ما خلق الله، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال هذا آدم عليه السلام ثم فتح لنا بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط، أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا نوح عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين طويل الخد أبيض اللحية كأنه يتبسم، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا إبراهيم عليه السلام ، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة بيضاء وإذا والله رسول الله ﷺ ، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم محمد رسول الله ﷺ ، وبكينا قال: والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال: والله إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو، كأنما تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني

    ج ٢ ص ٣١٢عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سحماء وإذا رجل جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، مقلص الشفة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا موسى عليه السلام وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس، عريض الجبين، في عينه قبل، فقال: هل عرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا هارون بن عمران، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا لوط عليه السلام ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال هذا إسحاق عليه السلام ، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته السفلى خال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا يعقوب عليه السلام ، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجه الخشوع يضرب إلى الحمرة فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا إسماعيل جد نبيكم، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة كأنها صورة آدم، كأنه وجهه الشمس، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا يوسف عليه السلام ، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة رجل أحمر، حمش الساقين، أخفش العينين، ضخم البطن، ربعة متقلد سيفا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا داود عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرس، فقال: هذا سليمان عليه السلام ، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج صورة، وإذا شاب أبيض، شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه فقال: هذا عيسى عليه السلام فقلنا: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت؛ لأنا رأينا نبينا ﷺ وصورته مثله، فقال: إن آدم سأل ربه تعالى أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم وكانت في خزانة آدم عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمسن فدفعها إلى دانيال عليه السلام ، يعني فصورها دانيال في خرق من حرير، فهذه بأعيانها التي صورها دانيال، ثم قال: أما والله لوددت أن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وأني كنت عبدا لشركم ملكة حتى أموت، ثم أجازنا بأحسن جائزة وسرحنا.

  4. فلما قدمنا على أبي بكر رضي الله عنه ، حدثناه بما رأيناه، وما قال لنا، فبكى أبو بكر

    ج ٢ ص ٣١٣وقال: مسكين، لو أراد الله بن خيرا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم.

  5. روى هذه القصة أبو عبد الله بن مندة، عن إسماعيل بن يعقوب. ورواها أبو عبد الله الحاكم، عن عبد الله بن إسحاق الخراساني، كلاهما عن البلدي، عن عبد العزيز، ففي رواية الحاكم كما ذكرت من السند وعند ابن مندة، قال: حدثنا عبيد الله عن شرحبيل، وهو سند غريب.

  6. وهذه القصة قد رواها الزبير بن بكار، عن عمه مصعب بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن أبيه مصعب، عن عبادة بن الصامت: بعثني أبو بكر الصديق في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ إلى هرقل ملك الروم لندعوه إلى الإسلام، فخرجنا نسير على رواحلنا حتى قدمنا دمشق، فذكره بمعناه.

  7. وقد رواه بطوله: علي بن حرب الطائي فقال: حدثنا دلهم بن يزيد، قال: حدثنا القاسم ان سويد، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر الأنصاري، عن أيوب بن موسى قال: كان عبادة بن الصامت يحدث، فذكر نحوه.

  8. أنبأنا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر وجماعة، عن عبد الوهاب بن علي الصوفي، قال: أخبرتنا فاطمة بنت أبي حكيم الخبري، قال: أخبرنا علي بن الحسن بن الفضل الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن خالد الكاتب من لفظه سنة ثلاث عشرة وأربع مائة، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن العباس بن المغيرة الجوهري، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه، عن جده، عن عبادة بن الصامت قال: بعثني أبو بكر في نفر من الصحابة إلى ملك الروم لأدعوه إلى الإسلام، فخرجنا نسير على رواحلنا حتى قدمنا دمشق، فإذا على الشام لهرقل جبلة، فاستأذنا عليه، فأذن لنا، فلما نظر إلينا كره مكاننا وأمر بنا فأجلسنا ناحية، وإذا هو جالس على فرش له مع السقف، وأرسل إلينا رسولا يكلمنا ويبلغه عنها، فقلنا: والله لا نكلمه برسول أبدا. فانطلق الرسول فأعلمه ذلك، فنزل عن تلك الفرش إلى فرش دونها، فأذن لنا فدنونا منه، فدعوناه إلى الله وإلى الإسلام، فلم يجب إلى خير، وإذا عليه ثياب سود، فقلنا: ما هذه المسوح؟ قال: لبستها نذرا لا أنزعها حتى أخرجكم من بلادي. قال: قلنا له: تيدك لا تعجل، أتمنع منا مجلسك هذا! فوالله لنأخذنه وملك الملك الأعظم، خبرنا بذلك نبينا ﷺ قال: أنتم إذا السمراء قلنا: وما السمراء؟ قال: لستم بهم.

