مالك، عن المسور بن رفاعة بن أبي مالك القرظي حديث واحد
٤٨ فقرة، ج ٨ ص ٣١٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ٨ ص ٣١٧
وتُوفِّي المِسْورُ بن رِفاعةَ هذا سنةَ ثَمانٍ وثلاثينَ ومئةٍ.
-
مالكٌ (٢) ، عن المِسورِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبير: أنَّ رِفاعةَ بن سِمْوالٍ طلَّقَ امرأتَهُ تميمةَ بنتَ وَهْب، في عَهدِ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلَاثًا، فنكَحَتْ عبدَ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، فاعتُرِضَ (٣) عنها، فلم يَسْتطِع أن يَمَسَّها ففارَقَها، فأرادَ رِفاعةُ أن يَنْكِحَها، وهُو زوجُها الأوَّلُ الذي كان طلَّقها، فذَكرَ ذلكَ لرسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فنَهاهُ عن تزوُّجِها (٤) ، وقال: "لا تحِلُّ لكَ حتَّى تذُوقَ العُسَيلَةَ" .
قال أبو عُمر: هكذا رَوَى يحيى هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن المِسْوَرِ، عن الزَّبيرِ. وهُو مُرسلٌ في رِوايتِه، وتابَعهُ على ذلك أكثرُ الرُّواةِ (٥) إلّا ابنَ وَهْبٍ فإنَّهُ قال فيه: عن مالكٍ، عن المِسْوَرِ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ. فزادَ في الإسناد: "عن أبيهِ" فوصَلَ الحديث، وابنُ وَهْبٍ من أجَلِّ من رَوَى عن مالكٍ هذا الشَّأنَ، وأثبَتِهم فيه.
-
وعبدُ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ هُو الذي كان تزوَّجَ تميمةَ هذه، واعترَضَ عنها، فالحديثُ مُسندٌ، مُتَّصِلٌ، صحيحٌ.
-
وقد رُوِيَ معناهُ عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وُجُوهٍ شتَّى ثابتةٍ أيضًا كلُّها.
- ج ٨ ص ٣١٨
وقد تابَعَ ابنَ وَهْبٍ على توصيلِ هذا الحديثِ وإسنادِه: إبراهيمُ بن طَهْمانَ، وعُبيدُ الله (١) بن عبدِ المَجيدِ الحنفيُّ، قالوا فيه: عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، عن أبيه (٢) .
-
ذكَرَ حديثَ ابنِ طَهمان النَّسائيُّ في "مُسنَدِ (٣) حديثِ مالكٍ" ، وذكَرهُ ابنُ الجَارُودِ.
-
أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ (٤) عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا تميمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بن مِسكينٍ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح. قالا جميعًا: حَدَّثَنَا سُحنُونٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْب (٥) ، قال: أخبرني مالكٌ، عن المِسْوَرِ بن رِفاعَةَ القُرَظيِّ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، عن أبيه: أنَّ رِفاعَةَ بن سِمْوالٍ طلَّقَ امرأتهُ تميمةَ بنتَ وَهْبٍ على عَهدِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثًا، فنَكَحها (٦) عبد الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، فاعترَضَ عنها، فلم يَسْتطِع أن يَمسَّها، فطلَّقها، ولم يَمسَّها فأرادَ رِفاعةُ أن يَنْكِحَها، وهُو زوجُها الذي كان طلَّقها. قال عبدُ الرَّحمن: فذَكَرَ (٧) ذلكَ لرسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فنهاهُ عن تَزْويجِها، وقال: "لا تحِلُّ لكَ، حتَّى تذُوقَ العُسَيْلةَ" .
