فصل

٦٣ فقرة، ج ٢ ص ٤٧٠

الصفحة ١ من ٢

  1. اعْتِرَاض وَجَوَابه

    ج ٢ ص ٤٧٠
  2. قَالَ الْمُعْتَرض فِي أَسمَاء الله الْحسنى النُّور الْهَادِي يجب تَأْوِيله قطعا إِذْ النُّور كَيْفيَّة قَائِمَة بالجسمية وَهُوَ ضد الظلمَة وَجل الْحق سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ضد وَلَو كَانَ نورا لم تجز إِضَافَته إِلَى نَفسه فِي قَوْله {مثل نوره} فَتكون إِضَافَته الشَّيْء إِلَى نَفسه وَهُوَ غير جَائِز وَقَوله {الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَهُوَ ضَعِيف لِأَن ذكر الْهَادِي بعده يكون تَكْرَارا وَقيل منور السَّمَاوَات بالكواكب وَقيل بالأدلة والحجج الباهرة والنور جسم لطيف شفاف فَلَا يجوز على الله والتأويل مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم وَهَذَا يبطل دَعْوَاهُ أَن التَّأْوِيل يبطل الظَّاهِر وَلم ينْقل عَن السّلف وَلَو كَانَ نورا حَقِيقَة كَمَا يَقُوله المشبهة لوَجَبَ أَن يكون الضياء لَيْلًا وَنَهَارًا على الدَّوَام

  3. وَقَوله {إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا} وَمَعْلُوم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن السراج الْمَعْرُوف وَإِنَّمَا سمي سِرَاجًا بِالْهدى الَّذِي جَاءَ بِهِ ووضوح أدلته بِمَنْزِلَة السراج الْمُنِير

  4. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَأبي الْعَالِيَة وَالْحسن يَعْنِي منور السَّمَاوَات وَالْأَرْض شمسها وقمرها ونجومها وَمن كَلَام العارفين النُّور هُوَ الَّذِي نور قُلُوب الصَّادِقين بتوحيده وَنور أسرار المحبين بتأييده وَقيل هُوَ الَّذِي أَحْيَا قُلُوب العارفين بِنور مَعْرفَته ونفوس العابدين بِنور عِبَادَته

  5. وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام وَأَمْثَاله لَيْسَ باعتراض علينا وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاء نقص حرمته مِنْهُم لما يظنّ أَنه يلْزمنَا أَو يظنّ أَنا نقُوله على الْوَجْه الَّذِي حَكَاهُ وَقد قَالَ تَعَالَى {اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم}

  6. وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

    ج ٢ ص ٤٧١
  7. إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَإِذا كَانَ فِي الْكَلَام إِخْبَار عَن الْغَيْر بِأَنَّهُ يَقُول أقوالا بَاطِلَة فِي الْعقل وَالشَّرْع وَفِيه رد تِلْكَ الْأَقْوَال كَانَ هَذَا كذبا وظلما فنعوذ بِاللَّه من ذَلِك ثمَّ مَعَ كَونه ظلما لنا يَا ليته كَانَ كلَاما صَحِيحا مُسْتَقِيمًا فَكُنَّا نحلله من حَقنا وَيُسْتَفَاد مَا فِيهِ من الْعلم وَلَكِن فِيهِ من تَحْرِيف كتاب الله والإلحاد فِي آيَاته وأسمائه وَالْكذب وَالظُّلم والعدوان الَّذِي يتَعَلَّق بِحُقُوق الله مِمَّا فِيهِ لَكِن عَفَوْنَا عَن حَقنا فَحق الله إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيره

  8. وَنحن نذْكر من الْقيام بِحَق الله وَنصر كِتَابه وَدينه مَا يَلِيق بِهَذَا الْموضع فَإِن هَذَا الْكَلَام الَّذِي ذكره فِيهِ من التَّنَاقُض وَالْفساد مَا لَا أَظن تمكنه من ضَبطه من وُجُوه

  9. أَحدهَا أَنه قَالَ فِي أَوله النُّور كَيْفيَّة قَائِمَة بالجسمية ثمَّ قَالَ فِي آخِره جسم لطيف شفاف فَذكر فِي أول الْكَلَام أَنه عرض وَصفَة فِي آخِره جسم وَهُوَ جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ

  10. الثَّانِي أَنه ذكر عَن الْمُفَسّرين أَنهم تأولوا ذَلِك بالهادي وَضعف ذَلِك ثمَّ ذكر فِي آخِره أَن من كَلَام العارفين أَن النُّور هُوَ الَّذِي نور قُلُوب الصَّادِقين بتوحيده وأسرار المحبين بتأييده وَأَحْيَا قُلُوب العارفين بِنور مَعْرفَته وَهَذَا هُوَ معنى الْهَادِي الَّذِي ضعفه أَولا فيضعفه أَولا ويجعله من كَلَام العارفين وَهِي كلمة لَهَا صولة فِي الْقُلُوب وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام بعض الْمَشَايِخ الَّذين يَتَكَلَّمُونَ بِنَوْع من الْوَعْظ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَحْقِيق فَإِن الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن ذكر فِي تَحْقِيق التَّفْسِير من الإشارات الَّتِي بَعْضهَا كَلَام حسن مُسْتَفَاد وَبَعضهَا مَكْذُوب على قَائِله مفترى كالمنقول عَن جَعْفَر وَغَيره وَبَعضهَا من الْمَنْقُول الْبَاطِل الْمَرْدُود فَإِن إشارات الْمَشَايِخ وَهِي إشارتهم بالقلوب وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي امتازوا بِهِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وينقسم إِلَى الإشارات الْمُتَعَلّقَة بالأقوال مثل مَا يأخذونها من الْقُرْآن وَنَحْوه فَتلك الإشارات هِيَ من بَاب الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس وإلحاق مَا لَيْسَ بمنصوص بالمنصوص مثل الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ الْفُقَهَاء فِي الْأَحْكَام لَكِن هَذَا يسْتَعْمل فِي التَّرْغِيب والترهيب وفضائل الْأَعْمَال ودرجات الرِّجَال وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَت الْإِشَارَة اعتبارية من جنس الْقيَاس الصَّحِيح كَانَت حَسَنَة مَقْبُولَة وَإِن كَانَت كالقياس الضَّعِيف كَانَ لَهَا حكمه وَإِن كَانَ تحريفا للْكَلَام على غير تَأْوِيله كَانَت من جنس كَلَام القرامطة والباطنية والجهمية فَتدبر هَذَا فَإِنِّي قد أوضحت هَذَا فِي قَاعِدَة الإشارات

  11. الْوَجْه الثَّالِث فِي تناقضه فَإِن قَالَ التَّأْوِيل مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم وَلم يذكر

    ج ٢ ص ٤٧٢إِلَّا ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَقد ضعف ذَلِك فَإِن كَانَ الْمَنْقُول هُوَ هَذَا الضَّعِيف فيا خيبة الْمَسْعَى إِذْ لم ينْقل عَن السّلف فِي جَمِيع كَلَامه إِلَى هُنَا شَيْئا عَن السّلف إِلَّا هَذَا الَّذِي ضعفه وأوهاه وَإِن كَانَ الْمَنْقُول عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَنه منور السَّمَاوَات بالكواكب كَانَ متناقضا من وَجه آخر وَهُوَ أَنه قد ذكر فِيمَا بعد أَن هَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَأبي الْعَالِيَة وَالْحسن أَنه منورها بالشمس وَالْقَمَر والنجوم وَهَذَا يُوجب أَن يكون الْمَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس والاثنين أَولا غير الْمَنْقُول عَنهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى وَعَمن لَيْسَ مَعَه فِي الأولى وَإِن كَانَ نوره بالحجج الباهرة والأدلة كَانَ متناقضا فَإِن هَذَا هُوَ معنى الْهَادِي إِذا نَصبه للأدلة والحجج هِيَ من هدايته وَهُوَ قد ضعف هَذَا القَوْل فَمَا أَدْرِي من أَيهمَا الْعجب أم من حكايته الْقَوْلَيْنِ اللَّذين أَحدهمَا دَاخل فِي معنى الآخر أم من تَضْعِيفه لقَوْل السَّائِل الَّذِي يُوجب تَضْعِيف الِاثْنَيْنِ وَهُوَ لَا يدْرِي أَنه قد ضعفهما جَمِيعًا

