النوع الخامس: علم المتشابه

١١١ فقرة، ج ١ ص ١١٢

الصفحة ١ من ٣

  1. وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَنَظَّمَهُ السَّخَاوِيُّ وَصَنَّفَ في توجيهه الكرماني كتاب البرهان والرازي دُرَّةُ التَّأْوِيلِ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ أَبْسَطُهَا فِي مُجَلَّدَيْنِ

    وَهُوَ إِيرَادُ الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي صُوَرٍ شَتَّى وَفَوَاصِلَ مُخْتَلِفَةٍ وَيَكْثُرُ فِي إِيرَادِ الْقَصَصِ وَالْأَنْبَاءِ وَحِكْمَتُهُ التَّصَرُّفُ فِي الْكَلَامِ وَإِتْيَانُهُ عَلَى ضُرُوبٍ لِيُعْلِمَهُمْ عَجْزَهُمْ عَنْ جَمِيعِ طُرُقِ ذَلِكَ مُبْتَدَأً بِهِ وَمُتَكَرِّرًا وَأَكْثَرُ أَحْكَامِهِ تَثْبُتُ مِنْ وَجْهَيْنِ فَلِهَذَا جَاءَ بِاعْتِبَارَيْنِ

    وَفِيهِ فصول

    ج ١ ص ١١٢
  2. الفصل الأول: المتشابه باعتبار الأفراد
  3. الْأَوَّلُ: بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ:
  4. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ عَلَى نَظْمٍ وفي آخَرَ عَلَى عَكْسِهِ وَهُوَ يُشْبِهُ رَدَّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ كَثِيرٌ فَفِي الْبَقَرَةِ {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} وَفِي الْأَعْرَافِ {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}

    ج ١ ص ١١٣
  5. وفي البقرة {والنصارى والصابئين} وفي الحج: {والصابئين والنصارى}

  6. في البقرة والأنعام {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} وَفِي آلِ عِمْرَانَ {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} في البقرة: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} وفي الحج {شهيدا عليكم}

  7. فِي الْبَقَرَةِ {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} وباقي القرآن {لغير الله به}

  8. فِي الْبَقَرَةِ {لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كسبوا} وفي إبراهيم {مما كسبوا على شيء}

    ج ١ ص ١١٤
  9. في آل عمران {ولتطمئن قلوبكم به} وفي الأنفال {ولتطمئن به قلوبكم}

  10. فِي النِّسَاءِ {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} وَفِي الْمَائِدَةِ {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ}

  11. فِي الْأَنْعَامِ {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كل شيءء} وَفِي حم الْمُؤْمِنِ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إله إلا هو}

  12. في الأنعام {نحن نرزقكم وإياهم} وفي بني إسرائيل {نرزقهم وإياكم}

  13. في النحل {وترى الفلك مواخر فيهر} وفي فاطر {فيه مواخر}

  14. فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن} وفي الكهف {في هذا القرآن للناس}

  15. فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بيني وبينكم} وفي العنكبوت {بيني وبينكم شهيدا}

  16. فِي الْمُؤْمِنِينَ {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قبل} وَفِي النَّمْلِ {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قبل}

    ج ١ ص ١١٥
  17. فِي الْقَصَصِ: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يسعى} وَفِي يس {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى}

  18. فِي آلِ عِمْرَانَ {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} وَفِي كهيعص {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ من الكبر عتيا}

  19. الثَّانِي: مَا يُشْتَبَهُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ

    فَفِي الْبَقَرَةِ {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}

  20. وفي يس {سواء} بِزِيَادَةِ وَاوٍ لِأَنَّ مَا فِي الْبَقَرَةِ جُمْلَةٌ هِيَ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ إِنَّ وَمَا فِي يس جملة عطفت بالواو على جملة

    في البقرة {فأتوا بسورة من مثله} وَفِي غَيْرِهَا بِإِسْقَاطِ {مِنْ} لِأَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ وَلَمَّا كَانَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ سَنَامَ الْقُرْآنِ وَأَوَّلَهُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ حَسُنَ دُخُولُ {مِنْ} فِيهَا لِيُعْلَمَ أَنَّ التَّحَدِّيَ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَهَا {مِنْ} لَكَانَ التَّحَدِّي وَاقِعًا عَلَى بَعْضِ السُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بالسهل

