خطبة لقس بن ساعدة الإيادى

٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١

الصفحة ١٤ من ١٥

  1. والبيت الثالث سليم، وهو كالاولين في خلوه من البديع.

    ج ٢ ص ٢٣٨
  2. فأما (٤) قوله: فإذا أصاب فكل شئ مقتَلٌ * وإذا أُصِيب فما له من مقتَلِ وكأنما سُود النمال وحُمرِها * دبت بأيدٍ في قراه وأرجل

    البيت الاول يقصد بمثله صنعة (٥) اللفظ، وهو في المعنى متفاوت، لان

    ج ٢ ص ٢٣٩المضرب قد لا يكون مقتلاً، وقد يطلق الشعراء ذلك، ويرون أن هذا أبدع من قول المتنبي، وأنه بضده (١) : القاتل السيفُ في جسم القتيلِ به * وللسيوف كما للناس آجال (٢) وهذه طريقة لهم يتمدحون بها في قصف الرمح طعناً، وتقطيع السيف ضربا.

  3. وفي قوله: " وإذا أصيب فما له من مقتل " تعسف، لانه يريد بذلك أنه لا ينكسر، فالتعبير بما عبر به عن المعنى الذي ذكرناه يتضمن التكلف وضرباً من المحال، وليس بالنادر، والذى عليه الجملة ما حكيناه من غيره.

  4. ونحوه قال بعض أهل الزمان: يقصف في الفارس السمهريّ * وصدر الحسام فريقاً فريقا (٣)

  5. والبيت الثاني أيضاً هو معنى (٤) مكرر على السنة الشعراء.

  6. وأما تصنيعه بسود (٥) النمال وحمرها، فليس بشئ، ولعله أراد بالحمر الذر، والتفصيل بارد! والإعراب به منكر! وهو - كما حكى عن بعضهم أنه قال: كان كذا حين كانت الثريا بحذاء رأسي على سواء، أو منحرفاً قدر شبر، أو نصف شبر، أو إصبعا، أو ما يقارب ذلك! فقيل له: هذا من الورع الذي يبغضه الله، ويمقته الناس! ! ورب زيادة كانت نقصاناً.

  7. وصفة النمل بالسواد والحمرة في هذا من ذلك الجنس، وعليه خرج بقية البيت في قوله: * دبت بأيد في قراه وأرجل * وكان يكفي ذكر الأرجل عن ذكر الايدى.

  8. / ووصف (١) الفرند بمدب النمل شئ لا يشذ عن أحد منهم (٢) .

    ج ٢ ص ٢٤٠
  9. وأما قوله: وكأن شاهره إذا استضوى به الز * حفان يعصي بالسماك الأعزل (٣) حملت حمائله القديمة بَقْلةً * من عهد عاد غضة لم تذبل البيت الأول منهما فيه ضرب من التكلف، وهو منقول من أشعارهم وألفاظهم،

    وإنما يقول: [وتراه في ظلم الوغى فتخاله * قمرا يشد على الرجال بكوكب] (٤) فجعل ذلك الكوكب السماك، واحتاج إلى أن يجعله أعزل، للقافية! ولو لم يحتج إلى ذلك كان خيراً له، لان هذه الصفة (٥) في هذا الموضع / تغض من الموصوف (٦) ، وموضع (٧) التكلف الذي ادعيناه، الحشو الذي ذكره من قوله: " إذا استضوى به الزحفان " وكان يكفي أن يقول: كأن صاحبه يعصي بالسماك، وهذا، وإن كان قد تعمل فيه للفظ، فهو غلو (٨) ، على ما بينا.

  10. وأما البيت الثاني ففيه لغو من جهة قوله: [ " حمائله القديمة " ، ولا يوصف السيف بأن] (٩) حمائله قديمة، ولا فضيلة له في ذلك.

  11. ثم تشبيه السيف بالبقلة من تشبيهات العامة، والكلام الرذل النذل، لأن العامة (١) قد يتفق منها تشبيه واقع حسن.