  12. فَيجب على الْإِنْسَان أَن يعرف معنى الْأَقْوَال المنقولة وَيعرف أَن الَّذِي يُضعفهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي عظمه

  13. الْوَجْه الرَّابِع أَنه قد تبين أَنه لم ينْقل عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم إِلَّا القَوْل الَّذِي ضعفه أَو مَا يدْخل فِيهِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ قَوْلهم الْهَادِي فقد صرح بضعفه وَإِن كَانَ مُقيم الْأَدِلَّة فَهُوَ من معنى الْهَادِي وَإِن كَانَ الْمنور بالكواكب فقد جعله قولا آخر وَإِن كَانَ مَا ذكره عَن بعض العارفين فَهُوَ أَيْضا دَاخل فِي الْهَادِي وَإِذا كَانَ قد اعْترف بِضعْف مَا حَكَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم لم يكن فِيهِ حجَّة علينا

  14. فَتبين أَن مَا ذكره عَن السّلف إِمَّا أَن يكون مُبْطلًا فِي نَقله أَو مفتريا بتضعيفه وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا حجَّة علينا بذلك

  15. الْوَجْه الْخَامِس أَنه أَسَاءَ الْأَدَب على السّلف إِذْ يذكر عَنْهُم مَا يُضعفهُ وَأظْهر للنَّاس أَن السّلف كَانُوا يتأولون ليحتج بذلك على التَّأْوِيل فِي الْجُمْلَة وَهُوَ قد اعْترف بِضعْف هَذَا التَّأْوِيل وَمن احْتج بِحجَّة وَقد ضعفها وَهُوَ لَا يعلم أَنه ضعفها فقد رمى نَفسه بسهمه وَمن رمى بِسَهْم الْبَغي صرع بِهِ وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين

  16. الْوَجْه السَّادِس قَوْله هَذَا يبطل دَعْوَاهُ أَن التَّأْوِيل دفع الظَّاهِر وَلم ينْقل عَن السّلف فَإِن هَذَا القَوْل لم أَقَله وَإِن كنت قلته فَهُوَ لم ينْقل إِلَّا مَا عرف أَنه ضَعِيف والضعيف لَا يبطل شَيْئا فَهَذِهِ الْوُجُوه فِي بَيَان تناقضه وحكايته عَنَّا مَا لم نَقله

  17. وَأما بَيَان فَسَاد الْكَلَام فَنَقُول أما قَوْله يجب تَأْوِيله قطعا فَلَا نسلم أَنه يجب تَأْوِيله وَلَا نسلم أَن ذَلِك لَو وَجب قَطْعِيّ بل جَمَاهِير الْمُسلمين لَا يتأولون هَذَا الِاسْم وَهَذَا مَذْهَب

    ج ٢ ص ٤٧٣السلفية وَجُمْهُور الصفاتية من أهل الْكَلَام وَالْفُقَهَاء والصوفية وَغَيرهم وَهُوَ قَول أبي سعيد بن كلاب ذكره فِي الصِّفَات ورد على الجمهية تَأْوِيل اسْم النُّور وَهُوَ شيخ الْمُتَكَلِّمين الصفاتية الأشعرية الشَّيْخ الأول وَحَكَاهُ عَنهُ أَبُو بكر ابْن فورك فِي كتاب مقالات ابْن كلاب والأشعرية وَلم يذكرَا تَأْوِيله إِلَّا عَن الْجَهْمِية المذمومين بِاتِّفَاق وَهُوَ أَيْضا قَول أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ذكره فِي الموجز

