فصل
٦٣ فقرة، ج ٢ ص ٤٧٠
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٢ ص ٤٧٨
أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَن ينزل بِي سخطك أَو يحل عَليّ غضبك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيره وَمِنْه قَول ابْن مَسْعُود إِن ربكُم لَيْسَ عِنْده ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه وَمِنْه قَوْله مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَرْبَع كَلِمَات فَقَالَ إِن الله لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام يخْفض الْقسْط وَيرْفَع إِلَيْهِ عمل اللَّيْل قبل عمل النَّهَار وَعمل النَّهَار قبل عمل اللَّيْل حجابه النُّور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا أدْركهُ بَصَره من خلقه فَهَذَا الحَدِيث فِيهِ ذكر حجابه فَإِن تردد الرَّاوِي فِي لفظ النَّار والنور لَا يمْنَع ذَلِك فَإِن مثل هَذِه النَّار الصافية الَّتِي كلم بهَا مُوسَى يُقَال لَهَا نَار وَنور كَمَا سمى الله نَار الْمِصْبَاح نورا بِخِلَاف النَّار الْمظْلمَة كنار جَهَنَّم فَتلك لَا تسمى نورا
-
فالأقسام ثَلَاثَة إشراق بِلَا إحراق وَهُوَ النُّور الْمَحْض كَالْقَمَرِ وإحراق بِلَا إشراق وَهِي النَّار الْمظْلمَة وَمَا هُوَ نَار وَنور كَالشَّمْسِ ونار المصابيح الَّتِي فِي الدُّنْيَا تُوصَف بالأمرين وَإِذا كَانَ كَذَلِك صَحَّ أَن يكون نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَن يُضَاف إِلَيْهِ النُّور وَلَيْسَ الْمُضَاف هُوَ عين الْمُضَاف إِلَيْهِ
-
وَالطَّرِيق الثَّانِي أَن يُقَال هَذَا يرد عَلَيْكُم لَا يخْتَص بِمن يُسَمِّيه بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَبَينه فَأَنت إِذا قلت هاد أَو منور أَو غير ذَلِك فالمسمى نورا هُوَ الرب نَفسه لَيْسَ هُوَ النُّور الْمُضَاف إِلَيْهِ فَإِذا قلت هُوَ الْهَادِي فنوره الْهدى جعلت أحد النورين عينا قَائِمَة وَالْآخر صفة فَهَكَذَا يَقُول من يُسَمِّيه نورا وَإِذا كَانَ السُّؤَال يرد على الْقَوْلَيْنِ والقائلين كَانَ تَخْصِيص أَحدهمَا بِأَنَّهُ مُخَالف ظلما ولددا فِي المحاجة أَو جهلا وضلالا عَن الْحق
-
واما مَا ذكره من الْأَقْوَال فَلَا ريب أَن للنَّاس فِيهَا من الْأَقْوَال أَكثر مِمَّا ذكره وَالْمَوْجُود بأيدي الْأمة من الرِّوَايَات الصادقة والكاذبة والآراء الْمُصِيبَة والمخطئة لَا يُحْصِيه إِلَّا الله وَالْكَلَام فِي تَفْسِير أَسمَاء الله وَصِفَاته وَكَلَامه فِيهِ من الغث والسمين مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا رب الْعَالمين وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي الْحق وَالْعلم وَالدّين
-
وَقد كتبت قَدِيما فِي بعض كتبي لبَعض الأكابر أَن الْعلم مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل والنافع مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فالشأن فِي أَن نقُول علما وَهُوَ النَّقْل والصدق والبحث الْمُحَقق فَإِن مَا سوى ذَلِك وَإِن زخرف مثله بعض النَّاس خزف مُزَوق وَإِلَّا فَبَاطِل مُطلق مِثْلَمَا ذكره فِي هَذِه الْآيَة وَغَيرهَا
