النوع الثامن: في خواتم السور
٣ فقرات، ج ١ ص ١٨٢
- ج ١ ص ١٨٢
وَهِيَ مِثْلُ الْفَوَاتِحِ فِي الْحُسْنِ لِأَنَّهَا آخِرُ مَا يَقْرَعُ الْأَسْمَاعَ فَلِهَذَا جَاءَتْ مُتَضَمِّنَةً لِلْمَعَانِي الْبَدِيعَةِ مَعَ إِيذَانِ السَّامِعِ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ حَتَّى يَرْتَفِعَ مَعَهُ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إِلَى مَا يُذْكَرُ بَعْدُ
وَمِنْ أَوْضَحِهِ خَاتِمَةُ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ} وَخَاتِمَةُ سُورَةِ الْأَحْقَافِ: {بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا القوم الفاسقون} وَلِأَنَّهَا بَيْنَ أَدْعِيَةٍ وَوَصَايَا وَفَرَائِضَ وَمَوَاعِظَ وَتَحْمِيدٍ وَتَهْلِيلٍ وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَتَفْصِيلِ جُمْلَةِ الْمَطْلُوبِ فِي خَاتِمَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِذِ الْمَطْلُوبُ الْأَعْلَى الْإِيمَانُ الْمَحْفُوظُ مِنَ الْمَعَاصِي الْمُسَبِّبَةِ لِغَضَبِ اللَّهِ وَالضَّلَالِ فَفَصَّلَ جُمْلَةَ ذَلِكَ بُقُولِهِ {الذين أنعمت عليهم} وَالْمُرَادُ الْمُؤْمِنِينَ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْإِنْعَامَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ ليتناول كل إنعام لأن من أنعم عَلَيْهِ بِنِعْمَةِ الْإِيمَانِ فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِكُلِّ نِعْمَةٍ لِأَنَّ نِعْمَةَ الْإِيمَانِ مُسْتَتْبِعَةٌ لِجَمِيعِ النِّعَمِ ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضالين} يعني أنهم جمعوا بين النعمة الْمُطْلَقَةِ وَهِيَ نِعْمَةُ الْإِيمَانِ وَبَيْنَ السَّلَامَةِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَالضَّلَالِ الْمُسَبَّبَيْنِ عَنْ مَعَاصِيهِ وَتَعَدِّي حدوده
ج ١ ص ١٨٣وَكَالدُّعَاءِ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سورة البقرة
وَكَالْوَصَايَا الَّتِي خُتِمَتْ بِهَا سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ بِالصَّبْرِ عَلَى تَكَالِيفِ الدِّينِ وَالْمُصَابَرَةِ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ فِي الْجِهَادِ وَمُعَاقَبَتِهِمْ وَالصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الْحَرْبِ وَالْمُرَابَطَةِ فِي الْغَزْوِ الْمَحْضُوضِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} وَالتَّقْوَى الْمَوْعُودِ عَلَيْهَا بِالتَّوْفِيقِ فِي الْمَضَايِقِ وَسُهُولَةِ الرِّزْقِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} ، وَبِالْفَلَاحِ لِأَنَّ {لَعَلَّ} مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ
وَكَالْوَصَايَا والفرائض التي ختمت بها سورة النساء وَحَسُنَ الْخَتْمُ بِهَا لِأَنَّهَا آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْأَحْكَامِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
وَكَالتَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ الْمَائِدَةِ {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير} وَلِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْظِيمِ اخْتُيرَتْ مَا عَلَى مَنْ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَجْنَاسَ كُلَّهَا
وَكَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ سُورَةُ الْأَنْعَامِ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}
-
وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِ الْعِقَابِ بِالسُّرْعَةِ وَتَوْكِيدِ الرَّحْمَةِ بِالْكَلَامِ الْمُفِيدِ لِتَحْقِيقِ الوقوع
ج ١ ص ١٨٤وَكَالتَّحْرِيضِ عَلَى الْعِبَادَةِ بِوَصْفِ حَالِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِي ختمت به سورة الأعراف وَالْحَضِّ عَلَى الْجِهَادِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ الَّذِي خَتَمَ به الأنفال
وَوَصْفِ الرَّسُولِ وَمَدْحِهِ وَالِاعْتِدَادِ عَلَى الْأُمَمِ بِهِ وَتَسْلِيمِهِ وَوَصَّيْتِهِ وَالتَّهْلِيلِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ بَرَاءَةٌ
وَتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي خَتَمَ بِهَا سورة يونس ومثلها خاتمة هود وَوَصْفِ الْقُرْآنِ وَمَدْحِهِ الَّذِي خَتَمَ بِهِ سُورَةَ يوسف
وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ الَّذِي خَتَمَ به الرعد
ج ١ ص ١٨٥وَمَدْحِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ فَائِدَتِهِ وَالْعِلَّةِ فِي أَنَّهُ إله واحد الذي ختمت به إبراهيم ووصيته الرسول التي ختم بها الحجر وَتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ بِطُمَأْنِينَتِهِ وَوَعْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الَّذِي ختمت به النحل والتحميد الذي ختمت به سبحان وَتَحْضِيضِ الرَّسُولِ عَلَى الْبَلَاغِ وَالْإِقْرَارِ بِالتَّنْزِيهِ وَالْأَمْرِ بالتوحيد الذي ختمت به الكهف وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى نِصْفِ الْقُرْآنِ لِيَكُونَ مِثَالًا لمن نظر في بقيته
فصل: في مناسبة فواتح السور وخواتمها
وَمِنْ أَسْرَارِهِ مُنَاسَبَةُ فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَخَوَاتِمِهَا وَتَأَمُّلْ سُورَةَ الْقَصَصِ وَبُدَاءَتِهَا بِقِصَّةِ مَبْدَأِ أَمْرِ مُوسَى ونصرته وقوله: {فلن أكون ظهيرا للمجرمين} وَخُرُوجِهِ مِنْ وَطَنِهِ وَنُصْرَتِهِ وَإِسْعَافِهِ بِالْمُكَالَمَةِ وَخَتْمِهَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلَّا يكون ظهيرا
ج ١ ص ١٨٦لِلْكَافِرِينَ وَتَسْلِيَتِهِ بِخُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ وَالْوَعْدِ بِعَوْدِهِ إليها بقوله {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى معاد}
قَالَ: الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فَاتِحَةَ سُورَةِ المؤمنين: {قد أفلح الْمُؤْمِنُونَ} وَأَوْرَدَ فِي خَاتِمَتِهَا: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكافرون} فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة
فصل: في مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التي قبلها
وَمِنْ أَسْرَارِهِ مُنَاسَبَةُ فَاتِحَةِ السُّورَةِ بِخَاتِمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا حَتَّى إِنَّ مِنْهَا مَا يُظْهِرُ تَعَلُّقُهَا بِهِ لَفْظًا كَمَا قِيلَ فِي
{فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأكول} {لإيلاف قُرَيْشٍ}
-
وَفِي الْكَوَاشِيِّ لَمَّا خَتَمَ سُورَةَ النِّسَاءِ آمِرًا بِالتَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ بَيْنَ الْعِبَادِ أَكَّدَ ذَلِكَ بقوله في أول سورة المائدة {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}