  18. وَأما قَوْله إِن هَذَا ورد فِي الْأَسْمَاء الْحسنى فَالْحَدِيث الَّذِي ذكر فِيهِ ذَلِك هُوَ حَدِيث التِّرْمِذِيّ روى الْأَسْمَاء الْحسنى فِي جَامعه من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَرَوَاهَا ابْن مَاجَه فِي سنَنه من طَرِيق مخلد بن زِيَاد الْقَطوَانِي عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة وَقد اتّفق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ على أَن هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ ليستا من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا كل مِنْهُمَا من كَلَام بعض السّلف فالوليد ذكرهَا عَن بعض شُيُوخه الشاميين كَمَا جَاءَ مُفَسرًا فِي بعض طرق حَدِيثه وَلِهَذَا اخْتلف أعيانهما عَنهُ فروى عَنهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَات من الْأَسْمَاء بدل مَا ذكر فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لِأَن الَّذين جمعوها قد كَانُوا يذكرُونَ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة واعتقدوا هم وَغَيرهم أَن الْأَسْمَاء الْحسنى الَّتِي من أحصاها دخل الْجنَّة لَيست شَيْئا معينا بل من أحصى تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أَسمَاء الله دخل الْجنَّة أَو أَنَّهَا وَإِن كَانَت مُعينَة فالاسمان اللَّذَان يتفقان مَعْنَاهُمَا يقوم أَحدهمَا مقَام صَاحبه كالأحد وَالْوَاحد فَإِن فِي رِوَايَة هِشَام بن عمار عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَنهُ رَوَاهَا عُثْمَان بن سعيد الْأَحَد بل الْوَاحِد والمعطي بدل الْمُغنِي وهما متقاربان وَعند الْوَلِيد هَذِه الْأَسْمَاء بعد أَن روى الحَدِيث عَن خُلَيْد بن دعْلج عَن قَتَادَة عَن ابْن سِيرِين عَن أبي

    ج ٢ ص ٤٧٤هُرَيْرَة ثمَّ قَالَ هِشَام وَحدثنَا الْوَلِيد حَدثنَا سعيد بن عبد الْعَزِيز مثل ذَلِك وَقَالَ كلهَا فِي الْقُرْآن {هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ} مثل مَا سَاقهَا التِّرْمِذِيّ لَكِن التِّرْمِذِيّ رَوَاهَا عَن طَرِيق صَفْوَان بن صَالح عَن الْوَلِيد عَن شُعَيْب وَقد رَوَاهَا ابْن أبي عَاصِم وَبَين مَا ذكره هُوَ وَالتِّرْمِذِيّ خلاف فِي بعض الْمَوَاضِع

  19. وَهَذَا كُله مِمَّا يبين لَك أَنَّهَا من الْمَوْصُول المدرج فِي الحَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض الطّرق وَلَيْسَت من كَلَامه وَلِهَذَا جمعهَا قوم آخَرُونَ على غير هَذَا الْجمع واستخرجوها من الْقُرْآن مِنْهُم سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَالْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيرهم كَمَا ذكرت ذَلِك فِيمَا تَكَلَّمت بِهِ قَدِيما على هَذَا وَهَذَا كُله يَقْتَضِي أَنَّهَا عِنْدهم مِمَّا يقبل الْبَدَل فَإِن الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْمُسلمين أَن أَسمَاء الله أَكثر من تِسْعَة وَتِسْعين قَالُوا وَمِنْهُم الْخطابِيّ قَوْله

  20. إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أحصاها التَّقْيِيد بِالْعدَدِ عَائِد إِلَى الْأَسْمَاء الموصوفة بِأَنَّهَا هِيَ هَذِه الْأَسْمَاء فَهَذِهِ الْجُمْلَة وَهِي قَوْله

  21. من أحصاها دخل الْجنَّة صفة للتسعة وَالتسْعين لَيست جملَة مُبتَدأَة وَلَكِن موضعهَا النصب وَيجوز أَن تكون مُبتَدأَة وَالْمعْنَى لَا يخْتَلف وَالتَّقْدِير إِن لله أَسمَاء بِقدر هَذَا الْعدَد من أحصاها دخل الْجنَّة كَمَا يَقُول الْقَائِل إِن مائَة غُلَام أعددتهم لِلْعِتْقِ وَألف دِرْهَم أعددتها لِلْحَجِّ فالتقييد بِالْعدَدِ هُوَ فِي الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة لَا فِي أصل اسْتِحْقَاقه لذَلِك الْعدَد فَإِنَّهُ لم يقل إِن أَسمَاء الله تِسْعَة وَتسْعُونَ