  9. قلنا: ومن هم؟ قال: قوم يقومون الليل ويصومون النهار. قلنا: فنحن والله نصوم النهار ونقوم الليل، قال: فكيف صلاتكم؟ فوصفناها له، قال: فكيف صومكم؟ فأخبرناه به.

    ج ٢ ص ٣١٤
  10. وسألنا عن أشياء فأخبرناه، فيعلم الله لعلا وجهه سواد حتى كأنه مسح أسود، فانتهرنا وقال لنا: قوموا فخرجنا وبعث معنا أدلاء إلى ملك الروم، فسرنا فلما دنونا من القسطنطينية قالت الرسل الذين معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فأقيموا حتى نأتيكم ببغال وبراذين. قلنا: والله لا ندخل إلا على دوابنا، فأرسلوا إليه يعلمونه، فأرسل: أن خلوا عنهم فتقلدنا سيوفنا وركبنا رواحلنا، فاستشرف أهل القسطنطينية لنا، وتعجبوا، فلما دنونا إذا الملك في غرفة له، ومعه بطارقة الروم، فلما انتهينا إلى أصل الغرفة أنخنا ونزلنا وقلنا: "لا إله إلا الله" فيعلم الله لنقضت الغرفة حتى كأنها عذق نخلة تصفقها الرياح، فإذا رسول يسعى إلينا يقول: ليس لكم أن تجهروا بدينكم على بابي. فصعدنا فإذا رجل شاب قد وخطه الشيب، وإذا هو فصيح بالعربية، وعليه ثياب حمر، وكل شيء في البيت أحمر، فدخلنا ولم نسلم، فتبسم وقال: ما منعكم أن تحيوني بتحيتكم؟ قلنا: إنها لا تحل لكم قال: فكيف هي؟ قلنا: السلام عليكم، قال: فما تحيون به ملككم؟ قلنا: بها.

    قال: فما كنتم تحيون به نبيكم؟ قلنا: با قال: فماذا كان يحييكم به؟ قلنا: كذالك قال: فهل كان نبيكم يرث منكم شيئا؟ قلنا: لا، يموت الرجل فيدع وارثا أو قريبا فيرثه القريب، وأما نبينا فلم يكن يرث منها شيئا قال: فكذلك ملككم؟ قلنا: نعم قال: فما أعظم كلامكم عندكم؟ قلنا: لا إله إلا الله فانتفض وفتح عينيه، فنظر إلينا وقال: هذه الكلمة التي قلتموها فنقضت لها الغرفة؟ قلنا: نعم قال: وكذلك إذا قلتموها في بلادكم نقضت لها سقوفكم؟ قلنا: لا وما رأيناها صنعت هذا قط، وما هو إلا شيء وعظت به. قال: فالتفت إلى جلسائه فقال: ما أحسن الصدق، ثم أقبل علينا فقال: والله لوددت أني خرجت من نصف ملكي وأنكم لا تقولونها على شيء إلا نقض لها قلنا: ولم ذاك؟ قال: ذلك أيسر لشأنها وأحرى أن لا تكون من النبوة، وأن تكون من حيلة الناس ثم قال لنا: فما كلامكم الذي تقولونه حين تفتتحون المدائن؟ قلنا: "لا إله إلا الله والله أكبر" . قال: تقولون: "لا إله إلا الله" ليس معه شريك؟ قلنا: نعم قال: وتقولون: "الله أكبر" أي: ليس شيء أعظم منه ليس في العرض والطول؟ قلنا: نعم وسألنا عن أشياء فأخبرناه، فأمر لنا بنزل كثير ومنزل، فقمنا، ثم أرسل إلينا بعد ثلاث في جوف الليل فأتيناه، وهو جالس وحده ليس معه أحد، فأمرنا فجلسنا، فاستعادنا كلامنا، فأعدناه عليه، فدعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة، ففتحها فإذا فيها بيوت مقفلة، ففتح بيتا منها، ثم استخرج خرقة حرير سوداء.