    ج ٢ ص ٢٤١
  12. ثم انظر إلى هذا المقطع الذي هو بالعي أشبه منه بالفصاحة، وإلى اللكنة أقرب منه إلى البراعة، وقد بينا أن مراعاة الفواتح والخواتم، والمطلع والمقاطع، والفصل والوصل، بعد صحة الكلام، ووجود الفصاحة فيه - مما لا بد منه، وإن الإخلال بذلك يخل بالنظم، ويذهب رونقه، ويحيل بهحته، ويأخذ ماءه وبهاءه (٢) .

  13. * * * / وقد أطلت عليك فيما نقلت، وتكلفت ما سطرت، لأن هذا القبيل قبيل موضوع متعمل مصنوع (٣) .

  14. وأصل الباب في الشعر على أن ينظر إلى جملة القصة، ثم يتعمل الألفاظ، ولا ينظر بعد ذلك إلى مواقعها، ولا يتأمل مطارحها.

  15. وقد يقصد تارة إلى تحقيق الأغراض، وتصوير المعاني التي في النفوس، ولكنه يلحق بأصل بابه، ويميل بك إلى موضوعه، وبحسب الاهتمام بالصنعة يقع فيها (٤) التفاضل.

  16. وإن أردت أن تعرف وصاف الفرس، فقد ذكرت لك أن الشعراء قد تصرفوا في ذلك بما يقع إليك - إن كنت من أهل الصنعة - مما يطول عليَّ نقله، وكذلك في السيف.

  17. وذكر لي بعض أهل الأدب: أن أحسن قطعة في السيف قول أبى الهول الحميرى (٥) :

    ج ٢ ص ٢٤٢/ حاز صَمْصَامةَ الزبيديِّ من بي * ن جميع الأنام مُوسى الأمينُ (١) سيف عمرو وكان - فيما سمعنا - * خيرَ ما أطبقت عليه الجفون (٢) أخضر اللون بين برديه حدُّ * من ذُعافٍ تميس فيه المنون (٣) أوقدت فوقه الصواعق ناراً * ثم شابت له الذعاف القُيون (٤) فإذا ما شَهَرتَهُ بَهَرَ الشم * س ضياءً فلم تكد تستبين (٥) يستطير الأبصار كالقبس المش * عل لا تستقيمُ فيه العيون (٦) وكأن الفِرنْدَ والرونق الجا * ري في صفحتيه ماء معين (٧) نعم مخراق ذى الحفيظة في الهي * * جاء يعصي به، ونعم القرينُ (٨)

  18. ما يبالي إذا انتحاه بضرب * أشمالٌ سَطَتْ به أم يمين (١) * * *

    وإنما يوازن شعر البحتري بشعر شاعر من طبقته، ومن أهل عصره، ومن هو في مضماره أو في منزلته.

    ج ٢ ص ٢٤٣
  19. ومعرفة أجناس الكلام، والوقوف على أسراره، والوقوف على مقداره، شئ - وإن كان عزيزاً، وأمر - وإن كان بعيداً - فهو سهل على أهله، مستجيب لأصحابه، مطيع لاربابه، ينقدون الحروف، ويعرفون الصروف.

  20. وإنما تبقى الشبهة في ترتيب الحال بين البحتري، وأبي تمام، وابن الرومي، وغيره.

  21. ونحن وإن كنا نفضل البحتري بديباجة شعره، على ابن الرومي / وغيره من أهل زمانه - نقدمه بحسن عبارته، وسلاسة كلامه (٢) ، وعذوبة ألفاظه، وقلة تعقد قوله.

  22. والشعر قبيل ملتمس مستدرك، وأمر ممكن مطيع (٣) .

