فصل في ذكر البديع من الكلام
١٬٠٣٤ فقرة، ج ١ ص ٦٦
الصفحة ٢٣ من ٢٦
- ج ٢ ص ٧٨
وكقول أبي تمام: لو يعلمِ الركنُ من قد جاء يلثمه * لخر يلثم منه موطئ القَدَمِ (١) وكقول البحتري: ولو أن مشتاقاً تَكَلَّفَ فوق ما * في وسعه، لمشى إليك المنبرُ (٢) ومن هذا الجنس في القرآن: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) (٣) .
-
/ وقوله: (إِذَا رَأَتْهُم مِن مَّكَانٍ بَعيدٍ سَمِعُواْ لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) (٤) .
-
وقوله: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغيظ) (٥) .
-
* * * ومما يعدونه من البديع " المماثلة " وهو ضرب من الاستعارة [سماه قدامة التمثيل، وهو على العكس من الارداف، لان الارداف مبنى على الاسهاب والبسط، وهو مبنى على الايجاز والجمع] (٦) .
-
وذلك أن يقصد الإشارة إلى معنى، فيضع ألفاظاً تدل عليه، وذلك المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصد الإشارة إليه.
-
نظيره من المنثور: أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته، فكتب إليه: " أما بعد، فإني أراك تُقَدِّمُ رِجْلاً وتؤخرُ أخرى، فاعتمِدْ على أيتهما
شِئْتً " (٧) .
-
وكنحو ما كتب به الحجاج إلى المهلب (٨) : " فإن أنت فعلتَ ذاك، وإلا أشرعت إليك الرمح.
-
" فأجابه المهلب: " فإن أشرع الأميرُ الرمحَ، قلبتُ إليه ظهر المجن " .
- ج ٢ ص ٧٩
/ وكقول زهير: ومن بعض أطرافَ الزِّجاج فإنه * يُطيع العوالي ركبت كُلَّ لهذم (١) وكقول امرئ القيس: وما ذرفت عيناكِ إلا لتضربي * بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مُقَتَّلِ (٢) وكقول عمرو بن معدي كرب: فلو أنَّ قومي أنطقتني رماحُهُمْ * نطقْتُ ولكنَّ الرماح أجرَّتِ (٣) / وكقول القائل (٤) بني عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما * دفنتم بصحراء الغمير القوافيا (٥)
- ج ٢ ص ٨٠
وكقول الآخر (١) : أقول وقد شَدُّوا لساني بنسعةٍ: * أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا ومن هذا الباب (٢) في القرآن قوله: (فَمَا أَصْبَرهُمْ عَلَى النَّارِ) (٣) وكقوله: (وَثِيابَكَ فَطَهِّر) (٤) .
قال الأصمعي: أراد البدن، قال:
/ وتقول العرب: " فدى لك ثوباي " .
-
يريد (٥) نفسه.
-
وأنشد: ألا أبلغ حفصٍ رَسُولا * فدى لك من أخي ثقةٍ إزارى (٦) .
-
* * * ويرون من البديع أيضاً ما يسمونه " المطابقة " ، وأكثرهم على أن معناها أن يذكر الشئ وضده، كالليل والنهار، والسواد والبياض، وإليه ذهب الخليل ابن أحمد والأصمعي، ومن المتأخرين عبد الله بن المعتز.
-
وذكر ابن المعتز من نظائره من المنثور ما قاله بعضهم (٧) : " أتيناك لتسلك بنا سبيل التوسع، فأدخلتنا في ضيق الضمان " .
-
ونظيره من القرآن: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (٨) .
-
وقوله: (يُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنِ الْحَيِّ) (٩) .
-
وقوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ) (١٠) .
-
ومثله كثير جداً.
- ج ٢ ص ٨١
وكقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: " إنكم تكثُرُون عندَ الفَزَعِ، وَتقِلُّونَ عند الطَمَعِ " (١) .
وقال آخرون: بل المطابقة أن يشترك معنيان بلفظة واحدة، وإليه ذهب قدامة ابن جعفر الكاتب (٢) .
-
فمن ذلك قول الأفوه الأودي: وأقطعُ الهَوْجَل مستأنسا * بهوجلَ مستأنس عنتريس (٣) عنى بالهوجل الأول: الأرض، وبالثاني: الناقة (٤) .
-
ومثله قول زياد الاعجم: ونبئتهم يستنصرون بكاهلٍ * وللؤمِ فيهم كاهلٌ وسنامُ (٥) / ومثله قول أبى داود: عهدت لها منزلا داثرا * وآلاً على الماءِ يحمِلْنَ آلا (٦) فالآل الأول: أعمدة الخيام تنصب على البئر للسقي، والآل الثاني: السراب (٧) .
-
وليس عنده قول من قال: المطابقة إنما تكون باجتماع الشئ وضده - بشئ.
