ومن سنن الفطرة
٩١ فقرة، ج ١ ص ٦٧
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ٧٤
وأما الفعل ففي "صحيح البخاري" وغيره من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها أخرجت من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوبا. وفي معناه أحاديث أخرى بوب لها الترمذي في "الشمائل المحمدية " : "باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" فراجعها إن شئت في كتابي "مختصر الشمائل" ٤١ / ٣٧ – ٤١.
-
وإن كان يعني ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو المتبادر فنقول: إن كان يريد مطلق الورود - أعني سواء كان صحيحا أو ضعيفا فمسلم. وإن كان يريد الصحيح كما هو المتبادر من عبارته فمردود لأن غاية ما روي في ذلك حديثان: أحدهما ضعيف والآخر لا أصل له.
-
أما الأول فحديث عبد الرحمن بن حرملة أن ابن مسود كان يقول:
"كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يكره عشر خلال: الصفرة يعني الخلوق وتغيير الشيب
ج ١ ص ٧٥..الحديث "
-
رواه أبو داود ٢ / ١٩٧ وأحمد رقم ٣٦٠٥ ٣٧٧٤ ٤١٧٩ وعبد الرحمن هذا قال ابن المديني فيه: "لا نعرفه من أصحاب ابن مسعود ". وقال البخاري:
"لا يصح حديثه ". يعني هذا فقد ساقه الذهبي عقب عبارة البخاري هذه ثم قال الذهبي:
"وهذا منكر ". ثم سها الذهبي عن هذا فوافق في " التلخيص " الحاكم على تصحيحه للحديث في " المستدرك "!
-
وأما توثيق ابن حبان لعبد الرحمن هذا فلا يعتد به لما ذكرته في "المقدمة " ولذلك لم يلتفت إلى توثيقه لهذا الرجل الذهبي في " الميزان " والحافظ في " التقريب " حيث أفاد أنه لين الحديث وعليه فلا يغتر بتصحيح الشيخ أحمد محمد شاكر لهذا الحديث لأنه بناه على توثيق ابن حبان للمذكور وكثيرا ما يفعل ذلك ويصحح أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها وقد كنت ناقشته في هذه المسألة في المدينة المنورة وهو في " الفندق " سنة ٦٩ هـ بعد موسم الحج ولكني لم أصل معه إلى نتيجة مع الأسف والله يرحمنا وإياه.
-
والحديث الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه بلفظ:
"من شاب شيبة فهي نور إلا أن ينتفها أو يخضبها ".
-
هكذا أورده بعضهم وهو في "سنن أبي داود " والترمذي وحسنه وابن ماجه من هذا الوجه لكن دون قوله: " إلا أن ينتفها أو يخضبها " وكذلك هو في " المسند" ٦٦٧٢ ٦٦٧٥ ٦٩٣٧ ٦٩٦٢ ٦٩٨٩.
- ج ١ ص ٧٦
وفي رواية له: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نتف الشيب وقال: "هو نور" .
-
فهذا يدل على أن ذكر الخضاب في الحديث لا أصل له وتد قال الحافظ في "الفتح" بعد أن ساق الحديث باللفظ الأول:
"أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور" .
قلت: ويستدرك عليه برواية أحمد التي فيها ذكر النتف.
-
وثمة حديث ثالث ممكن أن يؤخذ حكم الخضاب من لفظه المطلق وهو: عن أم سليم مرفوعا:
"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا ما لم يغيرها" .
-
رواه الحاكم في "الكنى" كما في "الجامع الصغير" ورمز لحسنه كما قال المناوي في شرحه ولكن النفس لا تطمئن لتحسين السيوطي له لما عرف من تساهله فراجع "المقدمة: القاعدة الثامنة" .
-
ثم وقفت على سند الحديث وتبين لي أنني كنت على صواب في عدم الاعتماد على تحسينه وقد كشفت عن علته في "الصحيحة" تحت الحديث ١٢٤٤ وحكمت بوضعه فأوردته في "ضعيف الجامع الصغير" ٥٦٥١ وهو كتاب حافل بالأحاديث الضعيفة والموضوعة لا مثيل له. والله الموفق.
