تابع النوع السادس والأربعون
٢٬٩٢٢ فقرة، ج ٣ ص ٣
الصفحة ٣٥ من ٧٤
- ج ٣ ص ٢١٦
مِنَ الْأَنْوَاعِ مَا حُذِفَ فِي آيَةٍ وَأُثْبِتَ فِي أُخْرَى وَهُوَ قِسْمَانِ: .
-
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ما حذف منه محمولا على المذكور كالمطلق في الرقبة في كفارة لظهار مُقَيَّدًا بِالْمُؤْمِنَةِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
-
وَكَقَوْلِهِ: {وَجَنَّةٍ عرضها السماوات والأرض} ، قُيِّدَتْ بِالتَّشْبِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ والملائكة} وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} فَإِنَّ هَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ الْأُولَى عَلَى حَذْفِ مضاف.
- ج ٣ ص ٢١٧
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ مُرَادًا. فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ: {لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كثيرة ومنها تأكلون} وَفِي الزُّخْرُفِ: {لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تأكلون} .
-
وقوله في الْبَقَرَةِ: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون} وَفِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضل أولئك هم الغافلون} .
-
وَحِكْمَتُهُ: أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ الْخَبَرَانِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَلِذَلِكَ دَخَلَ الْعَاطِفُ بِخِلَافِ الْخَبَرَيْنِ فِي الْأَعْرَافِ فَإِنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ لِأَنَّ التَّسْجِيلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَفْلَةِ وَتَشْبِيهَهُمْ بِالْبَهَائِمِ وَاحِدٌ فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ مُقَرِّرَةً مَا فِي الْأُولَى فَهِيَ مِنَ الْعَطْفِ بِمَعْزِلٍ.
-
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ: {إِنَّ الَّذِينَ كفروا سواء عليهم} وَقَالَ فِي يس: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لم تنذرهم} مَعَ الْعَاطِفِ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ مَا فِي يس وَمَا بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةٍ أُخْرَى فَاحْتَاجَتْ إِلَى الْعَاطِفِ وَالْجُمْلَةُ هُنَا لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً فَهِيَ مِنَ الْعَطْفِ بِمَعْزِلٍ.
-
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم} فَأَثْبَتَ الْوَاوَ فِي الْأَعْرَافِ وَحَذَفَهَا فِي الْكَهْفِ فقال: {وإن تدعهم إلى الهدى} وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي فِي الْأَعْرَافِ خِطَابٌ لجمع وأصله تدعونهم حذفت لِلْجَزْمِ وَالَّتِي فِي الْكَهْفِ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاحِدٌ وَعَلَامَةُ الْجَزْمِ فِيهِ سُقُوطُ الْوَاوِ.
-
وَمِنْهُ فِي آلِ عِمْرَانَ: {جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المنير} وفي فاطر:.
- ج ٣ ص ٢١٨
{جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} والفرق أن الأولى حذفت الباء ففيها للاختصار استغناء بالتي قبلها وخرجت عَنِ الْأَصْلِ لِلتَّوْكِيدِ وَتَقْدِيرُ الْمَعْنَى كَمَا تَقُولُ مَرَرْتُ بِكَ وَبِأَخِيكَ وَبِأَبِيكَ إِذَا اخْتَصَرْتَ.
-
وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ ثَمُودَ: {مَا أَنْتَ إِلَّا بشر مثلنا} وفي قصة شعيب: {وما أنت} بِالْوَاوِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأُولَى جَرَى عَلَى انْقِطَاعِ الكلام عند النحويين واستئناف {وما أنت} فَاسْتَغْنَى عَنِ الْوَاوِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنَ الِابْتِدَاءِ وَفِي الثَّانِيَةِ جَرَى فِي الْعَطْفِ وَأَنْ يَكُونَ قوله: {وما أنت} معطوفا على {إنما أنت} .
-
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يمكرون} وَفِي سُورَةِ النَّمْلِ: {وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ} بِإِثْبَاتِ النُّونِ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الْقِصَّةَ لَمَّا طَالَتْ فِي سُورَةِ النَّحْلِ نَاسَبَ التَّخْفِيفُ بِحَذْفِ النُّونِ بِخِلَافِهِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ فَإِنَّ الْوَاوَ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَا قَبْلَهَا.
-
وَقَوْلُهُ فِي البقرة: {فلا تكونن من الممترين} وَفِي آلِ عِمْرَانَ: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الْخِطَابَ فِي الْبَقَرَةِ لِلْيَهُودِ وَهُمْ أشد جدالا.
-
ومنه قوله في الأعراف: {لست بربكم قالوا بلى شهدنا} وفي الأنعام: {يا معشر الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شهدنا على أنفسنا} .