  23. ونظم القرآن عال عن أن يعلق به الوهم، أو يسمو إليه الفكر، أو يطمع فيه طامع، أو يطلبه طالب: (لاَ يَأْتِيهِ الباطل من بين يديه ولا من خلفه تَنْزِيلُ مِنْ حَكيمٍ حَمِيدٍ) (٤) .

  24. وكنت قد ذكرت لك قبل هذا: أنك إن كنت بصنعة علم اللسان متدرباً، وفيه متوجهاً متقدماً، أمكنك الوقوف على ما ذكرنا، والنفوذ فيما وصفنا، وإلا فاجلس في مجلس المقلدين، وارض بمواقف المتحيرين.

  25. ونصحت لك حيث قلت: أنظر، هل تعرف عروق الذهب، ومحاسن الجوهر، وبدائع الياقوت، ودقائق (٥) السحر، من غير معرفة بأسباب هذه الأمور ومقدماتها؟ وهل يقطع سمت البلاد من غير اهتداء فيها؟

  26. ولكل شئ طريق يتوصل إليه به، وباب يؤخذ نحوه فيه، ووجه يؤتى منه.

    ج ٢ ص ٢٤٤
  27. / ومعرفة الكلام أشد من المعرفة بجميع ما وصفت (١) لك، وأغمض وأدق وألطف.

  28. وتصوير ما في النفس، وتشكيل ما في القلب، حتى تعلمه وكأنك مشاهده، وإن كان قد يقع بالإشارة، ويحصل بالدلالة والإمارة، كما يحصل بالنطق الصريح، والقول الفصيح - فللإشارات أيضاً مراتب، وللسان (٢) منازل.

  29. ورب وصف يصور لك الموصوف كما هو على جهته لا خلف فيه، ورب وصف ببر (٣) عليه (٤) ويتعداه.

  30. ورب وصف يقصر عنه.

  31. ثم إذا صدق الوصف انقسم إلى صحة وإتقان، وحسن وإحسان، وإلى إجمال وشرح، وإلى استيفاء وتقريب، وإلى غير ذلك من الوجوه.

  32. ولكل مذهب وطريق، وله (٥) باب وسبيل: فوصف الجملة الواقعة، كقوله تعالى: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ منم رُعْباً) (٦) .

  33. والتفسير كقوله: (وَيَوْمَ نُسَيِّرَ الْجِبَالَ وَتَرىَ الأَرْضَ بارِزَةً / وَحَشَرْنَاهُم فَلم نُغَادِرْ منْهُم أَحَداً) (٧) إلى آخر الآيات في هذا المعنى.

  34. وكنحو قوله: (يَا أيُّهَا النَّاسُ اتَقُواْ ربَّكُم، إِنَّ زلزلة الساعة شئ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كلُّ مُرضِعَةٌ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرىَ النَّاسَ سُكارَى وَمَا هُم بِسُكارَى، وَلَكنَّ عَذَابَ الله شديد) (٨) .

  35. هذا مما يصور الشئ على جهته، ويمثل أهوال ذلك اليوم.

  36. ومما يصور لك الكلام الواقع في الصفة، كقوله حكاية عن السحرة لما توعدهم فرعون بما توعدهم به حين آمنوا: (قَالُواْ لاَ ضَيْرَ، إنا إلى ربنا

    ج ٢ ص ٢٤٥مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤمِنينَ) (١) .

    وقال في موضع آخر: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بآيَاتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا، رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوفَّنا مُسْلِمِينَ) (٢) وهذا ينبئ عن كلام الحزين لما ناله، الجازع لما مسه.

  37. ومن باب التسخير والتكوين، قوله تعالى: (إِنَّما أَمْرُه إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٣) .

  38. / وقوله: (فَقُلْنَا لَهُم كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (٤) .

  39. وكقوله: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إَنِ اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (٥) .

  40. وتقصي أقسام ذلك مما يطول، ولم أقصد استيفاء ذلك، وإنما ضربت لك المثل بما ذكرت لتستدل، وأشرت إليك بما أشرت لتتأمل.