- ج ٨ ص ٣١٩
وقد ذكَرَ هذا الحديثَ أيضًا سُحنُونٌ، عن ابن وَهْب وابنِ القاسم وعليِّ بن زيادٍ، كلُّهُم عن مالكٍ، عن المِسورِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن الزَّبيرِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، عن أبيه: أنَّ رِفاعةَ بن سِمْوالٍ طلَّقَ امرأتهُ، وذكر الحديث، وذكر (١) فيه عن هؤُلاءِ الثَّلاثةِ، عن مالكٍ في هذا الإسْناد: عن أبيهِ. والحديثُ صحيحٌ مُسندٌ.
-
والزَّبيرُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، بفتح الزّاي فيهِما جميعًا، كذلك رَوَى يحيى، وابنُ وَهْب، وابنُ القاسم، والقَعْنبيُّ، وغيرُهُم. وقد رُوي عن ابن بُكير: أنَّ الأوَّل مضمُومٌ، ورُوي عنهُ الفتحُ فيهِما كسائرِ الرُّواةِ عن مالكٍ في ذلك، وهُو الصَّحيحُ فيهِما جميعًا الفتح (٢) . وهُم زَبِيريُّونَ، بالفتح، في بني قُرَيظةَ مَعرُوفُونَ، وهُم بنُو الزَّبيرِ بن باطا (٣) القُرَظيِّ، قُتِل يوم قُريظةَ، ولهُ يومئذٍ قِصَّةٌ عجيبةٌ محفُوظةٌ (٤) .
-
أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قراءةً مِنِّي عليهما: أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُما، قال: أخبرنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ رِفاعةَ القُرَظيَّ طلَّقَ امرَأتهُ، فنَكَحها عبدُ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، فاعتُرِضَ عنها، فجاءَت رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذَكَرتْ زَوْجَها، فقالت: والذي أكرمَكَ
ج ٨ ص ٣٢٠بالحقِّ، ما مَعهُ إلّا مِثلُ هذه الهُدْبةِ (١) ، قال: "فلا حتَّى تذُوقِي عُسَيلَتهُ، ويذُوق عُسَيْلتَكِ" (٢) . هكذا قال: عبدُ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ بالفتح.
-
وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ، قال (٣) : حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: حَدَّثَنَا الزُّهريُّ، قال: أخبر في عُرْوةُ، عن عائشةَ، أنَّهُ سمِعها تقولُ: جاءَتِ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظيِّ إلى رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: إنِّي كُنتُ عندَ رِفاعةَ فبَتَّ طلاقي، فتَزوَّجتُ عبدَ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ، وإنَّما مَعهُ مِثلُ هُدبةِ الثَّوبِ، فتَبَسَّمَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "أَتُريدينَ أن تَرْجِعي إلى رِفاعةَ؟ لا، حتَّى تَذُوقي عُسَيلَتهُ، ويذُوقَ عُسَيْلَتكِ" . قال: وأبو بكرٍ عندَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخالدُ بن سَعيدٍ بالبابِ، فنادَى فقال: يا أبا بكر، ألا تَسْمعُ إلى ما تَجْهرُ (٤) به هذه عندَ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٥) (٦) !
ج ٨ ص ٣٢١قال أبو عُمر: حديثُ عُروةَ عن عائشةَ في هذا البابِ، من رِوايةِ هشام بن عُرْوةَ وابنِ شِهاب، عن عُروةَ، وإن كان إسنادًا ثابتًا، فإنَّهُ ناقِصٌ، سقَطَ منهُ ذكرُ طَلاق ابن الزَّبيرِ لتَمِيمةَ بنتِ وَهْب.
