خطبة لقس بن ساعدة الإيادى

٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١

الصفحة ١٥ من ١٥

  1. * * * وإنما اقتصرنا على ذكر قصيدة البحتري، لأن الكتاب يفضلونه على أهل دهره، ويقدمونه على من في عصره، ومنهم من يدّعي له الإعجاز غلواً، ويزعم أنه يناغي النجم في قوله علواً، والملحدة تستظهر بشعره، وتتكثر بقوله (٦) ، وترى كلامه من شبهاتهم، وعباراته مضافة (٧) إلى ما عندهم من ترهاتهم.

    ج ٢ ص ٢٤٥
  2. فبينا قد درجته وموضع رتبته، وحد كلامه.

  3. وهيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه (٨) ، وأن يكون الليل كالنهار، والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر (٩) .

  4. * * * فإن قال قائل: فقد قدح الملحد في نظم القرآن، وادعى عليه الخلل في

    ج ٢ ص ٢٤٦البيان، وأضاف إليه الخطأ في المعنى واللفظ، [وزعم ما زعم] (١) ، وقال ما قال فهل من فصل؟ قيل: الكلام على مطاعن الملحدة في القرآن مما قد سبقنا إليه، وصنف أهل الأدب في بعضه، فكفوا، وأتى المتكلمون على ما وقع إليهم، فشفوا، ولولا ذلك لاستقصينا القول فيه في كتابنا.

  5. * وأما الغرض الذي صنفنا فيه في التفصيل والكشف عن إعجاز القرآن (٢) ، فلم نجده على التقريب الذي قصدنا، وقد رجونا أن يكون ذلك مغنيا ووافيا.

  6. وإن سهل الله لنا ما نويناه: من إملاء " معاني القرآن " ٢) ذكرنا في ذلك ما يشتبه من الجنس الذي ذكروه، لأن أكثر ما يقع من الطعن عليه، فإنما يقع على جهل القوم بالمعاني، أو بطريقة كلام العرب.

  7. وليس ذلك من مقصود كتابنا هذا، وقد قال النبي صلى الله عليه / وسلم: " فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " (٣) .

  8. وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار، ومهدنا الطريق، فمن كمل طبعه للوقوع (٤) على فضل أجناس الكلام استدرك ما بينا.

  9. ومن تعذر عليه الحكم بين شعر جريز والفرزدق والأخطل، والحكم بين فضل زهير والنابغة، أو الفضل (٥) بين البحتري وأصحابه، ولم يعرف سخف (٦) مسيلمة في نظمه، ولم يعلم أنه من الباب الذي يهزأ به ويسخر منه، كشعر أبى العنبس (٧) في جملة

    ج ٢ ص ٢٤٧الشعر، وشعر على بن صلاءة (١) -: فكيف يمكنه النظر فيما وصفنا، والحكم على ما بينا؟ ! * * * / فإن قال (٢) قائل: فاذكر لنا من هؤلاء الشعراء الذين سميتهم الأشعر والأبلغ.

  10. قيل له، هذا أيضاً خارج عن غرض هذا الكتاب، وقد تكلم فيه الأدباء.

  11. ويحتاج أن يجرد (٣) لنحو هذا كتاب (٤) ، ويفرد له باب، وليس من قبيل ما نحن فيه بسبيل.

  12. وليس لقائل أن يقول: قد يسلم بعض الكلام من العوارض والعيوب، ويبلغ أمده (٥) في الفصاحة والنظم العجيب، ولا يبلغ عندكم حد المعجز، فلم قضيتم بما قضيتم به في القرآن دون غيره من الكلام؟ وإنما لم يصح (٦) .

  13. هذا السؤال، وما نذكر فيه من أشعار في نهاية الحسن،

    وخطب ورسائل في غاية الفضل - لأنا قد بينا أن هذه الاجناس قد وقع التنازع (٧) فيها، والمساماة عليها، والتنافس في طرقها، والتنافر في بابها.

  14. وكان البون بين البعض والبعض في الطبقة الواحدة قريبا، والتفاوت خفيفاً، وذلك القدر من السبق إن ذهب عنه (٨) / الواحد، لم ييأس منه الباقون، ولم ينقطع الطمع في مثله.

  15. وليس كذلك سمت القرآن، لانه قد عرف أن الوهم ينقطع دون مجاراته، والطمع يرتفع عن مباراته ومساماته، وأن الكل في العجز عنه على حد واحد.

  16. وكذلك قد يزعم زاعمون (٩) : أن كلام الجاحظ من السمت الذي لا يؤخذ (١٠) فيه، والباب الذي لا يذهب (١١) عنه، وأنت تجد قوماً يرون كلامه قريبا،

    ج ٢ ص ٢٤٨ومنهاجه معيباً، ونطاق قوله ضيقاً، حتى يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه، من بيت سائر، ومثل (١) نادر، وحكمة ممهدة منقولة، وقصة عجيبة مأثورة.

  17. وأما كلامه في أثناء ذلك فسطور قليلة، وألفاظ يسيرة، فإذا أحوج إلى تطويل الكلام خالياً عن شئ يستعين به - فيخلط بقوله من قول غيره - كان كلاماً (٢) ككلام غيره.

  18. فإن أردت أن تحقق هذا، فانظر في كتبه في " نظم القرآن " وفى " الرد على النصارى " وفي " خبر الواحد " وغير ذلك مما يجري / هذا المجرى، هل تجد في ذلك كله ورقة [واحدة] (٣) تشتمل على نظم بديع، أو كلام مليح؟ على أن متأخري الكتاب قد نازعوه في طريقته، وجاذبوه على منهجه، فمنهم من ساواه حين ساماه، ومنهم من أبر عليه إذ باراه.

  19. هذا " أبو الفضل بن العميد " قد سلك مسلكه (٤) ، وأخذ طريقه، فلم يقصر عنه، ولعله قد بان تقدمه عليه (٥) ، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه، ويكملها على شروط صنعته، ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه، كما ترى " الجاحظ " يفعله في كتبه، متى ذكر من كلامه سطراً أتبعه من كلام الناس (٦) أوراقاً، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتاباً.

  20. وهذا يدلك على أن الشئ إذا استحسن اتبع، وإذا استملح قصد له وتعمد (٧) .

  21. وهذا الشئ يرجع إلى الأخذ بالفضل، والتنافس في التقدم.

  22. فلو كان في مقدور البشر معارضة القرآن لهذا الغرض وحده - لكثرت المعارضات، ودامت المنافسات.

  23. فكيف وهناك دواع لا انتهاء لها، وجوالب لاحد لكثرتها / لأنهم لو كانوا عارضوه لتوصلوا إلى تكذيبه، ثم إلى قطع المحامين دونه عنه، أو تنفيرهم

    عليه، وإدخال الشبهات (٨) على قلوبهم، وكان القوم يكتفون بذلك عن بذل

    ج ٢ ص ٢٤٩النفوس، ونصب الأرواح، والأخطار بالأموال والذراري، في وجه عداوته ويستغنون بكلام - هو طبعهم وعادتهم وصناعتهم - عن محاربته، وطول مناقشته (١) ومجاذبته.

  24. وهذا الذى عرضناه على [عقلك، وجلوناه على] (٢) قلبك، يكفي إن هديت لرشدك، ويشفي إن دللت على قصدك.

  25. ونسأل الله حسن التوفيق، والعصمة والتسديد، إنه لا معرفة إلا بهدايته ولا عصمة إلا بكفايته، وهو على ما يشاء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.