    في البقرة: {فمن تبع هداي} وفي طه: {فمن تبع هداي} لأجل قوله هناك {يتبعون الداعي}

  21. في البقرة: {يذبحون} بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ: {يَسُومُونَكُمْ} ومثله في الأعراف: {يقتلون} وفي إبراهيم {ويذبحون} بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يعدد الْمِحَنَ عَلَيْهِمْ

    فِي الْبَقَرَةِ: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يظلمون} وفي آل عمران: {ولكن أنفسهم يظلمون}

    ج ١ ص ١١٦
  22. فِي الْبَقَرَةِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومن كان مريضا} ثم قال: {فمن كان منكم مريضا}

  23. فِي الْبَقَرَةِ {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بما تعملون خبير} وسائر ما في القرآن بإسقاط من وَفِيهَا: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يزكيهم} وَفِي آلِ عِمْرَانَ: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم}

    قَالُوا: وَجَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ السُّؤَالِ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ الْجَوَابُ بِالْفَاءِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي طه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ ينسفها ربي نسفا} الْآيَةَ لِأَنَّ الْأَجْوِبَةَ فِي الْجَمِيعِ كَانَتْ بَعْدَ السُّؤَالِ وَفِي طه كَانَتْ قَبْلَ السُّؤَالِ وَكَأَنَّهُ قبل إِنْ سُئِلْتَ عَنِ الْجَوَابِ فَقُلْ فِي الْأَعْرَافِ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا} بِغَيْرِ وَاوٍ وَلَيْسَ فِي القرآن غيره

    ج ١ ص ١١٧في البقرة: {ويكون الدين لله} وفي الأنفال: {كله لله} في آل عمران: {اشهدوا بأنا مسلمون} وفي المائدة: {بأننا مسلمون} فِي آلِ عِمْرَانَ: {جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المنير} بِبَاءٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وفي فاطر {بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} بِثَلَاثِ بَاءَاتٍ، فِي آلِ عِمْرَانَ {هَا أَنْتُمْ أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} وَسَائِرُ مَا فِي الْقُرْآنِ {هَؤُلَاءِ} بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ، فِي النِّسَاءِ: {خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} بالواو وفي: {براءة} {ذلك} بِغَيْرِ وَاوٍ. فِي النِّسَاءِ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} وفي المائدة بزيادة: {منه} فِي الْأَنْعَامِ: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لكم إني ملك} فَكَرَّرَ: {لِكُمْ} وَقَالَ فِي هُودٍ: {وَلَا أَقُولُ لكم إني ملك} لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ لَكُمْ فِي قِصَّتِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين}

  24. وفي القلم: {بمن ضل عن سبيله} بِزِيَادَةِ الْبَاءِ وَلَفْظِ الْمَاضِي وَفِي النَّجْمِ {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بمن اهتدى} فِي الْأَنْعَامِ {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وما نحن بمبعوثين} وفي سورة المؤمنين بِزِيَادَةِ نَمُوتُ وَفِيهَا أَيْضًا: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} لَيْسَ فِيهَا غَيْرُهُ وَفِيهَا {جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} وفي فاطر {خلائف في الأرض} بِإِثْبَاتِ {فِي} ، فِي الْأَعْرَافِ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تسجد} وفي ص: {أن تسجد} وفي الحجر: {ألا تكون مع الساجدين} فَزَادَ: {لَا} فِي الْأَعْرَافِ: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فإذا جاء أجلهم} بِالْفَاءِ وَكَذَا حَيْثُ وَقَعَ إِلَّا فِي يُونُسَ فِي الْأَعْرَافِ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} بغير واو وفي المؤمنين وهود: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} بِالْوَاوِ فِي الْأَعْرَافِ: {كَذَّبُوا مِنْ قبل} وفي يونس بزيادة {به} {كذبوا به من قبل} فِي الْأَعْرَافِ: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} وفي الشعراء بزيادة: {بسحره}

    ج ١ ص ١١٨
  25. فِي هُودٍ: {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا} وفي إبراهيم: {وإنا لفي شك مما تدعونا} في يوسف: {وما أرسلنا من قبلك} وفي الأنبياء: {وما أرسلنا قبلك} فِي النَّحْلِ: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} وفي العنكبوت: {من بعد موتها} وكذلك حذف من من قوله: {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} وفي الحج: {من بعد علم شيئا} فِي الْحَجِّ: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أعيدوا فيها} وفي السجدة: {منها أعيدوا فيها} في النمل: {وألق عصاك} وفي القصص: {وأن ألق عصاك} فِي الْعَنْكَبُوتِ: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا} وفي هود: {ولما جاءت} بغير أن