ج ٢ ص ٤٧٩وَهَذِه الْكتب الَّتِي يسميها كثير من النَّاس كتب التَّفْسِير فِيهَا كثير من التَّفْسِير منقولات عَن السّلف مكذوبة عَلَيْهِم وَقَول على الله وَرَسُوله بِالرَّأْيِ الْمُجَرّد بل بِمُجَرَّد شُبْهَة قياسية أَو شُبْهَة أدبية فالمفسرون الَّذين ينْقل عَنْهُم لم يسمهم وَمَعَ هَذَا فقد ضعف قَوْلهم بِالْبَاطِلِ فَإِن الْقَوْم فسروا النُّور فِي الْآيَة بِأَنَّهُ الْهَادِي وَلم يفسروا النُّور فِي الْأَسْمَاء الْحسنى والْحَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يَصح تَضْعِيف قَوْلهم بِمَا ضعفه وَنحن مَا ذكرنَا ذَلِك لبَيَان تناقضه وَأَنه لَا يحْتَج علينا بِشَيْء يروج على ذِي لب فَإِن التَّنَاقُض أول مقامات الْفساد وَهَذَا التَّفْسِير قد قَالَه طَائِفَة من الْمُفَسّرين
-
وَأما كَونه ثَابتا عَن ابْن عَبَّاس أَو غَيره فَهَذَا مِمَّا لم يُثبتهُ وَمَعْلُوم أَن فِي كتب التَّفْسِير من النَّقْل عَن ابْن عَبَّاس من الْكَذِب شَيْء كثير من رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح وَغَيره فَلَا بُد من تَصْحِيح النَّقْل لتقوم الْحجَّة فَليُرَاجع كتب التَّفْسِير الَّتِي يحرر فِيهَا النَّقْل مثل تَفْسِير مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ الَّذِي ينْقل فِيهِ كَلَام السّلف بِالْإِسْنَادِ وليعرض عَن تَفْسِير مقَاتل بَقِي بن مخلد الأندلسي وَعبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم دُحَيْم الشَّامي وَعبد بن حميد الْكشِّي وَغَيرهم إِن لم يصعد إِلَى تَفْسِير الإِمَام إِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وَتَفْسِير الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة الَّذين هم أعلم أهل الأَرْض بالتفاسير الصَّحِيحَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَمَا هُوَ أعلم النَّاس بِحَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَغير ذَلِك من الْعُلُوم فَأَما أَن يثبت أصلا يَجعله قَاعِدَة بِمُجَرَّد رَأْي فَهَذَا إِنَّمَا ينْفق على الْجُهَّال بالدلائل الأغشام فِي الْمسَائِل وَمثل هَذِه المنقولات الَّتِي لَا يُمَيّز صدقهَا من كذبهَا والمعقولات الَّتِي لَا يُمَيّز صدقهَا من خطئها ضل من ضل من أهل الْمشرق فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَالْفِقْه والتصوف
-
وَمَا أحسن مَا جَاءَ هَذَا فِي آيَة النُّور الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا {وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور} نسْأَل الله يَجْعَل لنا نورا
-
ثمَّ نقُول هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله {الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض} أَي هادي أهل السَّمَاوَات لَا يضرنا وَلَا يُخَالف مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُم قَالُوهُ فِي تَفْسِير الْآيَة الَّتِي ذكر النُّور فِيهَا مُضَافا لم يذكروه فِي تَفْسِير نور مُطلق كَمَا ادعيت أَنْت من وُرُود الحَدِيث بِهِ فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا
-
ثمَّ قَول من قَالَ من السّلف هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا يمْنَع أَن يكون فِي نَفسه نورا فَإِن من عَادَة السّلف فِي تفسيرهم أَن يذكرُوا بعض صِفَات الْمُفَسّر من الْأَسْمَاء أَو بعض أَنْوَاعه وَلَا يُنَافِي ذَلِك ثُبُوت بَقِيَّة الصِّفَات الْمُسَمّى بل قد يكونَانِ متلازمين وَلَا دُخُول لبَقيَّة
ج ٢ ص ٤٨٠الْأَنْوَاع فِيهِ وَهَذَا قد قَرَّرْنَاهُ غير مرّة فِي الْقَوَاعِد الْمُتَقَدّمَة وَمن تدبره علم أَن أَكثر أَقْوَال السّلف فِي التَّفْسِير متفقة غير مُخْتَلفَة
-