-
وخلاصة القول أنه لا يجوز معارضة الأحاديث الصحيحة المتضمنة لجواز الخضاب واستحبابه بهذه الأحاديث الضعيفة ولو صح شيء منها لوجب التوفيق بينها بوجه من وجوه الجمع بين الأحاديث وما أكثرها والوجه هنا أن يقال: إن التغيير المذكور في الحديث الأول والثالث هو النتف وهو منهي عنه صراحة في رواية أحمد للحديث الثاني. أو هو الخضب بالسواد فإنه منهي عنه. وبهذا شرح
ج ١ ص ٧٧الحديثان انظر الخطابي في "المعالم" والمناوي في "الفيض" وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" ٦ / ١٠٣: "والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها بوجه فإن الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم من تغيير الشيب أمران: أحدهما: نتفه. والثاني: خضابه بالسواد كما تقدم. والذي أذن فيه هو صبغه وتغييره بغير السواد كالحناء والصفرة وهو الذي عمله الصحابة رضي الله عنهم" .
قال: "وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم وهو الصواب بلا ريب لما تقدم وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله.
-
ورخص فيه آخرون ومنهم أصحاب أبي حنيفة وروي ذلك عن الحسن والحسين وفي ثبوته عنهم نظر ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أحق بالاتباع ولو خالفها من خالفها".
قلت: وللأحاديث المتقدمة في الحض على الخضاب كثر اشتغال السلف بهذه السنة فترى المؤرخين في التراجم لهم يقولون: "وكان يخضب" و "كان لا يخضب" ولا تزال هذه السنة معمولا بها في بعض البلاد الإسلامية ولا سيما التي لم تتأثر كثيرا بالمدنية الغربية وعاداتها السيئة.
-
والحق أنها سنة ثابتة مستمرة وقد جرى عمل السلف عليها - كما تقدم - وتواردت الأحاديث في الحض على العمل بها فلا يجوز للمسلمين أن يحدثوا عرفا مخالفا لها ولاسيما مع بقاء علة الخضاب المنصوص عليها في حديث الجماعة: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" . وهو مخرج في "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" ١٠٤.
-
ولذلك فإنا نقطع بأن ما ذهب إليه المؤلف من رجوع أمر الخضاب إلى
ج ١ ص ٧٨العرف والعادة خطأ واضح لا يجوز الاغترار به. والله الموفق.
-
وأعتقد أن المؤلف - عفا الله عني وعنه - قد فتح بمذهبه هذا بابا واسعا من الشر لا يمكن غلقه إلا بإعطاء أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وسنته التعبدية من التقدير والاعتبار ما تستحق فإنه إذا كان هو يرى ترك الخضاب مع ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم فعلا وأمرا لمجرد مخالفة ذلك لعادة المسلمين اليوم فما الذي يمنع غير المؤلف - ممن ليس عنده من العلم بالسنة وقدرها ما عند المؤلف - أن يتجاوز هذه المسألة إلى غيرها ومنها إلى أخرى ويجيز تركها كلها على الرغم من أمره صلى الله عليه وسلم بها وحضه عليها كل ذلك لمخالفتها لعادة المسلمين وأذواقهم؟! وأي مسلمين؟ مسلمو القرن العشرين؟!
-
لقد كنا ولا نزال نشكو من إعراض أكثر المسلمين عن العمل بالحديث تعصبا منهم لأئمتهم ونشكو من مخالفة بعض الصوفية للأوامر الشرعية لأنها - بزعمهم - لا تتفق مع أذواقهم وإذا بنا اليوم - ونحن ندعي الغيرة على الإسلام والعمل بالسنة - أمام تعصب جديد وصوفية حديثة نقدم أذواقنا وعاداتنا ونتعصب لها على هديه صلى الله عليه وسلم وأمره دون أن يكون لنافي ذلك قدوة فيمن سلف من إمام يوثق بعلمه وذوقه!