  22. قَالَ وَيدل على ذَلِك قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند

  23. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو عَلمته احدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك فَهَذَا يدل على أَن لله أَسمَاء فَوق تِسْعَة وَتِسْعين يحصيها بعض الْمُؤمنِينَ

  24. وَأَيْضًا فَقَوله

  25. إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين تَقْيِيد بِهَذَا الْعدَد بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى {عَلَيْهَا تِسْعَة عشر} فَلَمَّا استقلوهم قَالَ {وَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ} فَأن لَا يعلم أسماءه إِلَّا

    ج ٢ ص ٤٧٥هُوَ أولى وَذَلِكَ أَن هَذَا لَو كَانَ قد قيل مُنْفَردا لم يفد النَّفْي إِلَّا بِمَفْهُوم الْعدَد الَّذِي هُوَ دون مَفْهُوم الصّفة والنزاع فِيهِ مَشْهُور وَإِن كَانَ الْمُخْتَار عندنَا أَن التَّخْصِيص بِالذكر بعد قيام الْمُقْتَضى للْعُمُوم يُفِيد الِاخْتِصَاص بالحكم فَإِن الْعُدُول عَن وجوب التَّعْمِيم إِلَى التَّخْصِيص إِن لم يكن للاختصاص بالحكم وَإِلَّا كَانَ تركا للمقتضى بِلَا معَارض وَذَلِكَ مُمْتَنع فَقَوله إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين قد يكون للتحصيل بِهَذَا الْعدَد فَوَائِد غير الْحصْر وَمِنْهَا ذكر أَن إحصاءها يُورث الْجنَّة فَإِنَّهُ لَو ذكر هَذِه الْجُمْلَة مُنْفَرِدَة وأتبعها بِهَذِهِ مُنْفَرِدَة لَكَانَ حسنا فَكيف وَالْأَصْل فِي الْكَلَام الِاتِّصَال وَعدم الِانْفِصَال فَتكون الْجُمْلَة الشّرطِيَّة صفة لَا ابتدائية فَهَذَا هُوَ الرَّاجِح فِي الْعَرَبيَّة مَعَ مَا ذكر من الدَّلِيل وَلِهَذَا قَالَ

  26. انه وتر يحب الْوتر ومحبته لذَلِك تدل على أَنه مُتَعَلق بالإحصاء أَي يجب أَن يحصي من أَسْمَائِهِ هَذَا الْعدَد وَإِذا كَانَت أَسمَاء الله أَكثر من تِسْعَة وَتِسْعين أمكن أَن يكون إحصاء تِسْعَة وَتِسْعين اسْما يُورث الْجنَّة مُطلقًا على سَبِيل الْبَدَل فَهَذَا يُوَجه قَول هَؤُلَاءِ وَإِن كَانَ كثيرا

  27. وَكثير من النَّاس من يَجْعَلهَا أَسمَاء مُعينَة ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يَقُول لَيْسَ إِلَّا تِسْعَة وَتِسْعين اسْما فَقَط وَهُوَ قَول ابْن حزم وَطَائِفَة وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُم يَقُولُونَ وَإِن كَانَت أَسمَاء الله أَكثر لَكِن الْمَوْعُود بِالْجنَّةِ لمن أحصاها هِيَ مُعينَة وَبِكُل حَال فتعيينها لَيْسَ من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِاتِّفَاق أهل الْمعرفَة حَدِيثه وَلَكِن رُوِيَ فِي ذَلِك عَن السّلف أَنْوَاع

  28. من ذَلِك مَا ذكره التِّرْمِذِيّ وَمِنْهَا غير ذَلِك فَإِذا عرف هَذَا فَقَوله فِي أَسْمَائِهِ الْحسنى النُّور الْهَادِي لَو نازعه مُنَازع فِي ثُبُوت ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تكن لَهُ حجَّة وَلَكِن جَاءَ ذَلِك فِي أَحَادِيث صِحَاح مثل قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يَقُول

  29. اللَّهُمَّ لَك الْحَمد أَنْت نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ الحَدِيث وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي ذَر قَالَ