مِثَال ذَلِك قَول بَعضهم فِي الصِّرَاط الْمُسْتَقيم إِنَّه الْإِسْلَام وَقَول آخر إِنَّه الْقُرْآن وَقَول آخر إِنَّه السّنة وَالْجَمَاعَة وَقَول آخر إِنَّه طَرِيق الْعُبُودِيَّة فَهَذِهِ كلهَا صِفَات لَهُ متلازمة لَا مباينة وتسميته بِهَذِهِ الْأَسْمَاء بِمَنْزِلَة تَسْمِيَة الْقُرْآن وَالرَّسُول بأسمائه بل بِمَنْزِلَة أَسمَاء الله الْحسنى
-
وَمِثَال الثَّانِي قَوْله تَعَالَى {فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات} فَذكر مِنْهُم صنفا من الْأَصْنَاف وَالْعَبْد يعم الْجَمِيع فالظالم لنَفسِهِ المخل بِبَعْض الْوَاجِب والمقتصد الْقَائِم بِهِ وَالسَّابِق المتقرب بالنوافل بعد الْفَرَائِض وكل من النَّاس يدْخل فِي هَذَا بِحَسب طَرِيقه وَالتَّفْسِير والترجمة بِبَيَان النَّوْع وَالْجِنْس ليقرب الْفَهم على الْمُخَاطب كَمَا قَالَ الأعجمي مَا الْخبز فَقيل لَهُ هَذَا وأشير إِلَى الرَّغِيف فالغرض الْجِنْس لَا هَذَا الشَّخْص فَهَكَذَا تَفْسِير كثير من السّلف وَهُوَ من جنس التَّعْلِيم فَقَوْل من قَالَ نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَلَام صَحِيح فَإِن من مَعَاني كَونه نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن يكون هاديا لَهُم أما أَنهم نفوا مَا سوى ذَلِك فَهَذَا غير مَعْلُوم وَأما أَنهم أَرَادوا ذَلِك فقد ثَبت عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ إِن ربكُم لَيْسَ عِنْده ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه وَقد تقدم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذكر وَجهه وَفِي رِوَايَة النُّور مَا فِيهِ كِفَايَة فَهَذَا بَيَان معنى غير الْهِدَايَة وَقد أخبر الله فِي كِتَابه أَن الأَرْض تشرق بِنور رَبهَا فَإِذا كَانَت تشرق من نوره كَيفَ لَا يكون هُوَ نورا وَلَا يجوز أَن يكون هَذَا النُّور الْمُضَاف إِلَيْهِ إِضَافَة خلق وَملك واصطفاء كَقَوْلِه {نَاقَة الله} وَنَحْو ذَلِك من الْوُجُوه
-
أَحدهَا أَن النُّور لم يضف قطّ إِلَى الله إِذا كَانَ صفة لأعيان قَائِمَة فَلَا يُقَال فِي المصابيح إِنَّهَا نور الله وَلَا فِي الشَّمْس وَالْقَمَر وَإِنَّمَا يُقَال كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود إِن ربكُم لَيْسَ عِنْده ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه وَفِي الدُّعَاء الْمَأْثُور عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
-
أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
-
الثَّانِي أَن الْأَنْوَار المخلوقة كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر تشرق لَهَا الأَرْض فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ من نور إِلَّا هُوَ خلق من خلق الله وَكَذَلِكَ من قَالَ منور السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا يُنَافِي أَنه نور وكل
ج ٢ ص ٤٨١منور نور فهما متلازمان ثمَّ إِن الله تَعَالَى ضرب مثل نوره الَّذِي فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ بِالنورِ الَّذِي فِي الْمِصْبَاح وَهُوَ فِي نَفسه نور وَهُوَ منور لغيره فَإِذا كَانَ نوره فِي الْقُلُوب هُوَ نور وَهُوَ منور فَهُوَ فِي نَفسه أَحَق بذلك وَقد علم أَن كل مَا هُوَ نور فَهُوَ منور
-
