ذكر بعث الناس حفاة عراة غرلا وذكر أول من يكسى يومئذ من الناس
١٢ فقرة، ج ١٩ ص ٣٧٠
- ج ١٩ ص ٣٧٠
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَا» . قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ
ج ١٩ ص ٣٧١بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عَبَسَ: ٣٧] وَأَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، شَيْخٌ مِنَ النَّخَعِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٤] . أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلْقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِأُنَاسٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَلَأَقُولَنَّ: أَصْحَابِي. فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَلَأَقُولَنَّ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الْمَائِدَةِ: ١١٧، ١١٨] فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَرْفُوعًا: (إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ
ج ١٩ ص ٣٧٢إِلَى اللَّهِ عز وجل ، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا «. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: » تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا «، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى عَوْرَةِ بَعْضٍ؟ فَقَالَ: » يَا فُلَانَةُ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عَبَسَ ٣٧] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً، شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ، ثُمَّ يُقَالُ: اكْسُوا إِبْرَاهِيمَ. فَيُكْسَى قُبْطِيَّتَيْنِ مِنْ قَبَاطِيِّ الْجَنَّةِ. قَالَ: ثُمَّ يُنَادَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيُفَجَّرُ لَهُ الْحَوْضُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ. قَالَ: فَيَشْرَبُ وَيَغْتَسِلُ، وَقَدْ تَقَطَّعَتْ أَعْنَاقُ الْخَلَائِقِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعَطَشِ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَأُكْسَى مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، فَأَقُومُ عَنْ - أَوْ عَلَى - يَمِينِ الْكُرْسِيِّ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمَقَامَ يَوْمَئِذٍ غَيْرِي، فَيُقَالُ: سَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» .
- ج ١٩ ص ٣٧٣
فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَتَرْجُو لِوَالِدَيْكَ شَيْئًا؟ فَقَالَ: (إِنِّي شَافِعٌ لَهُمَا، أُعْطِيتُ أَوْ مُنِعْتُ، وَلَا أَرْجُو لَهُمَا شَيْئًا «.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَدْ يَكُونُ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى الْخَلِيلُ قُبْطِيَّتَيْنِ، ثُمَّ مُحَمَّدٌ ﷺ حُلَّةَ حِبَرَةٍ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ» التَّذْكِرَةِ «: وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، وَأَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: » أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، عليه السلام ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اكْسُوا خَلِيلِي. فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ، فَيَلْبَسُهُمَا، ثُمَّ يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ الْعَرْشِ، ثُمَّ أُوتَى بِكِسْوَتِي، فَأَلْبَسُهَا، فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ قِيَامًا لَا يَقُومُهُ أَحَدٌ غَيْرِي يَغْبِطُنِي فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ «.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي» مِنْهَاجِ الدِّينِ «لَهُ: وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُلَبِّينَ يَخْرُجُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ج ١٩ ص ٣٧٤مِنْ قُبُورِهِمْ، يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ، وَيُلَبِّي الْمُلَبِّي، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُحَمَّدٌ ﷺ ، ثُمَّ النَّبِيُّونَ، ثُمَّ الْمُؤَذِّنُونَ. وَذَكَرَ تَمَامَهُ.
