مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٤٨ من ٧٩

  1. وقد رَوَينا عن ابن عبّاسٍ خِلافَ ما رَوَى المُخالِفُونَ عنهُ.

    ج ٩ ص ٣٧١
  2. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاق القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن ثَوْرِ بن زيدٍ الدِّيليِّ، عن عِكْرِمةَ، أنَّ ابنَ عبّاسٍ كان يقولُ: إذا حاضَتِ الثّالثةَ، فقد بانَتْ من زوجِها (٢) .

  3. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ (٣) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: أخبرني عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، أنَّ ثورَ بن زيدٍ الكِنانيَّ، حدَّثهُ عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: إذا حاضَتِ المُطلَّقةُ الحَيْضةَ الثّالثةَ، فقد بانَتْ من زَوْجِها، إلّا أنَّها لا تَتَزوَّجُ حتّى تَطْهُر (٤) .

  4. وهذه الزِّيادةُ، قولَهُ: إلّا أنَّها لا تَتَزوَّجُ حتّى تطهُر، ضعيفةٌ في النَّظرِ، فإن صحَّت، احتمَلَ أن يكون اسْتِحبابًا من ابن عبّاسٍ، أن لا يَعقِدَ على الحائضِ أحَدٌ،

    ج ٩ ص ٣٧٢خوفًا أن تَدْعوهُ الشَّهوةُ إلى الوَطْءِ في حَيْضِها، وهي عِندي زيادةٌ مُنكرةٌ، وحسبُهُ أنَّهُ قد أخرَجَها من العِدَّةِ بقولِهِ: فقد بانَتْ من زوجِها. وإذا خَرَجت من العِدَّةِ، فالنِّكاحُ لها مُباحٌ في الأُصُولِ كلِّها.

  5. وأمّا حُجَّةُ من احتجَّ بأنَّ الله (١) قال: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] فوجَبَ أن تكون ثلاثةً كامِلةً. وقال في قولِهِ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: ١٩٧] فجائزٌ أن تكونَ شَهْرينِ، وبعضَ الثّالثِ. وفرَّقَ بين ذلك بذِكرِ العَدَدِ.

  6. فلا وجهَ لِما قال؛ لأنَّ المُبتَغَى من الأقراءِ، ما تَبْرأُ به الرَّحِمُ، وهُو خُرُوجُ المرأةِ من الطُّهرِ إلى الدَّم، فذلكَ الوَقتُ هُو المُبتَغَى والمُراعَى، وقد حصَلَ منهُ ثلاثةُ أوقاتٍ كامِلةٍ بدُخُولِها في الدَّم من الحَيْضةِ الثّالثةِ.

  7. ودليلٌ آخَرُ، وهُو أنَّ الطُّهرَ مُذكَّرٌ، فهُو أشْبَهُ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} لإدخالِهِ الهاءَ في {ثَلَاثَةَ} وهي لا تدخُلُ إلّا في العَددِ المُذكَّرِ، والحَيْضةُ مُؤَنَّثةٌ، فلو أرادها، لقال: ثلاثَ قُرُوءٍ.

  8. وقدِ احتجَّ أصحابُنا بهذا، وهذا عِندي ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ التَّذكير في العَدَدِ إنَّما جاءَ على لفظِ القُرءِ، وهي مُذَكّرةٌ.

  9. وأمّا احتِجاجُهُم بقولِهِ -صلى الله عليه وسلم- للمُستحاضةِ: "اقعُدي أيامَ أقْرائكِ، وانظُري إذا أتاكِ قُرؤُكِ، فلا تُصلِّي" (٢) ونحوِ هذا، فليس فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ الحيضَ قد يُسمَّى قُرءًا، ولسنا نُنازِعُهُم في ذلك، ولكِنّا نُنازِعُهُم أن يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ أرادهُ بقولِهِ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] .

  10. على أنَّ هذا الحديثَ قد ضعَّفهُ أهلُ العِلم؛ لأنَّهُ يُروى عن عائشةَ، وعائشةُ لم يُختَلَفْ عنها في أنَّ الأقراءَ: الأطهارُ، فيَبعُدُ عن عائشةَ أن ترويَ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال للمُسْتحاضةِ: "دعي الصَّلاةَ أيام أقرائكِ" ، وتقول: الأقراءُ الأطهارُ. فإن صحَّ عن عائشةَ، فهُو حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ عائشةَ تكونُ حِينَئذٍ أخْبَرت بأنَّ القُرءَ الذي يَمْنعُ من الصَّلاةِ، ليسَ هُو القُرءَ الذي تَعتدُّ به من الطَّلاقِ، وكَفَى بتفرِقةِ عائشةَ بين هذين حُجَّةً.