وَأما قَول من قَالَ مَعْنَاهُ منور السَّمَاوَات بالكواكب فَهَذَا إِن أَرَادَ بِهِ قَائِله أَن ذَلِك من معنى كَونه نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَيْسَ لَهُ معنى إِلَّا هَذَا فَهُوَ مُبْطل لِأَن الله أخبر أَنه نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْكَوَاكِب لَا يحصل نورها فِي جَمِيع السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ {مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح} فَضرب الْمثل لنوره الْمَوْجُود فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ نور الْإِيمَان وَالْعلم المُرَاد من الْآيَة لم يضْربهَا على النُّور الْحسي الَّذِي يكون للكواكب وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَمَّا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَأبي الْعَالِيَة وَالْحسن بعد الْمُطَالبَة بِصِحَّة النَّقْل وَالظَّن ضعفه عَن ابْن عَبَّاس لأَنهم جعلُوا ذَلِك من مَعَاني النُّور أما أَن يَقُولُوا قَوْله {الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض} لَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَّا التَّنْوِير بالشمس وَالْقَمَر والنجوم فَهَذَا بَاطِل قطعا
-
وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
-
أَنْت نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَمَعْلُوم أَن العميان لَا حَظّ لَهُم فِي ذَلِك وَمن يكون بَينه وَبَين ذَلِك حجاب لَا حَظّ لَهُ فِي ذَلِك والموتى لَا نصيب لَهُم من ذَلِك وَأهل الْجنَّة لَا نصيب لَهُم من ذَلِك فَإِن الْجنَّة لَيْسَ فِيهَا شمس وَلَا قمر كَيفَ وَقد رُوِيَ أَن أهل الْجنَّة يعلمُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار بأنوار تظهر من الْعَرْش مثل ظُهُور الشَّمْس لأهل الدُّنْيَا فَتلك الْأَنْوَار خَارِجَة عَن الشَّمْس وَالْقَمَر
-
وَأما قَوْله قد قيل بالأدلة والحجج فَهَذَا بعض معنى الْهَادِي وَقد تقدم الْكَلَام على قَوْله هَذَا يبطل قَوْله أَن التَّأْوِيل دفع للظَّاهِر وَلم ينْقل عَن السّلف فَإِن هَذَا الْكَلَام مَكْذُوب عَليّ وَقد ثَبت تنَاقض صَاحبه وَأَنه لم يذكر عَن السّلف إِلَّا مَا اعْترف بضعفه
-
وَأما الَّذِي أقوله الْآن وأكتبه وَإِن كنت لم أكتبه فِيمَا تقدم من أجوبتي وَإِنَّمَا أقوله فِي كثير من الْمجَالِس إِن جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن من آيَات الصِّفَات فَلَيْسَ عَن الصَّحَابَة اخْتِلَاف فِي تَأْوِيلهَا وَقد طالعت التفاسير المنقولة عَن الصَّحَابَة وَمَا رَوَوْهُ من الحَدِيث ووقفت من ذَلِك على مَا شَاءَ الله تَعَالَى من الْكتب الْكِبَار وَالصغَار أَكثر من مائَة تَفْسِير فَلم أجد إِلَى سَاعَتِي هَذِه عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه أول شَيْئا من آيَات الصِّفَات أَو أَحَادِيث الصِّفَات بِخِلَاف مقتضاها الْمَفْهُوم الْمَعْرُوف بل عَنْهُم من تَقْرِير ذَلِك وتثبيته وَبَيَان أَن ذَلِك من صِفَات الله مَا يُخَالف كَلَام المتأولين مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله وَكَذَلِكَ فِيمَا يذكرُونَهُ آثرين وذاكرين عَنْهُم شَيْء