  30. سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل رَأَيْت رَبك فَقَالَ نور أَنى أرَاهُ أَو قَالَ رَأَيْت نورا فَالَّذِي فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح إِضَافَة النُّور بقوله {نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض} أَو نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ

  31. وَأما قَوْله أَن النُّور كَيْفيَّة قَائِمَة فَنَقُول النُّور الْمَخْلُوق محسوس لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان كَيْفيَّة لكنه نَوْعَانِ أَعْيَان وأعراض فالأعيان هُوَ نفس جرم النَّار حَيْثُ كَانَت نور السراج والمصباح

    ج ٢ ص ٤٧٦الَّذِي فِي الزجاجة وَغَيره وَهِي النُّور الَّذِي ضرب الله بِهِ الْمثل وَمثل الْقَمَر فَإِن الله سَمَّاهُ نورا فَقَالَ {جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا} ولاريب أَن النَّار جسم لطيف شفاف وأعراض مثل مَا يَقع من شُعَاع الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنَّار على الْأَجْسَام الصقيلة وَغَيرهَا فَإِن الْمِصْبَاح إِذا كَانَ فِي الْبَيْت أَضَاء جَوَانِب الْبَيْت فَذَلِك النُّور والشعاع الْوَاقِع على الْجدر والسقف وَالْأَرْض هُوَ عرض وَهُوَ كَيْفيَّة قَائِمَة بالجسم

  32. وَقد يُقَال لَيْسَ الصّفة الْقَائِمَة بالنَّار وَالْقَمَر وَنَحْوهمَا نورا فَيكون الِاسْم على الْجَوْهَر تَارَة وعَلى صفة أُخْرَى وَلِهَذَا يُقَال لضوء النَّهَار نور كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَجعل الظُّلُمَات والنور} وَمن هَذَا تَسْمِيَة اللَّيْل ظلمَة وَالنَّهَار نورا فَإِنَّهُمَا عرضان وَقد قيل هما جوهران وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بسط ذَلِك فَتبين أَن اسْم النُّور يتَنَاوَل هذَيْن والمعترض ذكر أَولا حد الْعرض وَذكر ثَانِيًا حد الْجِسْم فتناقض وَكَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من كَلَامي وَلم يهتدوا لوجه الْجمع وَكَذَلِكَ اسْم الْحق يَقع على ذَات الله تَعَالَى وعَلى صِفَاته القدسية الْقَدِيمَة كَقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنْت الْحق وقولك الْحق وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق والنبيون حق وَمُحَمّد حق

  33. وَأما قَول الْمُعْتَرض النُّور ضد الظلمَة وَجل الْحق أَن يكون لَهُ ضد فَيُقَال لَهُ لم تفهم معنى الضِّدّ الْمَنْفِيّ عَن الله فَإِن الضِّدّ يُرَاد بِهِ مَا يمْنَع ثُبُوت الآخر كَمَا يُقَال فِي الْأَعْرَاض المتضادة مثل السوَاد وَالْبَيَاض وَيَقُول النَّاس الضدان لَا يَجْتَمِعَانِ وَيمْتَنع اجْتِمَاع الضدين وَهَذَا التضاد عِنْد كثير من النَّاس لَا يكون إِلَّا فِي الْأَعْرَاض وَأما الْأَعْيَان فَلَا تضَاد فِيهَا فَيمْتَنع عِنْد هَذَا أَن يُقَال لله ضد أَو لَيْسَ لَهُ ضد وَمِنْهُم من يَقُول يتَصَوَّر التضاد فِيهَا وَالله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ضد يمْنَع ثُبُوته ووجوده بِلَا ريب بل هُوَ القاهر الْغَالِب الَّذِي لَا يغلب

  34. وَقد يُرَاد بالضد الْمعَارض لأَمره وَحكمه وَإِن لم يكن مَانِعا من وجود ذَاته كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  35. من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود الله فقد ضاد الله فِي أمره رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتَسْمِيَة الْمُخَالف لأَمره وَحكمه ضدا كتسميته عدوا وَبِهَذَا الِاعْتِبَار فالمعادون المضادون لله كَثِيرُونَ فَأَما على التَّفْسِير الأول فَلَا ريب أَنه لَيْسَ فِي نفس الْأَمر مضادا لله لَكِن المضاد يَقع