    ج ١ ص ١٢٠فِي الْعَنْكَبُوتِ: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ موتها} بِزِيَادَةِ {مِنْ} لَيْسَ غَيْرَهُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ: {إن الساعة لآتية} وفي طه: {آتية} فِي النَّحْلِ: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وفي الأعراف {من دونه} فِي الْمُؤْمِنِينَ: {مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مبين} وفي المؤمن بإسقاط ذكر الأخ في البقرة: {يذبحون أبناءكم} وفي سورة إبراهيم: {ويذبحون} بِالْوَاوِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ تَقَدَّمَ: {وذكرهم بأيام الله} وَهِيَ أَوْقَاتُ عُقُوبَاتٍ إِلَى أَنْ قَالَ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} وَاللَّائِقُ أَنْ يُعَدِّدَ امْتِحَانَهُمْ تَعْدِيدًا يُؤْذِنُ بِصِدْقِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ لِتَكْثِيرِ الْمِنَّةِ وَلِذَلِكَ أَتَى بِالْعَاطِفِ لِيُؤْذِنَ بِأَنْ إِسَامَتَهُمُ الْعَذَابَ مُغَايِرٌ لِتَذْبِيحِ الْأَبْنَاءِ وَسَبْيِ النِّسَاءِ وَهُوَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّسْخِيرِ بِخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَقَرَةِ فَإِنَّ مَا بَعْدَ: {يَسُومُونَكُمْ} تَفْسِيرٌ لَهُ فَلَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ وَلِأَجْلِ مُطَابَقَةِ السَّابِقِ جَاءَ فِي الْأَعْرَافِ: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ} ليطابق: {سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم}

    ج ١ ص ١١٩
  26. الثالث: التقديم وَالتَّأْخِيرِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ وَمِنْهُ فِي الْبَقَرَةِ: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ

    ج ١ ص ١٢١آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} مؤخر وما سواه: {يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}

  27. وَمِنْهُ تَقْدِيمُ اللَّعِبِ عَلَى اللَّهْوِ فِي مَوْضِعَيْنِ من سورة الأنعام وَكَذَلِكَ فِي الْقِتَالِ وَالْحَدِيدِ

    وَقَدَّمَ اللَّهْوَ عَلَى اللعب في الأعراف والعنكبوت وَإِنَّمَا قَدَّمَ اللَّعِبَ فِي الْأَكْثَرِ لِأَنَّ اللَّعِبَ زَمَانُ الصِّبَا وَاللَّهْوَ زَمَانُ الشَّبَابِ وَزَمَانُ الصِّبَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى زَمَانِ اللَّهْوِ

    تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ في الحدي: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب} أَيْ كَلَعِبِ الصِّبْيَانِ: {وَلَهْوٌ} أَيْ كَلَهْوِ الشَّبَابِ: {وزينة} كزينة النساء: {وتفاخر} كَتَفَاخُرِ الْإِخْوَانِ: {وَتَكَاثُرٌ} كَتَكَاثُرِ السُّلْطَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي تَقْدِيمِ اللَّعِبِ عَلَى اللَّهْوِ قَوْلُهُ: {وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لدنا إن كنا فاعلين}

  28. وَقَدَّمَ اللَّهْوَ فِي الْأَعْرَافِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَذَكَرَ عَلَى تَرْتِيبِ مَا انْقَضَى وَبَدَأَ بِمَا بِهِ الْإِنْسَانُ انْتَهَى مِنَ الْحَالَيْنِ

    وَأَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَالْمُرَادُ بِذِكْرِهِمَا زَمَانُ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ سَرِيعُ الِانْقِضَاءِ قَلِيلُ الْبَقَاءِ: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الحيوان} أَيِ الْحَيَاةُ الَّتِي لَا أَبَدَ لَهَا وَلَا نِهَايَةَ لِأَبَدِهَا فَبَدَأَ بِذِكْرِ اللَّهْوِ لِأَنَّهُ فِي زَمَانِ الشَّبَابِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ زَمَانِ اللَّعِبِ وَهُوَ زَمَانُ الصِّبَا