-
وقد شُبِّه به على قوم، منهُمُ: ابنُ عُليَّةَ، وداودُ، لما فيه من قوله: فاعتُرِضَ عنها، فجاءَت رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فذكرت زَوْجَها، وقالت: إنَّما معهُ مِثلُ هُدبةِ الثَّوبِ، فظنُّوا أنَّها أتَتْ شاكيةً من زوجها (١) ، فلم يسألْهُ عن ذلك، ولا ضرَبَ لهُ أجَلًا، وخلّاها (٢) معهُ. قالوا: فلا يُضرَبُ للعِنِّينِ أجلٌ، ولا يُفرَّقُ بَيْنهُ وبين امرَأتِهِ، وهُو كعَرَضٍ (٣) من الأمراض، فخالَفُوا جُمهُورَ سلَفِ المُسلمينَ من الصَّحابةِ، والتّابِعينَ في تأجيل العِنِّينِ (٤) لما تَوهَّمُوهُ في حديثِ هذا البابِ، وليسَ فيه مَوْضِعُ شُبهةٍ؛ لأنَّ مالكًا وغيرَهُ قد ذكَرُوا طلاقَ عبدِ الرَّحمنِ بن الزَّبيرِ للمَرْأةِ، فكيفَ يُضرَبُ أجلٌ لمن قد فارَقَ امرأتهُ، وطلَّقَها قبلَ أن يَمسَّها!
-
حَدَّثَنِي قاسمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مَرْزُوقٍ، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بن ثابتٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: أخبرني أبي (٥) ، قال: سمِعتُ سُليمانَ بن يَسارٍ يُحدِّثُ عن عائشةَ: أنَّ رجُلَا طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا، فتزوَّجها رجُلٌ، فطلَّقها قبلَ أن يَدْخُل بها، فأرادَ الأوَّلُ أن يَتَزوَّجها، فقال النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا حتَّى تذوقَ عُسَيلتَهُ" .
- ج ٨ ص ٣٢٢
فقد بان بهذا الحديث: أنَّهُ طلَّقَها قبلَ أن يَدْخُل بها، وهُو حديثٌ لا مطعَنَ فيه (١) لأحَدٍ في ناقِليهِ، وكذلكَ حديثُ مالكٍ في ذلك، فيه: فاعتُرِضَ عنها، فلم يَسْتطِع أن يَمسَّها ففارَقها. وإذا صحَّتْ مُفارَقتُهُ لها، وطلاقُهُ إيّاها، بَطَلتِ النُّكتةُ التي بها نزَعَ من أبطَلَ تأجيلَ العِنِّينِ من هذا الحديثِ.
-
وقد قَضى بتأجيل العِنِّين: عُمرُ بن الخطّابِ، وعُثمانُ بن عفّان، وعبدُ الله بن مسعُودٍ، والمُغيرةُ بن شعبةَ (٢) ، ولا مخُالفَ لهم من الصَّحابةِ، إلّا في شيءٌ يُروَىَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ مُخْتلَفٌ فيه، ذكَرَهُ ابنُ عُيينةَ، عن أبي إسحاقَ، عن هانئ بن هانئ، قال: أَتَتِ امرأةٌ إلى عليِّ بن أبي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فقالت: هل لكَ في امرَأةٍ لا أيِّم، ولا ذاتِ زَوْج؟ فقال: أينَ زَوْجُها؟ فذَكَر الحديثَ، وفيه: فقال لها عليّ: اصْبِري، فلو شاءَ اللهُ أن يَبْتليَكِ بأشدَّ من ذلكَ، لابْتَلاك (٣) .
-
ورواهُ محمدُ بن جابرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عُمارةَ بن عبد (٤) ، عن عليٍّ. وليسَ هذا الإسنادُ مع اضطِرابِهِ مِمّا يُحتجُّ به.
-
وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٥) ، عن الحسنِ بن عُمارةَ، عن الحَكَم، عن يحيى بن الجزّار (٦) ، عن عليٍّ قال: يُؤَجَّلُ العنِّينُ سنةً، فإن أصابَها، وإلّا فهي أحقُّ بنَفْسِها.
- ج ٨ ص ٣٢٣
ورَوَى يزيدُ بن هارُونَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن خالدِ بن كَثيرٍ الهَمْدانيِّ، عن الضَّحّاكِ بن مُزاحِم: أنَّ عليًّا أجَّلَ العِنِّين سَنةً (١) .