-
ثُمَّ شَرَعَ الْقُرْطُبِيُّ يَذْكُرُ الْمُنَاسَبَةَ فِي تَقْدِيمِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﷺ ، فِي الْكِسْوَةِ يَوْمَئِذٍ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ مُبَالَغَةً فِي التَّسَتُّرِ، وَأَنَّهُ جُرِّدَ يَوْمَ أُلْقِي فِي النَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، فَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهْ، يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ ! قَالَ: «يُشْغَلُ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عَبَسَ: ٣٧] . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُسْنَدِ وَلَا فِي الْكُتُبِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا سعيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:» يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً كَمَا بَدَءُوا «. قَالَتْ
ج ١٩ ص ٣٧٥أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ ! قَالَ: » شُغِلَ النَّاسُ «. قُلْتُ: وَمَا شَغَلَهُمْ؟ قَالَ: » نَشْرُ الصُّحُفِ فِيهَا مَثَاقِيلُ الذَّرِّ، وَمَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ «.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، يَعْنِي الثَّوْرِيَّ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا «. قَالَ الْبَزَّارُ: أَحْسَبُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ شَبَّةَ غَلِطَ فِيهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَتْنُ حَدِيثٍ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ، وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: وَلَيْسَ لَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، بِهِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: » وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، عليه الصلاة والسلام «.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ: » حُفَاةً عُرَاةً «. ثُمَّ انْتَظَرَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ:
ج ١٩ ص ٣٧٦» كَذَلِكَ، حُفَاةً عُرَاةً «. قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهْ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: » وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَمْ لَا «. قَالَتْ: أَيُّ آيَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عَبَسَ: ٣٧] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْكَوْثَرِ، وَهُوَ ابْنُ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» يُحْشَرُ النَّاسُ كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا «. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَالنِّسَاءُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ ! فَقَالَ: » نَعَمْ «. فَقَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهْ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ عَجِبْتِ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ «فَقَالَتْ: عَجِبْتُ مِنْ حَدِيثِكَ، يُحْشَرُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. قَالَ: فَضَرَبَ عَلَى مَنْكِبِهَا، فَقَالَ: » يَا بِنْتَ أَبِي قُحَافَةَ، شُغِلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّظَرِ، وَسَمَوْا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، مَوْقُوفُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، شَاخِصِينَ بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْعَرَقُ قَدَمَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ بَطْنَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ، مِنْ طُولِ الْوُقُوفِ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ، فَيَأْمُرُ الْمَلَائِكَةَ الْمقُرَّبِينَ، فَيَحْمِلُونَ عَرْشَهُ مِنَ السَّمَاوَاتِ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى يُوضَعَ عَرْشُهُ فِي أَرْضٍ بَيْضَاءَ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْهَا دَمٌ، وَلَمْ يُعْمَلْ فِيهَا خَطِيئَةٌ، كَأَنَّهَا الْفِضِّةُ الْبَيْضَاءُ، ثُمَّ تَقُومُ الْمَلَائِكَةُ حَافِّينَ مَنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ نَظَرَتْ فَيهِ عَيْنٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَأْمُرُ مُنَادِيًا فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ الثَّقَلَانِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ: أَيْنَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ؟ أَيْنَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ؟ فَيَشْرَئِبُّ النَّاسُ لِذَلِكَ الصَّوْتِ، وَيَخْرُجُ ذَلِكَ الْمُنَادَى مِنَ الْمَوْقِفِ، فَيُعَرِّفُهُ اللَّهُ
- ج ١٩ ص ٣٧٧
النَّاسَ، ثُمَّ يُقَالُ: تُخْرَجُ مَعَهُ حَسَنَاتُهُ. فَيُعَرِّفُ اللَّهُ أَهْلَ الْمَوْقِفِ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ، فَإِذَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قِيلَ: أَيْنَ أَصْحَابُ الْمَظَالِمِ؟ فَيَجِيئُونَ، رَجُلًا رَجُلًا، فَيُقَالُ لَهُ: أَظَلَمْتَ فُلَانًا كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ. فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَتُؤْخَذُ حَسَنَاتُهُ، فَتُدْفَعُ إِلَى مَنْ ظَلَمَهُ يَوْمَ لَا دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِلَّا أَخْذٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَرَدٌّ مِنَ السَّيِّئَاتِ، فَلَا يَزَالُ أَصْحَابُ الْمَظَالِمِ يَسْتَوْفُونَ مِنْ حَسَنَاتِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ، ثُمَّ يَقُومُ مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، فَيَقُولُونَ: مَا بَالُ غَيْرِنَا اسْتَوْفَى وَبَقِينَا؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَا تَعْجَلُوا. فَيُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ ظَلَمَهُ بِمَظْلَمَةٍ، فَيُعَرِّفُ اللَّهُ أَهْلَ الْمَوْقِفِ أَجْمَعِينَ ذَلِكَ، فَإِذَا فُرِغَ مِنْ حِسَابِهِ قِيلَ: ارْجِعْ إِلَى أُمِّكَ الْهَاوِيَةِ، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا صِدِّيقٌ وَلَا شَهِيدٌ وَلَا بَشَرٌ، إِلَّا ظَنَّ، لِمَا رَأَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ، أَنَّهُ لَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عز وجل «.