    ج ١ ص ١٢٢وَمِنْهُ تَقْدِيمُ لَفْظِ الضَّرَرِ عَلَى النَّفْعِ فِي الأكثر لأن العابد يعبد معبودا خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ أَوَّلًا ثُمَّ طَمَعًا فِي ثَوَابِهِ

    وَحَيْثُ تَقَدَّمَ النَّفْعُ عَلَى الضُّرِّ فَلِتَقَدُّمِ مَا يَتَضَمَّنُ النَّفْعَ وَذَلِكَ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا بِلَفْظِ الِاسْمِ وَهِيَ فِي الْأَعْرَافِ والرعد وسبأ وَأَرْبَعَةٌ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَهِيَ فِي الْأَنْعَامِ: {مَا لا ينفعنا ولا يضرنا} وَفِي آخِرِ يُونُسَ: {مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يضرك} وَفِي الْأَنْبِيَاءِ: {مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يضركم} وَفِي الْفُرْقَانِ: {مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ} أَمَّا فِي الْأَعْرَافِ فَلِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: {مَنْ يَهْدِ الله فهو المهتدي ومن يضلل} فَقَدَّمَ الْهِدَايَةَ عَلَى الضَّلَالِ وَبَعْدَ ذَلِكَ: {لَاسْتَكْثَرْتُ من الخير وما مسني السوء} فقدم الخير على السوء وكذا قَدَّمَ النَّفْعَ عَلَى الضُّرِّ أَمَّا فِي الرَّعْدِ فَلِتَقَدُّمِ الطَّوْعِ فِي قَوْلِهِ: {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} أما فِي سَبَأٍ فَلِتَقَدُّمِ الْبَسْطِ فِي قَوْلِهِ: {يَبْسُطُ الرزق لمن يشاء ويقدر} وَفِي يُونُسَ قَدَّمَ الضُّرَّ عَلَى الْأَصْلِ وَلِمُوَافَقَةِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ فِيهَا: {مَا لَا يَضُرُّهُمْ ولا

    ج ١ ص ١٢٣ينفعهم} وفيها: {وإذا مس الأنسان الضر} فَتَكُونُ الْآيَةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

    وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ فَلِسَابِقَةِ مَعْنًى يَتَضَمَّنُ نَفْعًا

    أَمَّا الْأَنْعَامُ فَفِيهَا: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يؤخذ منها} ثُمَّ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} وَفِي يُونُسَ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} ثُمَّ قَالَ: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا ينفعك ولا يضرك} وَفِي الْأَنْبِيَاءِ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْكُفَّارِ لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْمُجَادَلَةِ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شيئا ولا يضركم} وَفِي الْفُرْقَانِ تَقَدَّمَ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} نِعَمًا جَمَّةً فِي الْآيَاتِ ثُمَّ قَالَ: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يضرهم}

  29. فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الْمُطَّرِدَةَ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ اتِّسَاقًا مِنَ الْعُقُودِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عدل} ثم قال سبحانه فِي السُّورَةِ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئا} الآيةوفيها سؤالان:

    ج ١ ص ١٢٤أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأُولَى قَدَّمَ نَفْيَ قَبُولِ الشَّفَاعَةِ عَلَى أَخْذِ الْعَدْلِ وَفِي الثَّانِي قَدَّمَ نَفْيَ قَبُولِ الْعَدْلِ عَلَى الشَّفَاعَةِ

    السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ فِي الْأُولَى: {ولا يقبل منها شفاعة} وفي الثانية: {ولا تنفعها شفاعة} فَغَايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَهَلْ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ بَابِ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ وَالتَّنَقُّلِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ؟

  30. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقُرْآنَ الْحَكِيمَ وَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَى النَّقْلِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ لَكِنَّهُ يَشْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى فَائِدَةٍ وَحِكْمَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فصلت من لدن حكيم خبير} وَلَمْ يَقُلْ مِنْ رَحْمَنٍ وَلَا رَحِيمٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ كِلَاهُمَا فِي حَقِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ أَبْنَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَبْنَاءُ أَبْنَائِهِمْ وَسَيَشْفَعُ لَنَا آبَاؤُنَا فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا تَنْفَعُهُمُ الشَّفَاعَةُ وَلَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا

    وَتَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَجَابَ عَنْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهَا

    وَذَكَرَ اللَّهُ فِي الْآيَتَيْنِ النَّفْسَ مُتَكَرِّرَةً ثُمَّ أَتَى بِضَمِيرٍ يُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ إِلَى الْأُولَى أَوْ إِلَى الثَّانِيَةِ وَإِنْ كَانَتِ الْقَاعِدَةُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى الْأَقْرَبِ وَلَكِنْ قَدْ يَعُودُ إِلَى غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} فَالضَّمِيرُ فِي التَّعْزِيرِ وَالتَّوْقِيرِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي التَّسْبِيحِ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ الْأَقْرَبِ

    إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ في الأولى {ولا يقبل منها شفاعة} الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى

    ج ١ ص ١٢٥النَّفْسِ الْأُولَى وَهِيَ الشَّفَاعَةُ لِغَيْرِهَا

    فَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرَ الشَّفَاعَةِ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أَخْبَرَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِلْمَشْفُوعِ احْتِقَارًا لَهُ وَعَدَمَ الِاحْتِفَاءِ بِهِ وَهَذَا الْخَبَرُ يَكُونُ بَاعِثًا لِلسَّامِعِ فِي تَرْكِ الشَّفَاعَةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمَشْفُوعَ عِنْدَهُ لَا يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة} لو شَفَعَتْ يَعْنِي وَهُمْ لَا يَشْفَعُونَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُؤَيِّسًا لَهُمْ فِيمَا زَعَمُوا أَنَّ آبَاءَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَنْفَعُونَهُمْ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ مِنْهُمْ

    وَقَوْلُهُ: {وَلَا يؤخذ منها عدل} إِنْ جَعَلْنَا الضَّمِيرَ فِي: {مِنْهَا} رَاجِعًا إِلَى الشَّافِعِ أَيْضًا فَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ الشَّافِعَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ شَيْئًا لِيَكُونَ مُؤَكِّدًا لِقَبُولِ شَفَاعَتِهِ فَمِنْ هَذَا قَدَّمَ ذِكْرَ الشَّفَاعَةِ عَلَى دَفْعِ الْعَدْلِ وَإِنْ جَعْلَنَا الضَّمِيرَ رَاجِعًا إِلَى الْمَشْفُوعِ فِيهِ فَهُوَ أَحْرَى بِالتَّأْخِيرِ لِيَكُونَ الشَّافِعُ قَدْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ شَفَاعَتَهُ قَدْ قُبِلَتْ فَتَقْدِيمُ الْعَدْلِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُؤَسِّسًا لِحُصُولِ مَقْصُودِ الشَّفَاعَةِ وَهُوَ ثَمَرَتُهَا لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ

    وَأَمَّا الْآيَةَ الثَّانِيَةُ: فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ {مِنْهَا عَدْلٌ} رَاجِعٌ إِلَى النَّفْسِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ النَّفْسُ الَّتِي هِيَ صَاحِبَةُ الْجَرِيمَةِ فَلَا يُقْبَلُ منها عدل لأن العادة بَذْلَ الْعَدْلِ مِنْ صَاحِبِ الْجَرِيمَةِ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى الشَّفَاعَةِ فِيهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ فَنَاسَبَ ذَلِكَ تَقْدِيمَ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْفِدْيَةُ مِنَ الْمَشْفُوعِ لَهُ عَلَى الشَّفَاعَةِ

    فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّ النَّفْسَ الْمَطْلُوبَةَ بِجُرْمِهَا لَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ عَنْ نَفْسِهَا ولا تنفعها شفاعة شافع فيها وقد بَذْلَ الْعَدْلِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الشَّفَاعَةِ عِنْدَ مَنْ طُلِبَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْأُولَى {ولا يقبل منها شفاعة} وفي الثانية: {ولا تنفعها شفاعة} لأن الشفاعة إنما تقبل من الشافع وتنفع المشفوع له

    ج ١ ص ١٢٦وقال الراغب إنما كرر {لا} فيهما عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ بِالْوَاعِظِ إِذَا وَعَظَ لِأَمْرٍ فَإِنَّهُ يُكَرِّرُ اللَّفْظَ لِأَجْلِهِ تَعْظِيمًا لِلْآمِرِ قَالَ وأما تغييره النظم فلما كان قبول وَأَخْذُهُ وَقَبُولُ الشَّفَاعَةِ وَنَفْعُهَا مُتَلَازِمَةً لَمْ يَكُنْ بَيْنَ اتِّفَاقِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَاخْتِلَافِهَا فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى

    وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ لَمَّا كَانَ النَّاسُ مُتَفَاوِتِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يُشْفَعَ فِيهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَدْلِ الَّذِي يُخْرِجُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْعَدْلَ مُقَدَّمًا عَلَى الشَّفَاعَةِ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْقِسْمَيْنِ فَقَدَّمَ الشَّفَاعَةَ بِاعْتِبَارِ طَائِفَةٍ وَقَدَّمَ الْعَدْلَ بِاعْتِبَارِ أُخْرَى

  31. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى الظَّاهِرُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا نَفَى قَبُولَ الشَّفَاعَةِ لَا نَفْعَهَا وَنَفَى أَصْلَ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْفِدَاءُ وَبَدَأَ بِالشَّفَاعَةِ لِتَيْسِيرِهَا عَلَى الطَّالِبِ أَكْثَرَ مِنْ تَحْصِيلِ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْفِدَاءُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَمَّا تَقَرَّرَ زِيَادَةُ تَأْكِيدِهَا بَدَأَ فِيهَا بِالْأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ الْخَلَاصُ بِالْعَدْلِ وَثَنَّى بِنَفْعِ الشَّفَاعَةِ فقال: {ولا تنفعها شفاعة} وَلَمْ يَقُلْ لَا تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَإِنْ كَانَ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ قَبُولِهَا لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ تَكُونُ نَافِعَةً غَيْرَ مَقْبُولَةٍ وَتَنْفَعُ لِأَغْرَاضٍ مِنْ وَعْدٍ بِخَيْرٍ وَإِبْدَالِ الْمَشْفُوعِ بِغَيْرِهِ فَنَفْيُ النَّفْعِ أَعَمُّ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نَفْيِ الْقَبُولِ وَنَفْيِ النَّفْعِ بِالشَّفَاعَةِ تَلَازُمٌ كَمَا ادَّعَاهُ الرَّاغِبُ وَكَانَ التَّقْدِيرُ بِالْفِدَاءِ الَّذِي هُوَ نَفْيُ قَبُولِ الْعَدْلِ وَنَفْيُ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ شَيْئَيْنِ مُؤَكِّدَيْنِ لِاسْتِقْرَارِ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ

    وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْيَ الشَّفَاعَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ نَفْيُ قَبُولِهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَخْبَرَ بِنَفْيِ النَّفْعِ لَا بِنَفْيِ الْقَبُولِ فَقَالَ: {فَمَا تنفعهم شفاعة الشافعين} وقال: {ولا تنفع الشفاعة عنده} الْآيَةَ

    وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَفَعْتَ عَمَّكَ

    ج ١ ص ١٢٧أَبَا طَالِبٍ؟ فَقَالَ: "وَجَدْتُهُ فَنَقَلْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ" مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشَفَّعُ فِيه فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} فَنَفَى الشَّفَاعَةَ وَلَمْ يَنْفِ نَفْعَهَا

    قِيلَ: مِنْ بَابِ زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ أَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَسْبَابَ الْمُنْجِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَنَفَاهَا هُنَاكَ وَهِيَ إِمَّا الْبَيْعُ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ الْإِنْسَانُ إِلَى الْمَقَاصِدِ أَوِ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ كَمَالُ الْمَحَبَّةِ وَبَدَأَ بِنَفْيِ الْمَحَبَّةِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ وُقُوعًا مِنَ الصَّدَاقَةِ وَالْمُخَالَّةِ وَثَنَّى بِنَفْيِ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِنَيْلِ الْأَغْرَاضِ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا وَذَكَرَ ثَالِثًا نَفْيَ الشَّفَاعَةِ أَصْلًا وَهِيَ أَبْلَغُ مِنْ نَفْيِ قَبُولِهَا فَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى تَكْرَارِ الْجُمَلِ فِي الْآيَاتِ لِيُفِيدَ قُوَّةَ الدَّلَالَةِ

    الرَّابِعُ: بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ كَقَوْلِهِ فِي الْبَقَرَةِ: {ويقتلون النبيين بغير الحق} وفي آل عمران: {بغير حق} وقوله في البقرة: {هذا بلدا آمنا} وفي سورة إبراهيم {هذا بلدا آمنا} لِأَنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى قَوْلِهِ: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زرع} وَيَكُونُ {بَلَدًا} هُنَا هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي وَ: {آمَنَّا} صِفَتُهُ وَفِي إِبْرَاهِيمَ: {الْبَلَدَ} مَفْعُولٌ أَوَّلُ وَ: {آمَنَّا} الثَّانِي وَقَوْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحكيم} وفي الأنفال: {إن الله عزيز حكيم} وَقَوْلُهُ فِي حم السَّجْدَةِ: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هو السميع العليم} وفي الأعراف:

    ج ١ ص ١٢٨{إنه سميع عليم} لِأَنَّهَا فِي حم مُؤَكَّدَةٌ بِالتَّكْرَارِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا يلقاها إلا الذين صبروا} فَبَالَغَ بِالتَّعْرِيفِ وَلَيْسَ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فَجَاءَ عَلَى الْأَصْلِ الْمُخْبَرُ عَنْهُ مَعْرِفَةٌ وَالْخَبَرُ نَكِرَةٌ

    الْخَامِسُ بِالْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} وفي آل عمران: {معدودات}

  32. لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَمْعِ إِذَا كَانَ وَاحِدُهُ مذكر أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْوَصْفِ عَلَى التَّأْنِيثِ نَحْوُ: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مبثوثة} فَجَاءَ فِي الْبَقَرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَفِي آلِ عِمْرَانَ عَلَى الْفَرْعِ

    السَّادِسُ: إِبْدَالُ حَرْفٍ بِحَرْفِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ: {اسْكُنْ أَنْتَ وزوجك الجنة وكلا} بالواو وفي الأعراف: {فكلا} بالفاء وحكمته أَنَّ: {اسْكُنْ} فِي الْبَقَرَةِ مِنَ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ الْإِقَامَةُ فَلَمْ يَصْلُحْ إِلَّا بِالْوَاوِ وَلَوْ جَاءَتِ الْفَاءُ لَوَجَبَ تَأْخِيرُ الْأَكْلِ إِلَى الْفَرَاغِ مِنَ الْإِقَامَةِ وَالَّذِي فِي الْأَعْرَافِ مِنَ الْمَسْكَنِ وَهُوَ اتِّخَاذُ الْمَوْضِعِ سَكَنًا فَكَانَتِ الْفَاءُ أَوْلَى لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسْكَنِ لَا يَسْتَدْعِي زَمَنًا مُتَجَدِّدًا وزاد في البقرة: {رغدا} لقوله: {وَقُلْنَا} بِخِلَافِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ فَإِنَّ فِيهَا: {قَالَ} وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا فِي الْأَعْرَافِ خِطَابٌ لَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَمَا فِي الْبَقَرَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ

    وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا} بالفاء وفي الأعراف بالواو

    ج ١ ص ١٢٩فِي الْبَقَرَةِ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءك من العلم} ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {مِنْ بَعْدِ مَا جاءك}

  33. فِي الْبَقَرَةِ: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هم ينصرون} . وفي غيرها: {ولا هم ينظرون}

  34. في البقرة: {وما أنزل إلينا} ، وفي آل عمران: {علينا}

  35. فِي الْأَنْعَامِ: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظروا} ، وَفِي غَيْرِهَا: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا}

  36. في الأعراف: {وما كان جواب قومه} بِالْوَاوِ وَفِي غَيْرِهَا بِالْفَاءِ.

  37. فِي الْأَعْرَافِ: {آمَنْتُمْ به} وفي الباقي: {آمنتم له}

  38. فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} وفى لقمان: {إلى أجل مسمى} لَا ثَانِيَ لَهُ

    فِي الْكَهْفِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها} ، وفي السجدة: {ثم أعرض عنها}

  39. في طه: {أفلم يهد لهم} ، بالفاء وفي السجدة: {أولم يهد}

  40. في القصص: {وما أوتيتم من شيء} ، وفي الشورى: {فما أوتيتم} بِالْفَاءِ

    فِي الطُّورِ: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، و: {واصبر لحكم ربك} ،

    بِالْوَاوِ فِيهِمَا وَفِي الصَّافَّاتِ: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بعض} ، وفي القلم: {فاصبر لحكم

    ربك} ، بالفاء فيهما كما أن: {وبئس القرار} ، و {ويذبحون} بِالْوَاوِ

    فِيهِمَا فِي إِبْرَاهِيمَ

    فِي الْأَعْرَافِ: {سُقْنَاهُ لبلد ميت} ، وفي فاطر: {إلى بلد}

    ج ١ ص ١٣٠