    ج ٩ ص ٣٧٣
  11. وأمّا حديثُ فاطِمةَ ابنةِ أبي حُبيشٍ، فلم يذكُر فيه هشامُ بن عُروةَ من رِوايةِ مالكٍ، وغيرِهِ: القُرءَ، إنَّما قال فيه: "إذا أقْبَلتِ الحَيْضةُ، فدَعِي الصَّلاةَ" (١) ، لم يقُل: إذا أتاكِ قُرؤُكِ.

  12. وهشامٌ أحفظُ من الذي خالَفهُ في ذلك، ولو صحَّ، كان الوجهُ فيه ما ذكَرْنا عن عائشةَ، والله أعلمُ.

  13. وقد أجمعُوا على أنَّ الطَّلاقَ للعِدَّةِ: أن يُطلِّقَها طاهِرًا من غيرِ جِماع، لا حائضًا.

  14. وأجمعُوا على أنَّ كلَّ مُعتدَّةٍ من طلاقٍ، أو وفاةٍ، تُحْسَبُ عِدَّتُها من ساعةِ طلاقِها، أو وفاةِ زَوْجِها.

  15. وذلكَ دليلٌ على أنَّ الأقراءَ: الأطهارُ لا المَحِيض؛ لأنَّ القائلينَ بأنَّها المَحِيض، يقولُونَ: إنَّها لا تعتدُّ إلّا بالحَيْضةِ المُقبِلةِ بعدَ الطُّهرِ الذي طُلِّقت فيه، فجَعلُوا عليها ثلاثةَ قُرُوءٍ وشيئًا آخرَ، وذلكَ خِلافُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ويلزَمُهُم أن يقولُوا: إنَّها قبلَ الحيضةِ في غيرِ عِدَّةٍ.

  16. وحسبُك بهذا خِلافًا، لظاهرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] ، ولِقولِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "فتلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ" .

  17. وأمّا حُجَّتُهُم بأنَّ أُمَّ الولدِ عِدَّتُها حَيْضةٌ بإجماع، وأنَّها لا يحِلُّ لها النِّكاحُ حتّى تَطْهُرَ من حَيْضتِها، وذلكَ دليلٌ على أنَّ القُرءَ الحَيْضةُ، فليسَ هُو كما ظنُّوا، وجائزٌ لها عندَنا أن تَنكِحَ إذا دَخَلت في الحَيْضةِ واسْتَيقنت أنَّ دَمَها دَمُ حيض.

    ج ٩ ص ٣٧٤
  18. وقد قال هذا إسماعيلُ بن إسحاق ليَحْيى بن أكثَمَ، حينَ أدخَلَ عليه في مُناظرتِهِ إيّاهُ ما أدخَلَهُ محمدُ بن الحسنِ على مُناظرهِ (١) عن أهلِ المدينةِ في كِتابِهِ، فقال لهُ: أتحِلُّ أُمُّ الولَدِ للأزواج، إذا دخلت في الدَّم من الحَيْضةِ؟ فقال لهُ إسماعيلُ: نعَمْ تحِلُّ للأزواج؛ لأنَّ ظُهُورَ الدَّم براءةٌ لرحِمِها في الأغْلَبِ المعمُولِ به.

    قال أبو عُمر: الأصلُ في هذا البابِ، والمُعتَمدُ عليه فيه، حديثُ ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، في قولِهِ: "فإذا طَهُرَتْ، فإنْ شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ" لم يخُصَّ أوَّلَ الطُّهرِ من آخِرِهِ. ولو كان بينهُما فرقٌ لبَيَّنهُ؛ لأنَّهُ المُبيِّنُ عن الله مُرادهُ، وقد بلَّغَ، وما كتَمَ -صلى الله عليه وسلم-.

  19. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ: أنَّ ابنَ عُمرَ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فسألَ عُمرُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن ذلكَ، فقال: "مُرهُ فليُراجِعْها حتّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، فإن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ" .

    قال أبو عُمر: لم يُذكَرْ في هذا الحديثِ: قبلَ أن يَمسَّ. وذكَرهُ مالكٌ وغيرُهُ.