    ج ٢ ص ٤٧٧فِي نفس الْكَافِر فَإِن الْبَاطِل ضد الْحق وَالْكذب ضد الصدْق فَمن اعتند فِي الله مَا هُوَ منزه عَنهُ كَانَ هَذَا ضدا للْإيمَان الصَّحِيح بِهِ

  36. وَأما قَوْله النُّور ضد الظلمَة وَجل الْحق أَن يكون لَهُ ضد فَيُقَال لَهُ والحي ضد الْمَيِّت والعليم ضد الْجَاهِل والسميع والبصير وَالَّذِي يتَكَلَّم ضد الْأَصَم لأعمى الأبكم وَهَكَذَا سَائِر مَا سمى الله بِهِ من الْأَسْمَاء لَهَا أضداد وَهُوَ منزه عَن أَن يُسمى بأضدادها فجل الله أَن يكون مَيتا أَو عَاجِزا أَو فَقِيرا وَنَحْو ذَلِك

  37. وَأما وجود مَخْلُوق لَهُ مَوْصُوف بضد صفته مثل وجود الْمَيِّت وَالْجَاهِل وَالْفَقِير والظالم فَهَذَا كثير بل غَالب أَسْمَائِهِ لَهَا أضداد مَوْجُودَة فِي الْمَوْجُودين وَلَا يُقَال لأولئك إِنَّهُم أضداد الله وَلَكِن يُقَال إِنَّهُم موصوفون بضد صِفَات الله فَإِن التضاد بَين إِنَّمَا يكن فِي الْمحل الْوَاحِد لَا فِي محلين فَمن كَانَ مَوْصُوفا بِالْمَوْتِ ضادته الْحَيَاة وَمن كَانَ مَوْصُوفا بِالْحَيَاةِ ضاده الْمَوْت وَالله سُبْحَانَهُ يمْتَنع أَن يكون ظلمَة أَو مَوْصُوفا بالظلمة كَمَا يمْتَنع أَن يكون مَيتا أَو مَوْصُوفا بِالْمَوْتِ فَهَذَا الْمُعْتَرض أَخذ لفظ الضِّدّ بالاشتراك وَلم يُمَيّز بَين الضِّدّ الَّذِي يضاد ثُبُوته ثُبُوت الْحق وَصِفَاته وأفعاله وَبَين أَن يكون فِي مخلوقاته مَا هُوَ مَوْصُوف بضد صِفَاته وَبَين مَا يضاده فِي أمره وَنَهْيه فالضد الأول هُوَ الْمُمْتَنع وَأما الْآخرَانِ فوجودهما كثير لَكِن لايقال إِنَّه ضد الله فَإِن المتصف بضد صِفَاته لم يضاده وَالَّذين قَالُوا النُّور ضد الظلمَة قَالُوا يمْتَنع اجْتِمَاعهمَا فِي عين وَاحِدَة وَلم يَقُولُوا أَنه يمْتَنع أَن يكون شَيْء مَوْصُوف بِأَنَّهُ نور وَشَيْء آخر مَوْصُوف بِأَنَّهُ ظلمَة فليتدبر الْعَاقِل هَذَا التعطيل والتخطيط

  38. وَأما قَوْله لَو كَانَ نورا لم يجز إِضَافَته إِلَى نَفسه فِي قَوْله {مثل نوره} فَالْكَلَام عَلَيْهِ من طَرِيقين أَحدهمَا أَن نقُول النَّص فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله قد سمى الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَقد أخبر النَّص أَن الله نور وَأخْبر أَيْضا أَنه يحتجب بِالنورِ فَهَذِهِ ثَلَاثَة أنوار فِي النَّص وَقد تقدم ذكر الأول

  39. وَأما الثَّانِي قَوْله {وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا} وَفِي قَوْله {مثل نوره} وَفِيمَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  40. إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة وَألقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل وَمِنْه قَوْله

    ج ٢ ص ٤٧٨ص = فِي دُعَاء الطَّائِف