- ج ٣ ص ٢١٩
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ {وَيَقْتُلُونَ النبيين بغير الحق} ١ وفي سورة آل عمران {بغير حق} وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْجُمْلَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ وَهُوَ عَامٌّ فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ حَتَّى يَكُونَ عَامًّا وَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ جَاءَ عَنْ أُنَاسٍ مَعْهُودِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق} فَنَاسَبَ أَنْ يُؤْتَى بِالتَّعْرِيفِ لِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي كَانَ يُسْتَبَاحُ بِهِ قَتْلُ الْأَنْفُسِ عِنْدَهُمْ كَانَ مَعْرُوفًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس} فَالْحَقُّ هُنَا الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ الْأَنْفُسُ مَعْهُودٌ مَعْرُوفٌ بِخِلَافِ مَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
ومنه قوله تعالى في هُودٍ حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون} وَأَمَرَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لِقُرَيْشٍ {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تعلمون}
-
ويمكن أن يقال لما كررت مراجعته لقوم نَاسَبَ اخْتِصَاصَ قِصَّتِهِ بِالِاسْتِئْنَافِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ فِي الْإِنْذَارِ وَالْوَعِيدِ وَأَمَّا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ مُدَّةُ إِنْذَارِهِ لِقَوْمِهِ قَصِيرَةً فَعَقَّبَ عَمَلَهُمْ عَلَى مُكَافَأَتِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ بِالْفَاءِ إِشَارَةً إِلَى قُرْبِ نُزُولِ الْوَعِيدِ لَهُمْ بِخِلَافِ شُعَيْبٍ فَإِنَّهُ طَالَتْ مُدَّتُهُ فِي قَوْمِهِ فَاسْتَأْنَفَ لَهُمْ ذِكْرَ الْوَعِيدِ
وَلَعَلَّ قَوْمَ شُعَيْبٍ سَأَلُوهُ السُّؤَالَ الْمُتَقَدِّمَ فَأَجَابَهُمْ بِهَذَا الْجَوَابِ وَالْفَاءُ لَا تَحْسُنُ فِيهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ وَلَا يَحْسُنُ مَعَهُ الْحَذْفُ
وَمِنْهُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أليم}
- ج ٣ ص ٢٢٠
عذاب أليم} ، إلى أن قال: {يغفر لكم ذنوبكم} ، وَقَالَ فِي خِطَابِ الْكَافِرِينَ: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ من ذنوبكم} ، {يا قومنا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ من ذنوبكم} .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: مَا عَلِمْتُهُ جَاءَ الْخِطَابُ هَكَذَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي خِطَابِ الْكَافِرِينَ وَكَانَ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ وَلِئَلَّا يُسَوَّى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمِيعَادِ.
-
وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بِأَنَّ هَذَا التَّبْعِيضَ إِنْ حَصَلَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ هَذَا الجواب وإن لم يحصل كان هذاالكلام فَاسِدًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ أَبُو حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِهِ: وَيُقَالُ: مَا فَائِدَةُ الْفَرْقِ فِي الْخِطَابِ وَالْمَعْنَى مُشْتَرَكٌ؟ إِذِ الْكَافِرُ إِذَا آمَنَ وَالْمُؤْمِنُ إِذَا تَابَ مُشْتَرِكَانِ فِي الْغُفْرَانِ وَمَا تخيلت فيه مغفرة بعض الذنوب منالكافر إِذَا هُوَ آمَنَ مَوْجُودٌ فِي الْمُؤْمِنِ إِذَا تَابَ.
-
وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي آخر الكتاب.
-
الْإِيجَازُ.
-
وَهُوَ قِسْمٌ مِنَ الْحَذْفِ وَيُسَمَّى إِيجَازَ الْقَصْرِ فَإِنَّ الْإِيجَازَ عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ وَجِيزٌ بِلَفْظٍ ووجيز بحذف.
- ج ٣ ص ٢٢١
فَالْوَجِيزُ بِاللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المعنى أقل من القدرالمعهود عَادَةً وَسَبَبُ حُسْنِهِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّمَكُّنِ فِي الْفَصَاحَةِ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: " أوتيت جوامع الكلم " .و.
-
اللفظ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِمَعْنَاهُ وَهُوَ الْمُقَدَّرُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ وَهُوَ الْمَقْصُورُ.
-
أَمَّا الْمُقَدَّرُ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بالعدل والإحسان} الآية.
-
وقوله: {قتل الإنسان ما أكفره} وَهُوَ كَثِيرٌ.