  11. فذكر الحديث نحو ما تقدم وفيه: فاستخرج صورة بيضاء، وإذا رسول الله ﷺ كأنما ننظر إليه حيا، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: هذه صوة نبينا عليه السلام فقال: آلله بدينكم إنه لهو هو؟ قلنا: نعم، آلله بديننا إنه لهو هو، فوثب قائما، فلبث مليا قائما، ثم جلس مطرقا طويلا، ثم أقبل علينا فقال: أما إنه في آخر البيوت، ولكني عجلته لأخبركم وأنظر ما عندكم، ثم فتح بيتا، فاستخرج خرقة من حرير سوداء فنشرها، فإذا فيها صورة سوداء شديدة السواد، وإذا رجل جعد قطط، كث اللحية، غائر العينين، مقلص الشفتين، مختلف الأسنان، حديد النظر كالغضبان، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذه صورة موسى عليه السلام .

    ج ٢ ص ٣١٥
  12. وذكر الصور إلى أن قال: قلنا: أخبرنا عن هذه الصور، قال: إن آدم سأل ربه أن يريه أنبياء ولده، فأنزل الله صورهم، فاستخرجها ذو القرنين من خزانة آدم من مغرب الشمس، فصورها دانيال في خرق الحرير، فلم يزل يتوارثها ملك بعد ملك، حتى وصلت إلي، فهذه هي بعينها. فدعوناه إلى الإسلام فقال: أما والله لوددت أن نفسي سخنت بالخروج من ملكي واتباعكم، وأني مملوك لأسوإ رجل منكم خلقا وأشده ملكة، ولكن نفسي لا تسخو بذلك.

  13. فوصلنا وأجازنا، وانصرفنا.

  14. باب: في خصائصه ﷺ وتحديثه أمته بها امتثالا لأمر الله تعالى، بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث﴾

    ج ٢ ص ٣١٦
  15. قرأت على أبي الحسن علي بن أحمد الهاشمي بالإسكندرية، أخبركم محمد بن أحمد بن عمر ببغداد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الهاشمي سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، قال: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبقسي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، قال: حدثنا محمد بن أبي الأزهر قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرنا عبد الله بن دينار، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل من مر من الناس ينظرون إليه ويتعجبون منه ويقولون: هلا وضع هذه اللبنة؟ قال: أنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" . ﷺ .

  16. البخاري (١) البخاري عن قتيبة، عن إسماعيل.

  17. قال الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "نصرت بالرعب وأعطيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت بين يدي" . أخرجه مسلم والبخاري (٢) .

  18. وقال العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "فضلت على الأنبياء بستك أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" . أخرجه مسلم (٣) .

  19. وقال مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن مرة الهمداني، عن عبد الله قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى أعطي ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن كان من أمته لا يشرك بالله المقحمات. تقحم: أي: تلقى في النار (١) . والحديث صحيح.

    وقال أبو عوانة: حدثنا أبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلت على الناس بثلاث: جعلت الأرض كلها لنا مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات، من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش" (٢) . صحيح.

    وقال بشر بن بكر، عن الأوزاعي: قال: حدثني أبوعمار، عن عبد الله بن فروخ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد بني آدم يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع" (٣) .

    ج ٢ ص ٣١٧
  20. اسم أبي عمار: شداد. أخرجه مسلم.

  21. وقال أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: أتي رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها، فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداني وينفذهم البصر" . -فذكر حديث الشفاعة بطوله. متفق عليه (٤) .

  22. وقال ليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس: سمعت

    ج ٢ ص ٣١٨النبي ﷺ يقول: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، ولا فخر، وأعطيت لواء الحمد، ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر" . -وساق الحديث بطوله في الشفاعة (١) .

  23. وفي الباب حديث ابن عباس.

  24. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي القرآن آيات متعددة في شرف المصطفى عليه السلام .

  25. وعن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: ما خلق الله خلقا أحب إليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلا بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] .

  26. وفي "الصحيح" من حديث قتادة، عن أنس قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم أريت أني أسير في الجنة، فإذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، قال: فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر" .