-
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلِبَعْضِهِ شَاهِدٌ فِي» الصَّحِيحِ «، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ الْوَاسِطِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ
ج ١٩ ص ٣٧٨عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً «. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا قَالَ: » إِنَّ الْأَبْصَارَ يَوْمَئِذٍ شَاخِصَةٌ. وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتِي. قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَهَا» .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ ابْنُ الْخُرَاسَانِيِّ الْمُعَدَّلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ «عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بِثِيَابٍ جُدُدٍ، فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ:» إِنَّ الْمُسْلِمَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا. فَهَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ «السُّنَنِ» ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ.
-
ثُمَّ شَرَعَ الْبَيْهَقِيُّ يُجِيبُ عَنْ هَذَا لِمُعَارَضَتِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي بَعْثِ النَّاسِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَبْلَى بَعْدَ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَإِذَا وَافَوُا الْمَوْقِفَ يَكُونُونَ عُرَاةً، ثُمَّ يُكْسَوْنَ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ.
- ج ١٩ ص ٣٧٩
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا كُسِيَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، فَتَكُونُ كِسْوَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ جِنْسِ مَا يَمُوتُ فِيهِ، ثُمَّ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ أُلْبِسُوا مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ.
-
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالثِّيَابِ هَهُنَا الْأَعْمَالُ، أَيْ يُبْعَثُ فِي أَعْمَالِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا [الْأَعْرَافِ: ٢٦] . وَقَالَ: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [الْمُدَّثِّرِ: ٤] . قَالَ قَتَادَةُ: عَمَلَكَ فَأَخْلِصْهُ.
-
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ الْأَخِيرِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» . قَالَ: وَرُوِّيَنَا عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بُعِثَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
-
، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ هَانِئٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: أَوْصَانِي مُعَاذٌ بِامْرَأَتِهِ، وَخَرَجَ، فَمَاتَتْ، فَدَفَنَّاهَا فَجَاءَنَا وَقَدْ رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ دَفْنِهَا، فَقَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ كَفَّنْتُمُوهَا؟ قُلْنَا: فِي ثِيَابِهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَنُبِشَتْ، وَكَفَّنَهَا فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ، وَقَالَ: أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ؟ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ فِيهَا.
ج ١٩ ص ٣٨٠وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: يُحْشَرُ الْمَوْتَى فِي أَكْفَانِهِمْ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ.
-
وَعَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ فِي أَكْفَانٍ دَسِمَةٍ، وَأَبْدَانٍ بَالِيَةٍ، مُتَغَيِّرَةٌ وُجُوهُهُمْ، شَعِثَةٌ رُءُوسُهُمْ، نَهِكَةٌ أَجْسَامُهُمْ، طَائِرَةٌ قُلُوبُهُمْ مِنْ صُدُورِهِمْ وَحَنَاجِرِهِمْ، لَا يَدْرِي الْقَوْمُ مَا مَوْئِلُهُمْ إِلَّا عِنْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنَ الْمَوْقِفِ، فَمُنْصَرَفٌ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمُنْصَرَفٌ بِهِ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا سَوْءَ مُنْصَرَفَاهْ، إِنْ أَنْتَ لَمْ تَغَمَّدْنَا مِنْكَ بِرَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ، لِمَا قَدْ ضَاقَتْ صُدُورُنَا مِنَ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، وَالْجَرَائِمِ الَّتِي لَا غَافِرَ لَهَا غَيْرُكَ.