-
وَأَمَّا الْمَقْصُورُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُ لَفْظِهِ عَنْ مَعْنَاهُ لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَعَانٍ كثيرة أولا.
-
الْأَوَّلُ: كَاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي لَهُ مَجَازَانِ، أَوْ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ إِذَا أُرِيدَ مَعَانِيهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي} فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ مُغَايِرَةٌ لِلصَّلَاةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الِاعْتِنَاءُ وَالتَّعْظِيمُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} الْآيَةَ. فَإِنَّ السُّجُودَ فِي الْكُلِّ يَجْمَعُهُ مَعْنًى وَاحِدٌ وَهُوَ الِانْقِيَادُ.
-
وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} .
-
وقوله: {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} .
- ج ٣ ص ٢٢٢
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} إِذْ مَعْنَاهُ كَبِيرٌ وَلَفْظُهُ يَسِيرٌ.
-
وَقَدْ نُظِرَ لِقَوْلِ الْعَرَبِ: " الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ " وَهُوَ بِنُونٍ ثُمَّ فَاءٍ وَيُرْوَى بِتَاءٍ ثُمَّ قَافٍ وَيُرْوَى " أَوْقَى " وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا أُقِيمَ وَتَحَقَّقَ حُكْمُهُ خَافَ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ وَقَدْ حَكَاهُ الْحَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ علي بن أبي طالب وَقَالَ: قَوْلُ عَلِيٍّ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى بَلَاغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَأَبْلَغُ مِنْهُ قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} وقد تكلموا في وجه الأبلغية. انتهى.
-
وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ "الْمَثَلِ السَّائِرِ" إِلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا نِسْبَةَ بَيْنَ كَلَامِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَلَامِ الْمَخْلُوقِ وَإِنَّمَا الْعُلَمَاءُ يَقْدَحُونَ أَذْهَانَهُمْ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
-
وَهُوَ كَمَا قَالَ وَكَيْفَ يُقَابَلُ الْمُعْجِزُ بِغَيْرِهِ مُفَاضَلَةً وَهُوَ مِنْهُ فِي مَرْتَبَةِ الْعَجْزِ عَنْ إِدْرَاكِهِ:
وَمَاذَا يَقُولُ الْقَائِلُونَ إِذَا بَدَا جَمَالُ خِطَابٍ فَاتَ فَهْمَ الْخَلَائِقِ
وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ وُجُوهٌ: .
-
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: {الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} أَوْجَزُ فَإِنَّ حُرُوفَهُ عَشْرَةٌ وَحُرُوفُ "الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ" أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَالتَّاءُ وَأَلِفُ الْوَصْلِ سَاقِطَانِ لَفْظًا وَكَذَا التَّنْوِينُ لِتَمَامِ الْكَلَامِ الْمُقْتَضِي لِلْوَقْفِ.
-
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ فِيهِ كُلْفَةٌ بِتَكْرِيرِ الْقَتْلِ وَلَا تَكْرِيرَ فِي الْآيَةِ.
-
الثَّالِثُ: أَنَّ لَفْظَ الْقِصَاصِ فِيهِ حُرُوفٌ مُتَلَائِمَةٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْقَافِ إِلَى الصَّادِ إِذِ الْقَافُ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ وَالصَّادُ مِنْ حُرُوفِ الاستعلاء والإطباق،.
- ج ٣ ص ٢٢٣
بِخِلَافِ الْخُرُوجِ مِنَ الْقَافِ إِلَى التَّاءِ الَّتِي هي حرف منخفض فهو غير ملائم وَكَذَا الْخُرُوجُ مِنَ الصَّادِ إِلَى الْحَاءِ أَحْسَنُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ اللَّامِ إِلَى الْهَمْزَةِ لِبُعْدِ مادون طَرَفِ اللِّسَانِ وَأَقْصَى الْحَلْقِ.
-
الرَّابِعُ: فِي النُّطْقِ بِالصَّادِ وَالْحَاءِ وَالتَّاءِ حُسْنُ الصَّوْتِ وَلَا كَذَلِكَ تَكْرِيرُ الْقَافِ وَالْفَاءِ.
-
الْخَامِسُ: تَكْرِيرُ ذَلِكَ فِي كَلِمَتَيْنِ مُتَمَاثِلَتَيْنِ بَعْدَ فَصْلٍ طَوِيلٍ وَهُوَ ثِقَلٌ فِي الْحُرُوفِ أَوِ الْكَلِمَاتِ.
-
السَّادِسُ: الْإِثْبَاتُ أَوَّلٌ وَالنَّفْيُ ثَانٍ عَنْهُ وَالْإِثْبَاتُ أَشْرَفُ.