-
وهذانِ الإسنادانِ إن لم يكونا مِثلَ إسنادِ هانئ وعُمارةَ، لم يكونا أضعَفَ، والأسانيدُ عن سائرِ الصحابةِ ثابتةٌ من قِبل الأئمَّة، وعليها العملُ وفتوَى فُقهاءِ الأمْصارِ مِثلَ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابه (٢) ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وجَماعةِ فُقهاءِ الحِجازِ، والعِراقِ، إلّا طائفةً من المُتأخِّرينَ.
-
ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٣) ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: قَضى عُمرُ بن الخطّابِ في الذي لا يَسْتطيعُ النِّساءَ: أن يُؤَجَّل سَنةً. قال معمرٌ: يُؤَجَّلُ سَنةً من يوم تُرافِعُه، كذلك (٤) بَلَغَني.
قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ القائلينَ بتأجيلٍ العِنِّينِ من يوم تُرافِعُه، بخِلافِ أَجَل المُؤْلي، وذلك واللّه أعلمُ، لأنَّ المُؤْليَ مُضارٌ قادِر على الفَيءِ ورفع الضَّرر، والعِنِّينُ غيرُ عالم بشكوى زَوْجتِهِ إيّاهُ حتَّى تَشْكُوَهُ، فجُعِلَ لهُ أجَلُ سَنةٍ، لما في السَّنةِ من اختِلافِ الزَّمَنِ، بالحرِّ والبردِ، ليُعالِجَ نَفسَهُ فيها، واللّه أعلمُ.
-
وأصْلُ المسألةِ اتِّباعُ السَّلفِ، وليسَ في حديثِنا في هذا البابِ ما يُوجِبُ للعِنِّينِ حُكمًا، فلذلكَ تَرَكنا اجتلاب (٥) أحكامِهِ.
-
وفيه من الفِقه: إباحَةُ إيقاع الطَّلاقِ البَتَات (٦) طلاقِ الثَّلاثِ ولُزُومُهُ؛ لأنَّ
ج ٨ ص ٣٢٤رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يُنكِرْ على رِفاعةَ إيقاعَهُ لهُ، كما أنكَرَ على ابن عُمر طَلاقهُ في الحَيْض (١) .
-
وظاهِرُ هذا الحديثِ من رِوايةِ مالكٍ ومن تابَعهُ، في قوله: إنَّ رِفاعةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا، أنَّها كانت مُجتمِعاتٍ، فعلى هذا الظّاهِرِ جَرَى قولُنا.
-
وقد يحتمِلُ أن يكونَ طلاقُهُ ذلك آخِرَ ثلاثِ تَطْليقاتٍ، ولكنَّ الظّاهِر لا يخرجُ عنهُ إلّا ببيانٍ.
-
وقد نزَعَ بهذا الحديثِ من أباحَ وُقُوعَ الثَّلاثِ مُجتمِعاتٍ، وجعَلَ وُقُوعَها في الطُّهرِ سُنّةً لازمة (٢) . وهذا موضِعُ اختِلافٍ بين الفُقهاءِ قد أوضَحْناهُ في بابِ عبدِ الله بن يزيدَ، وفي بابِ نافِع أيضًا، والحمدُ للّه.
-
وفي قولهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لامرأةِ رِفاعةَ: "أتُريدينَ (٣) أن تَرْجِعي إلى رِفاعةَ؟ " دليلٌ على أنَّ إرادةَ المرأةِ الرُّجُوعَ إلى زَوْجِها، لا يَضُرُّ العاقِدَ عليها، وأنَّها ليست بذلك في معنى التَّحليل المُستحقِّ صاحِبُهُ اللَّعنةَ.
-
وقدِ (٤) اختلَف الفُقهاءُ في هذا المعنى، على ما نذكُرُهُ بعدُ إن شاءَ الله.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا، لا يُحِلُّها لزَوْجِها المُطلِّقِ لها، إلّا طلاقُ زَوْج قد وطِئَها، وأنَّهُ إن لم يَطأْها، وطلَّقها، فلا تحِلُّ لزَوْجِها الأوَل (٥) .