  20. وهُو الذي لا بُدَّ منهُ، ذُكِرَ أو سُكِتَ عنهُ، وهذا أمرٌ مُجتمَعٌ عليه، يُغني عن الكلام فيه، وبالله العِصْمةُ والهُدى والتَّوفيقُ.

  21. حديثٌ ثامِنُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سألَ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: مما يلبَسُ المُحرِمُ من الثِّيابِ؟ فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَلْبسُوا القُمُص، ولا العمائمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفافَ، إلّا أحدٌ لا يجِدُ نَعْلينِ، فلْيَلْبَسْ (٢) الخُفَّين (٣) ، وليَقْطَعْهُما أسفَلَ من الكَعْبينِ، ولا تَلْبسُوا شَيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ ولا الوَرْسُ" .

    قال أبو عُمر: كلُّ ما في هذا الحديثِ (٤) فمُجتمَعٌ عليه من أهلِ العِلم: أنَّهُ لا يَلْبسُهُ المُحرِمُ، ما دام مُحرِمًا.

    ج ٩ ص ٣٧٥
  22. ورواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِثلَهُ سواءً؛ رواهُ عن ابن شِهابٍ: معمرٌ (٥) ، وابنُ عُيَينةَ (٦) ، وإبراهيمُ بن سعد (٧) ، وغيرُهُم، وليسَ هذا الحديثُ عندَ مالكٍ، عن ابن شِهابٍ.

  23. وفي معنى ما ذُكِر في هذا الحديثِ من القُمُصِ، والسَّراويلاتِ، والبَرانِسِ، يدخُلُ المخِيطُ كلُّهُ بأسْرِهِ، فلا يجُوزُ لِباسُ شيءٍ منهُ للمُحرِم عندَ جميع أهلِ العِلم.

  24. وأجمعُوا أنَّ المُرادَ بهذا الخِطابِ في اللِّباسِ المذكُورِ الرِّجالُ، دُونَ النِّساءِ، وأنَّهُ لا بأسَ للمرأةِ بلِباسِ القَميصِ، والدِّرع، والسَّراويلِ، والخُمُرِ، والخِفافِ.

    ج ٩ ص ٣٧٦
  25. وأجمعُوا أنَّ الطِّيبَ كلَّهُ لا يجُوزُ للمُحرِم أن يَقْربَهُ مُتطيِّبًا به، زعفرانًا كان أو غيرَهُ.

  26. وإنَّما اختلفُوا فيمَنْ تطيَّبَ قبلَ إحرامِهِ، هل لهُ أن يُبقيَ الطِّيبَ على نفسِهِ وهُو محُرِمٌ أم لا؟ وقد ذكرنا ما للعُلماءِ في ذلك، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، من كِتابِنا هذا والحمدُ لله.

  27. وأجمعُوا أنَّ إحرامَ الرَّجُلِ في رأسِهِ، وأنَّهُ ليسَ لهُ أن يُغطِّيَ رأسَهُ، لنَهْي رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- المُحرِمَ عن لُبْسِ البَرانِسِ والعَمائم. وهذا ما لا خِلافَ فيه، والحمدُ لله.

  28. وأجمعُوا على أنَّ إحرامَ المرأةِ في وَجْهِها، ورُوي عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أنَّهُ نَهَى المرأةَ الحرامَ عن النِّقابِ والقُفّازينِ.

  29. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (١) . وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢) ، قالا: حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قامَ رجُلٌ، فقال: يا رسُولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نلبَسَ من الثِّيابِ في الحَرَم؟ فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَلْبسُوا القميصَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا العَمائمَ (٣) ، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفافَ، إلّا أن يكونَ أحدٌ ليسَ لهُ نعلانِ، فلْيلبَسِ الخُفَّينِ

    ج ٩ ص ٣٧٧ما (١) أسفلَ من الكَعْبينِ، ولا تَلْبسُوا شيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ ولا الوَرْسُ، ولا تَنْتقِبِ المرأةُ الحَرامُ، ولا تَلْبسِ القُفّازينِ".

    قال أبو داود (٢) : رَوَى هذا الحديثَ حاتِمُ بن إسماعيلَ ويحيى بن أيُّوبَ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، على ما قال اللَّيثُ.

  30. ورواهُ أبو قُرَّةَ موسى بن طارِقٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع موقُوفًا على ابنِ عُمرَ.