-
قرأت منذ بضعة أيام كتاب "الإسلام المصفى" ١ لأحد الكتاب الغيورين
ج ١ ص ٧٩على الإسلام - كما يبدو ذلك من كتابه - والحريصين على بقائه نقيا سليما كما كان في عهده صلى الله عليه وسلم فإذا به يقول - بعد أن ساق أحاديث صحيحة في الأمر بإعفاء اللحية مخالفة للمشركين - ما نصه:
"والأمر بإعفائها لم يكن إلا من قبل الندب وشأنها شأن كل المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام ولا يفرضها على أتباعه بل يتركها لأذواقهم وما تتطلبه بيئاتهم وعصورهم" !
-
فانظر لهذا الغيور على أحكام الإسلام كيف مهد لنسف الأمر بإعفاء اللحية بأن حمل الأمر بها على الندب أولا ثم زعم أن الإسلام ترك هذا الأمر المندوب لأذواق المسلمين وبيئاتهم فإذا استذوقوه فعلوه لا لأنه أمر به صلى الله عليه وسلم بل لأنه موافق
ج ١ ص ٨٠لذوقهم وعصرهم وإن لم يستذوقوه تركوه غير مبالين بمخالفتهم لأمره صلى الله عليه وسلم ولو فرض أنه للندب!
-
وإني لأخشى أن يكون رأي المؤلف قريبا من هذا وإلا فما باله لم يتعرض لبيان حكم الإعفاء مع كثرة النصوص التي تتعلق به كما يأتي بيانه بينما نراه قد جزم ببيان حكم الختان مع أنه لا نص فيه كما أشار إليه فيما تقدم مع الرد عليه اللهم إلا تعليقه على قوله صلى الله عليه وسلم: "وفروا اللحى ... " :
"حمل الفقهاء هذا الأمر على الوجوب وقالوا بحرمة حلق اللحية ... " فإنه ليس صريحا في التعبير عن رأيه الشخصي وبخاصة أنه يعلم أن مخالفة الإعفاء أكثر وأظهر من مخالفة الختان فإن كثيرا من خاصة العلماء والشيوخ قد ابتلوا بالوقوع فيها بل وبالتزين والتجمل بها بل إن بعضهم قد يتجرأ على الإفتاء بجواز حلقها ولاسيما في مصر التي يعيش فيها السيد سابق والأستاذ السمان فهذا وحده كان كافيا في أن يحمله على بيان حكم هذه المخالفة ولذلك فإني أهتبل هذه الفرصة لأبين حكم الشرع فيها وأستحسن أن يكون ذلك بالرد على تلك الفقرة التي نقلتها عن كتاب "الإسلام المصفى" لشديد صلتها بالموضوع فأقول:
أولا: ذكر أن الأمر بإعفاء اللحية للندب وقد سمعنا هذا كثيرا من غيره وإبطالا لهذه الدعوى أقول:
هذا خلاف ما تقرر في "علم الأصول" : أن الأصل في أوامره صلى الله عليه وسلم الوجوب لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وغيره من الأدلة التي لا مجال لذكرها الآن والخروج عن هذا الأصل لا يجوز إلا بدليل صحيح تقوم به الحجة وحضرة الكاتب لم يأت بأي دليل يسوغ
ج ١ ص ٨١له خروجه عن هذا الأصل في هذه المسألة اللهم إلا ادعاؤه أن الإسلام لا يهتم بكل المظاهر الشكلية ... ومع أنها دعوى عارية عن الدليل فإنها منقوضة أيضا بأحاديث كثيرة وهو في قولنا:
ثانيا: زعم أن كل المظاهر الشكلية لا يهتم بها الإسلام وأن اللحية منها. أقول: هذا الزعم باطل قطعا لا يشك فيه ذلك أي منصف متجرد عن اتباع الهوى بعد أن يقف على الأحاديث الآتية وكلها صحيحة:
١ - عن ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
-
٢ - عن عائشة أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط شعرها فأرادوا أن يصلوها فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة" .
-
٣ - عن ابن مسعود مرفوعا: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" .
-
٤ - عن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما" .
-
أخرج هذه الأحاديث الشيخان في "صحيحيهما " : إلا الأخير منها فتفرد به مسلم وهي مخرجة في "آداب الزفاف" و "حجاب المرأة المسلمة" .
-
وفي الباب أحاديث كثيرة جدا وهى مادة كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية فليراجعه من شاء.