- ج ٨ ص ٣٢٥
وفي هذا الحديثِ تفسيرٌ لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] . وهُو يخرَّجُ في التَّفسيرِ المُسندِ، وذلك أنَّ لفظَ النِّكاح في جميع القُرآنِ، إنَّما أُريدَ به العَقْدُ، لا الوَطْءُ، إلّا في قولهِ عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ، فإنَّهُ أرادَ بلفظِ النِّكاح هاهُنا، العَقْدُ والوطءُ جميعًا، بدليلِ السُّنَّةِ الوارِدةِ في هذا الحديثِ، وذلك قولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تحِلُّ لهُ حتَّى تَذُوقَ العُسَيلةَ" . والعُسَيلةُ هاهُنا: الوَطْءُ، لا يختلفُون في ذلك.
-
وفي هذا حُجَّةٌ واضحةٌ لما ذهَبَ إليه مالكٌ في الإيمان: أنَّهُ لا يقعُ التَّحليلُ منها والبِرُّ، إلّا بأكملِ الأشياءِ، وأنَّ التَّحريمَ يَقَعُ بأقلِّ شيءٍ، ألا تَرى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لمّا حرَّمَ على الرَّجُل نِكاحَ حَلِيلةِ ابنِهِ، وامرأةِ أبيهِ، وكان الرَّجُلُ إذا عقَدَ على امرأةٍ نِكاحًا، ولم يَدْخُل بها، ثُمَّ طلَّقها: أنَّها حَرامٌ على ابنِهِ وعلى أبيهِ؟ وكذلك لو كانت لهُ أمَةٌ، فلَمَسها بشَهْوةٍ، أو قبَّلها، حَرُمت على ابنِهِ (١) ، وعلى أبيهِ.
-
فهذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ التَّحريمَ يَقَعُ ويدخُلُ على المرءِ بأقلِّ شيءٍ، وكذلكَ لو طلَّقَ بعضَ امرأةٍ، طُلِّقت كلُّها.
-
وكذلكَ لو ظاهَرَ من بعضِها، لزِمهُ الظِّهارُ الكامِلُ، ولو عقَدَ على امرأةٍ بعضَ نِكاح، أو على بعضِ امرأةٍ نِكاحًا، لم يصحَّ، وكذلكَ المبتُوتةُ لا يُحِلّها عَقدُ النِّكاح عليها، حتَّى يدخُل بها زَوْجُها (٢) ، ويَطأها وطئًا صحيحًا.
-
ولهذا قال مالكٌ في نِكاح المُحلِّل: إنَّهُ يحتاجُ أن يكونَ نِكاح رَغْبةٍ، لا يُقصدُ به التَّحليلُ، ويكونَ وطؤُهُ لها، وطئًا مُباحًا، لا تكونُ صائمَةً، ولا مُحْرِمَةً، ولا في حَيْضتِها، ويكونُ الزَّوجُ بالغًا مُسلمًا (٣) .
- ج ٨ ص ٣٢٦
وقد يُعتَرضُ على هذا الأصلِ في البِرِّ والحِنْثِ، بأنَّ (١) التَّحريمَ لا يصِحُّ في الرَّبِيبةِ بالعَقْدِ، حتَّى ينضمَّ إلى ذلكَ الدُّخُولُ بالأُمِّ، وهذا إجماعٌ، وإنَّما الخِلافُ في الأُمِّ، ولهذا نَظائرُ.
وقال الشّافِعيُّ: إذا أصابَها بنِكاح صَحيح، وغيَّبَ الحَشَفةَ في فَرْجِها، فقد ذاقا (٢) العُسَيلةَ، وسواءٌ في ذلكَ قويُّ النِّكاح وضَعِيفُهُ، وسواءٌ أدخلَهُ بيدِهِ، أو بيدِها، وكان ذلكَ من صبيٍّ، أو مُراهِقٍ، أو مجبُوبٍ بَقِيَ لهُ ما يُغَيِّبُ (٣) ، كما يُغيِّبُ غيرُ الخصيِّ (٤) .