    قال أبو عُمر: رَفْعُهُ صحيحٌ عن ابن عُمرَ. رواهُ ابنُ إسحاقَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ مرفُوعًا. ورواهُ ابنُ المُباركِ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ مرفُوعًا أيضًا، فهذا يُصحِّحُ ما رواهُ اللَّيثُ، وحاتِمُ بن إسماعيلَ، ويحيى بن أيُّوبَ.

  31. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- نَهَى النِّساءَ في إحْرامِهِنَّ عن القُفّازين والنِّقابِ، وما مسَّهُ الوَرْسُ والزَّعفرانُ من الثِّيابِ، ولْتَلبَسْ بعدَ ذلك ما أحبَّتْ من ألوانِ الثِّيابِ، من مُعصفَرٍ، أو خزٍّ، أو حُليٍّ، أو سَراويلَ، أو قُمُصٍ، أو خُفٍّ.

    قال أبو داود: روى هذا الحديثَ عن ابن إسحاقَ: عبدةُ، ومحمدُ بن سلمةَ إلى قولِهِ: وما مسَّ الوَرْسُ والزَّعفرانُ من الثِّيابِ. ولم يذكُرا ما بعدهُ.

  32. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١) : أخبرنا سُويدُ بن نَصْرٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا قامَ فقال: يا رسُولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نلبَسَ من الثِّيابِ في الإحرام؟ فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَلْبسُوا القُمُص، ولا السَّراويلاتِ، ولا الخِفافَ، إلّا أن يكونَ رجُلٌ ليسَ لهُ نَعْلانِ فلْيلبسِ الخُفَّين أسفَلَ من الكَعْبينِ، ولا يَلْبسْ شيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ والورسُ، ولا تَنْتقِبِ المرأةُ الحَرامُ، ولا تَلْبسِ القُفّازينِ" .

    ج ٩ ص ٣٧٨
  33. وعلى كَراهيةِ النِّقابِ للمَرْأةِ جُمهُورُ عُلماءِ المُسلِمينَ من الصَّحابةِ، والتّابِعينَ، ومن بعدَهُم من فُقهاءِ الأمْصارِ أجمعينَ، لم يختلِفُوا في كَراهيةِ الانْتِقابِ، والتَّبرقُع للمرأةِ المُحْرِمةِ؛ إلّا شيءٌ رُوِيَ عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ: أنَّها كانت تُغطِّي وَجْهَها وهي مُحْرِمَةٌ (٢) .

  34. ورُوي عن عائشةَ: أنَّها قالت: تُغطِّي المُحرِمةُ وَجْهَها إن شاءَتْ (٣) .

  35. وقد رُوي عنها: أنَّها لا تفعلُ، وعليه النّاسُ.

  36. وأمّا القُفّازانِ، فاختلفُوا فيهما أيضًا؛ فرُوي عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ: أنَّهُ كان يُلبِسُ بناتِه وهُنَّ مُحرِماتٌ القُفّازين (٤) . ورخَّصَتْ فيهما عائشةُ أيضًا. وبه قال عطاءٌ (٥) ، والثَّوريُّ، ومحمدُ بن الحسنِ، وهُو أحَدُ قوليِ الشّافِعيِّ.

  37. وقد يُشبِهُ أن يكونَ مذهبَ ابن عُمرَ؛ لأنَّهُ كان يقولُ: إحرامُ المرأةِ في وَجهِها (١) .

    وقال مالكٌ (٢) : إن لَبِسَتِ المرأةُ القُفّازينِ، افتدَتْ.

    ج ٩ ص ٣٧٩
  38. وللشّافِعيِّ قولانِ في ذلك، أحدُهُما: تفتدي، والآخرُ: لا شيءَ عليها.

    قال أبو عُمر: الصَّوابُ عِندي قولُ من نَهَى المرأةَ عن القُفّازينِ، وأوجَبَ عليها الفِدْيةَ، لثُبُوتِهِ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

  39. ولا خِلافَ بين العُلماءِ بعدَما ذكَرْنا في أنَّهُ جائزٌ للمَرْأةِ المُحرِمةِ لِباسُ القُمُصِ، والخِفافِ، والسَّراويلاتِ، وسائرِ الثِّيابِ التي لا طِيبَ فيها، وأنَّها ليست في ذلك كلِّهِ كالرَّجُلِ.

  40. وأجمعُوا أنَّ إحرامَها في وَجْهِها دُونَ رأسِها، وأنَّها تُخمِّرُ رأسَها، وتَسْتُرُ شعرَها وهي مُحرِمَةٌ.