    وقال الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "حوضي كما بين صنعاء وأيلة، وفيه من الأباريق عدد نجوم السماء" (٢) .

    وقال يزيد بن أبي حبيب: حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر، يقول: آخر ما خطبنا رسول الله ﷺ أنه صلى على شهداء أحد، ثم رقي المنبر وقال: "إني لكم فرط وأنا شهيد عليكم، وأنا أنظر إلى حوضي الآن، وأنا في مقامي هذا، وإني والله ما أخاف أن تشركوا

    ج ٢ ص ٣١٩بعدي، ولكني أريت أني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، فأخاف عليكم أن تنافسوا فيها " (١) .

  27. وروى "مسلم " من حديث جابر بن سمرة، قال: قال النبي ﷺ : " إني فرطكم على الحوض، وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة، كأن الأباريق فيه النجوم " (٢) .

  28. وقال معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يدخل من أمتي يوم القيامة سبعين ألفا بغير حساب ". فقال رجل: يا رسول الله فما سعة حوضك؟ قال: ما بين عدن وعمان وأوسع، وفيه مثعبان من ذهب وفضة، شرابه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، من شرب منه لا يظمأ بعدها أبدا، ولن يسود وجهه أبدا" . هذا حديث حسن.

  29. وروى ابن ماجه من حديث عطية -وهو ضعيف- عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: "لي حوض طوله ما بين الكعبة إلى بيت المقدس أشد بياضا من اللبن، آنيته عدد النجوم، وإني أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة" .

  30. وقال عطاء بن السائب عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة حافتاه الذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وأشد بياضا من الثلج" .

  31. وثبت أن ابن عباس قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه رواه سعيد بن جبير، وقال: النهر: الذي في الجنة من الخير الكثير.

  32. وصح من حديث عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة أعطيه رسول الله ﷺ ، شاطئه در مجوف.

  33. وروي عن عائشة قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليضع إصبعيه في أذنيه.

  34. وصح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأول من يشفع" .

  35. وصح عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وكان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" .

    ج ٢ ص ٣٢٠
  36. وقال سليمان التيمي، عن سيار، عن أبي أمامة، أن النبي ﷺ قال: "إن الله فضلني على الأنبياء، أو قال: أمتي على الأمم - بأربع: أرسلني إلى الناس كافة، وجعل الأرض كلها لي لأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدرك الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره، ونصرت بالرعب، يسير بين يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي، وأحلت لنا الغنائم" . إسناده حسن، وسيار صدوق. أخرجه أحمد في "مسنده" .

    وقال سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلت على الناس بأربع: بالشجاعة، والسماحة، وكثرة الجماع، وشدة البطش" .

  37. [باب: مرض النبي ﷺ ]

    قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن عمر بن ربيعة، عن عبيد مولى الحكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: أنبهني رسول الله ﷺ من الليل فقال: "يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع" .

    ج ٢ ص ٣٢١
  38. فخرجت معه حتى أتينا البقيع، فرفع يديه فاستغفر لهم طويلا ثم قال: "ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولا، للآخرة شر من الأولى، يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة" . فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فقال: "والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة" . ثم انصرف، فلا أصبح ابتدئ بوجعه الذي قبضه الله فيه ".

  39. رواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وعبيد بن جبير مولى الحكم بن أبي العاص.

    وقال معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل، فاخترت التعجيل ".

    وقال الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: اجتمع نساء رسول الله ﷺ عند رسول الله ﷺ ، لم تغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله ﷺ ، فقال: "مرحبا بابنتي "، فأجلسها عن يمينه أو شماله، فسارها بشيء، فبكت، ثم سارها فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ بالسرار وتبكين! فلما أن قام قلت لها: أخبريني بما سارك؟ قالت: ما كنت لأفشي سره. فلما توفي قلت لها: أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني قالت: أما الآن فنعم، سارني فقال: " إن جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري فنعم السلف أنا لك ". فبكيت، ثم سارني فقال: " أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين -أو سيدة نساء هذه الأمة-". يعني فضحكت. متفق عليه.

  40. وروى نحو عروة، عن عائشة، وفيه أنها ضحكت؛ لأنه أخبرها أنها أول أهله يتبعه. رواه مسلم.