- ج ٢ ص ٨٢
ومن المعنى الأول قول الشاعر: أهينُ لهم نفسي لأُّكرمها بهم * ولن تُكرم النفسُ التي لا تهينها (١) ومثله قول امرئ القيس: وتردى على صُم صِلاب ملاطِسٍ * شديداتِ عَقد ليناتِ مِتان (٢) / وكقول النابغة: ولا يحسبون الخير لا شر بعده * ولا يحسبون الشرَّ ضربة لازب (٣) وكقول زهير، وقد جمع فيه طباقين: بعزمة مأمورٍ مطيعٍ وآمرٍ * مُطاع، فلا يُلفى لحزمهمُ مثلُ (٤)
-
وكقول الفرزدق: والشيب ينهض في الشباب كأنه * ليل يصيح بجانبيه نهار (٥) ومما قيل فيه ثلاث تطبيقات قول جرير: وباسطِ خيرٍ فيكمُ بيمينه * وقابض شر عنكمُ بشماليا (٦) وكقول رجل من بلعنبر (٧) : يَجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً * ومن إِساءة أهل السوء إحسانا (٨)
- ج ٢ ص ٨٣
/ وروي عن الحسن (١) بن علي، رضي الله عنهما، أنه تمثل بقول القائل:
فلا الجود يُفْني المالَ والجَدُّ مقبلٌ * ولا البخلُ يُبقي المال والجَدُّ مُدْبرُ (٢) وكقول الآخر: فسِرّي كإعلاني وتلك سجيتي * وظُلمة ليلي مثلُ ضوءِ نهاريا وكقول قيس بن الخطيم: إذا أنت لم تنفع فضُرَّ، فإنما * يُرَجَّى الفتى كيما يضرَّ وينفعا (٣) وكقول السموأل: وما ضَرَّنا أنا قليلٌ وجارُنا * عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ (٤) فهذا باب يرونه من البديع.
-
* * * وباب آخر وهو " التجنيس " .
-
ومعنى ذلك: أن تأتى بكلمتين متجانستين: فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى في تأليف حروفها [ومعناها] (٥) .
-
وإليه ذهب الخليل (٦) .
-
/ ومنهم من زعم أن المجانسة أن تشترك اللفظتان على جهة الاشتقاق (٧) كقوله عز وجل: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ الْقَيِّمِ) (٨) .
-
وكقوله: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان) (٩) .
-
وكقوله: (يا أسفا على يوسف) (١٠)
- ج ٢ ص ٨٤
وكقوله: (الذين آمنوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) (١) .
-
وكقوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه) (٢) .
-
وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أَسَلمُ سالمها الله، وغِفارُ غَفَرَ الله لها، وعصيةُ عصت الله ورسوله، [وتجيب أجابت الله ورسُوله] (٣) ".
-
وكقوله: " الظُلمُ ظُلُماتُ يومَ القيامةِ (٤) .
-
وقوله: " لا يكونُ ذو الوجهين وجيهاً عندَ الله " (٥) .
-
/ وكتب بعض الكتاب: " العُذْرُ مع التعذرِ واجبٌ، فرأيك فيه " (٦) .
وقال معاوية لابن عباس: ما لكم يا بني هاشم تُصابون في أبصاركم؟ فقال: كما تصابون في بصائركم (٧) .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " هاجِروا ولا تهجروا " (٨) .
-
ومن ذلك قول قيس بن عاصم: ونحن حفزنا الحوفزان بطعنةٍ * كسته نجيعاً من دم الجوف أشكلا (٩)
ج ٢ ص ٨٥وقال آخر (١) : * أملَّ عليها بالبِلى الملوان (٢) * / وقال الآخر (٣) : وذاكمُ أنَّ ذُل الجار حالفكم * * وأن أنفَكُمُ لا تعرف الأَنَفَا (٤) وكتب إلي بعض مشايخنا، قال: أنشدنا الأخفش عن المبرد، عن التوزي (٥) :.
وقالوا (٦) : حمامات فَحُمَّ لقاؤها * وطَلْحٌ، فزيرت والمطى طلوح (٧)
-
عقاب بأعقاب من النأى بعد ما * جرت نيةٌ تُنسي المحبَّ طروح (٨) وقال صِحابي: هدهدٌ فوق بانةٍ * هُدى وبيانٌ بالنجاح يلوح (٩) وقالوا: دمٌ، دامت مواثيقُ عهده * ودام لنا حسن الصفاء صريح (١٠)
- ج ٢ ص ٨٦
/ وقال آخر (١) : * أقبلن من مصر يبارين البري (٢) * وقال القطامي: ولما ردّها في الشَّول شالت * بذيال يكون لها لفاعا (٣) وقد (٤) يكون التجنيس بزيادة حرف [أو بنقصان حرف] (٥) أو ما يقارب ذلك، كقول البحتري: هل لما فات من تلاق تلاف * أم لشاكٍ من الصبابة شافِ (٦) ؟ / وقال ابن مقبل: يمشين هَيْلَ النقا مالت جوانبه * ينهالُ حيناً وينهاهُ الثرى حينا (٧ وقال زهير: هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكلون إذا ما استحلموا وحموا (٨)