قال: وإن أصابَ الذِّمِّيَّةَ، وقد طلَّقها مُسلمٌ أو زَوْجٌ ذِمِّيٌّ بنِكاح صحيح أحلَّها.
قال: ولو أصابَها الزَّوجُ مُحرِمَةً، أو صائمَةً، أحلَّها. وهذا كلُّهُ على ما وصَفَ الشّافِعيُّ، قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، والحسنِ بن حيٍّ، وقولُ بعض أصْحابِ مالكٍ.
-
وانفردَ الحَسَنُ البَصْريُّ بقوله: لا يُحِلُّ المُطلَّقةَ ثلاثًا إلّا وَطْءٌ يكونُ فيه إنْزالٌ (٥) . وذلك معنَى ذَوْقِ العُسَيلةِ عِندهُ. ولا يُحِلُّها عندَهُ التِقاءُ الخِتانينِ. ولم يُتابِعْهُ على ذلكَ غيرُهُ.
-
وانفردَ سعيدُ بن المُسيِّب رحِمهُ الله من بينِ سائرِ أهل العِلم، بقوله: إنَّ من تزوَّجَ المُطلَّقةَ ثلاثًا، ثُمَّ طلَّقَها قبلَ أن يمسَّها، فقد حلَّت بذلكَ النِّكاح، وهذا العَقْدُ لا غيرُ، لزَوْجِها الأوَّل، على ظاهِرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] .
ج ٨ ص ٣٢٧قال: فقد نكَحَتْ زَوْجًا يلحقُهُ ولدُها، ويجِبُ المير اثُ بينهُما (١) .
قال أبو عُمر: أظُنُّهُ، واللّه أعلمُ، لم يبلُغْهُ حديثُ العُسَيلةِ هذا، أو لم يصِحَّ عندَهُ، وأمّا سائرُ العُلماءِ، مُتقدِّميهم ومُتأخِّريهم (٢) ، فيما عَلِمتُ، فعَلَى القول بهذا الحديثِ، على ما وصفنا.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكير، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣) : حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: سُئلَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن رَجُلٍ طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا، فتَزَوَّجَتْ زوجًا غيرَهُ، فدخَلَ بها، ثُمَّ طلَّقها قبلَ أن يُواقِعَها: أتحِلّ لزَوجِها الأوَّل؟ قال: "لا، حتَّى تذُوقَ عُسَيْلَتهُ ويذُوقَ عُسَيْلتَها" .
-
وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو هُريرةَ، عن عائشةَ:
حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا مُسلمُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بن المُختارِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله الدّاناجُ، عن أبي رافِع، عن أبي هُريرةَ، قال: حدَّثتني أُمُّ المُؤمِنينَ، ولا أراها إلّا عائشةَ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: "لا تحِلُّ للأوَّل، حتَّى يذُوقَ الآخرُ من عُسَيْلَتِها" (٤) .
- ج ٨ ص ٣٢٨
واختلَفَ العُلماءُ أيضًا في نِكاح المُحلِّل (١) ، وهُو من هذا البابِ، فقال مالكٌ: المُحلِّلُ لا يُقيمُ على نِكاحِهِ حتَّى يَسْتقبِلَ (٢) نِكاحًا جديدًا، فإن أصابَها، فلها مَهْرُ مِثلها، ولا تُحِلُّها إصابتُهُ لزَوجِها الأوَّل، وسَواءٌ عَلِما، أو لم يَعْلما، إذا تزوَّجَها ليُحِلَّها، ولا يُقَرُّ على نِكاحِهِ، ويُفسَخُ (٣) .
-
وقولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واللَّيثِ، نحوَ (٤) قول مالكٍ.