فصل: في طاعة ولاة الأمر ومناصحتهم
٤ فقرات، ج ٣٦ ص ٩
- ج ٣٦ ص ٩
يَا رَسُول اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ؟ تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ} وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حجر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ {سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الجعفي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَنَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ؛ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ؛ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَحَدَّثَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} . فَذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ: هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ وَإِنْ اسْتَأْثَرُوا عَلَيْهِ. وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ: فَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ.
- فَصْلٌ:
-
وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَاجِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ وَإِنْ لَمْ يُعَاهِدْهُمْ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَهُمْ الْأَيْمَانَ الْمُؤَكَّدَةَ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَحَجُّ الْبَيْتِ. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ الطَّاعَةِ؛ فَإِذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا وَتَثْبِيتًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ. فَالْحَالِفُ عَلَى هَذِهِ
ج ٣٦ ص ١٠الْأُمُورِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ خِلَافَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ؛ فَإِنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ؛ فَكَيْفَ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَمَا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِمْ وَغِشِّهِمْ مُحَرَّمٌ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ الْخَمْسَ وَلَيَصُومَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ أَوْ لَيَقْضِيَنَّ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ وَيَشْهَدَنَّ بِالْحَقِّ: فَإِنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْكَذِبِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَغِشِّ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْخُرُوجِ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِمْ: هُوَ مُحَرَّمٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا مَنْ كَانَ حَالِفًا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ الزَّكَاةِ أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْعَدْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يُفْتِيَهُ بِمُخَالَفَةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَالْحِنْثِ فِي يَمِينِهِ؛ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ فِي ذَلِكَ. وَمَنْ أَفْتَى مِثْلَ هَؤُلَاءِ بِمُخَالَفَةِ مَا حَلَفُوا عَلَيْهِ وَالْحِنْثِ فِي أَيْمَانِهِمْ: فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مُفْتٍ بِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ بَلْ لَوْ أَفْتَى آحَادُ الْعَامَّةِ بِأَنْ يَفْعَلَ خِلَافَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَفَاءِ فِي عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ مِنْ
ج ٣٦ ص ١١الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهَا فَإِذَا حَلَفَ كَانَ أَوْكَدَ فَمَنْ أَفْتَى مِثْلَ هَذَا بِجَوَازِ نَقْضِ هَذِهِ الْعُقُودِ. وَالْحِنْثِ فِي يَمِينِهِ: كَانَ مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مُفْتِيًا بِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مُعَاقَدَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْعُقُودِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا. وَهَذَا كَمَا أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: يَمِينُ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَنْعَقِدُ سَوَاءٌ كَانَ بِاَللَّهِ أَوْ النَّذْرِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتَاقِ؛ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. ثُمَّ إذَا أَكْرَهَ وَلِيُّ الْأَمْرِ النَّاسَ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ وَمُنَاصَحَتِهِ وَحَلِفِهِمْ عَلَى ذَلِكَ: لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُرَخِّصَ لَهُمْ فِي الْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ وَاجِبًا بِدُونِ الْيَمِينِ فَالْيَمِينُ تُقَوِّيهِ؛ لَا تُضْعِفُهُ؛ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ صَاحِبَهَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ بِلُزُومِ الْمَحْلُوفِ مُطْلَقًا فِي بَعْضِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَجْلِ تَحْلِيفِ وُلَاةِ الْأُمُورِ أَحْيَانًا. قِيلَ لَهُ: وَهَذَا يُرَدُّ عَلَيْك فِيمَا تَعْتَقِدُهُ فِي يَمِينِ الْمُكْرَهِ؛ فَإِنَّك تَقُولُ: لَا يَلْزَمُ وَإِنْ حَلَفَ بِهَا وُلَاةُ الْأُمُورِ. وَيُرَدُّ عَلَيْك فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ تُفْتِي بِهَا فِي الْحِيَلِ؛ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ.
- ج ٣٦ ص ١٢
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ فَلَا يُرَخِّصُونَ لِأَحَدِ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغِشِّهِمْ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ: بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ كَمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ عَادَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَمِنْ سِيرَةِ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرِهِ} قَالَ: وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْغَدْرِ. يَعْنِي بِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَمَّا قَامَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَةِ وَلِيِّ أَمْرِهِمْ؛ يَنْقُضُونَ بَيْعَتَهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ {نَافِعٍ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ؛ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ؛ فَقَالَ: اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً. فَقَالَ: إنِّي لَمْ آتِك لِأَجْلِسَ أَتَيْتُك لِأُحَدِّثَك حَدِيثًا؛ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ خَلَعَ يَدًا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ؛ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً} وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ؛ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً؛ وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِيَّةٍ؛ يَغْضَبُ لِعَصَبَيَّةِ،