ج ٢ ص ٤٨٢كثير وَتَمام هَذَا أَنِّي لم أجدهم تنازعوا إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى {يَوْم يكْشف عَن سَاق} فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَطَائِفَة أَن المُرَاد بِهِ الشدَّة أَن الله يكْشف عَن الشدَّة فِي الْآخِرَة وَعَن أبي سعيد وَطَائِفَة أَنهم عدوها فِي الصِّفَات للْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سعيد فِي الصحيين وَلَا ريب أَن ظَاهر الْقُرْآن يدل على أَن هَذِه من الصِّفَات فَإِنَّهُ قَالَ {يَوْم يكْشف عَن سَاق} نكرَة فِي الْإِثْبَات لم يضفها إِلَى الله وَلم يقل عَن سَاقه فَمَعَ عدم التَّعْرِيف بِالْإِضَافَة لَا يظْهر أَنه من الصِّفَات إِلَّا بِدَلِيل آخر وَمثل هَذَا لَيْسَ بِتَأْوِيل إِنَّمَا التَّأْوِيل صرف الْآيَة عَن مدلولها ومفهومها وَمَعْنَاهَا الْمَعْرُوف وَلَكِن كثيرا من هَؤُلَاءِ يجْعَلُونَ اللَّفْظ على مَا لَيْسَ مدلولا لَهُ ثمَّ يُرِيدُونَ صرفه عَنهُ ويجعلون هَذَا تَأْوِيلا وَهَذَا خطأ من وَجْهَيْن كَمَا قدمنَا غير مرّة
-
وَأما قَوْله لَو كَانَ نورا حَقِيقَة كَمَا تَقوله المشبهة لوَجَبَ أَن يكون الضياء لَيْلًا وَنَهَارًا على الدَّوَام فَنحْن نقُول بِمُوجب مَا ذكره من هَذَا القَوْل فَإِن المشبهة يَقُولُونَ إِنَّه نور كَالشَّمْسِ وَالله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء فَإِنَّهُ لَيْسَ كشيء من الْأَنْوَار كَمَا أَن ذَاته لَيست كشيء من الذوات لَكِن مَا ذكره لَهُ حجَّة عَلَيْهِم فَإِنَّهُ يُمكن أَن يكون نورا يَحْجُبهُ عَن خلقه كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث حجابه النُّور أَو النَّار لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه
-
لَكِن غلط هُنَا فِي النَّقْل وَهُوَ إِضَافَة هَذَا القَوْل إِلَى المشبهة فَإِن هَذَا من أَقْوَال الْجَهْمِية المعطلة أَيْضا كالمريسي فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِنَّه نور وَهُوَ كَبِير الْجَهْمِية وَإِن كَانَ قَصده بالمشبهة من أثبت أَن الله نور حَقِيقَة فالمثبتة للصفات كلهم عِنْده مشبهة وَهَذِه لُغَة الْجَهْمِية الْمَحْضَة يسمون كل من أثبت الصِّفَات مشبها فقد قدمنَا أَن ابْن كلاب والأشعري وَغَيرهمَا ذكرا أَن نفي كَونه نورا فِي نَفسه هُوَ قَول الْجَهْمِية والمعتزلة وأنهما أثبتا أَنه نور وقررا ذَلِك هما وأكابر أصحابهما فَكيف بِأَهْل الحَدِيث وأئمة السّنة وَأول هَؤُلَاءِ الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وبأسمائه
ج ٢ ص ٤٨٣وَصِفَاته وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد أجَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على هَذَا السُّؤَال الَّذِي عَارض بِهِ الْمُعْتَرض فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
-
حجابه النُّور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا أدْركهُ بَصَره من خلقه فَأخْبر أَنه حجب عَن الْمَخْلُوقَات بحجابه النُّور أَن تدركها سبحات وَجهه وَأَنه لَو كشف ذَلِك الْحجاب لأحرقت سبحات وَجهه مَا أدْركهُ بَصَره من خلقه فَهَذَا الْحجاب عَن إحراق السبحات يبين مَا يُرَاد فِي هَذَا الْمقَام
-
وَأما مَا ذكره عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَته الْأُخْرَى فَمَعْنَاه بعض الْأَنْوَار الحسية وَمَا ذكره من كَلَام العارفين فَهُوَ بعض مَعَاني هدايته لِعِبَادِهِ وَإِنَّمَا ذَلِك تنويع بعض الْأَنْوَاع بِحَسب حَاجَة المخاطبين كَمَا ذَكرْنَاهُ من عَادَة السّلف أَن يُفَسِّرهَا بِذكر بعض الْأَنْوَاع يَقع على سَبِيل التَّمْثِيل لحَاجَة المخاطبين لَا على سَبِيل الْحصْر والتحديد فقد تبين أَن جَمِيع مَا ذكر من الْأَقْوَال يرجع إِلَى مَعْنيين من مَعَاني كَونه نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَيْسَ فِي ذَلِك دلَالَة على أَنه فِي نَفسه لَيْسَ بِنور