-
فهذه نصوص صريحة تبين أن الإسلام قد اهتم بالمظاهر الشكلية اهتماما
ج ١ ص ٨٢بالغا إلى درجة أنه لعن المخالف فيها فكيف يسوغ مع هذا أن يقال: إن كل المظاهر لا يهتم بها الإسلام ... ؟!
-
إن كان حضرة الكاتب لم يطلع عليها فهو في منتهى الغرابة إذ يجرؤ على الكتابة في هذه المسألة التي لها ما وراءها من الفروع الكثيرة لون أن يراجع ولو مصدرا واحدا من مصادر الإسلام الأساسية! وإن كان اطلع عليها فإني أخشى أن يكون جوابه عنها أنها لا توافق الذوق! أو يقول: لا يقرها المنطق! كما قال ذلك في مسألة نزول عيسى عليه السلام ص ٧٥ وحينئذ أعترف بأنه لا جواب إلا الشكوى إلى الله تعالى ...
-
مما سبق من النصوص يمكن للمسلم الذي لم تفسد فطرته أن يأخذ منها أدلة كثيرة قاطعة على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها:
أولا: أمر الشارع بإعفائها والأصل في الأمر الوجوب فثبت المدعى.
-
ثانيا: حرم تشبه الرجال بالنساء وحلق الرجل لحيته فيه تشبه بالنساء فيما هو من أظهر مظاهر أنوثتهن فثبت حرمة حلقها ولزم وجوب إعفائها.
-
ثالثا: لعن النامصة - وهي التي تنتف شعر حاجبيها أو غير بقصد التجميل - وعلل ذلك بأنه تغيير لخلق الله تعالى والذي يحلق لحيته إنما يفعل ذلك للحسن - زعم - وهو في ذلك يغير خلقة الله تعالى فهو في حكم النامصة تماما ولا فرق إلا في اللفظ ولا أعتقد أنه يوجد اليوم على وجه الأرض ظاهري يجمد على ظاهر اللفظ ولا يمعن النظر في المعنى المقصود منه ولاسيما إذا كان مقرونا بعلة يقتضي عدم الجمود عليه كقوله عليه السلام ههنا: " ... للحسن المغيرات خلق الله" .
-
وثمة دليل رابع وهو أنه صلى الله عليه وسلم جعل إعفاء اللحية من الفطرة كما جعل منها
ج ١ ص ٨٣قص الأظفار وحلق العانة وغير ذلك مما رواه مسلم في "صحيحه" ففيه رد صريح على الكاتب ومن ذهب مذهبه أن اللحية من أمور العادات التي يختلف الحكم فيها باختلاف الأزمان والعصور ذلك لأن الفطرة من الأمور التي لا تقبل شرعا التبدل مهما تبدلت الأعراف والعادات: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} ١.
-
فإن خولفنا في هذا أيضا فإني لا أستبعد أن يأتي يوم يوجد فيه من الشيوخ والكتاب المتأثرين بالجو الفاسد الذي يعيشون فيه وقد سرت فيه عادة إعفاء شعر العانة مكان حلقه وإعفاء اللحية وإطالة الأظافر كالوحوش لا أستبعد أن يأتي يوم يقول فيه بعض أولئك بجواز هذه الأمور المخالفة للفطرة بدعوى أن العصر الذي هم فيه يستذوقها ويستحسنها وأنها من المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام بل يتركها لأذواقهم يقولون هذا ولو كان من وراء ذلك ضياع الشخصية الإسلامية التي هي من مظاهر قوة الأمة فاللهم هداك.
-
قوله: "وكان بعضهم - يعني الصحابة - يخضب بالصفرة وبعضهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران وخضب جماعة منهم بالسواد" .
قلت: أما الصبغ بغير السواد فهو ثابت عنهم وهو الموافق لفعله صلى الله عليه وسلم وقوله.
-
وأما قوله: "وخضب جماعة منهم بالسواد" .
قلت: إن ثبت هذا عنهم فلا حجة في ذلك لأنه خلاف السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم فعلا وقولا وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} . ..الآية٢. ومن الثابت عن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر الصبغ
ج ١ ص ٨٤بالحناء والكتم كما تقدم فالأخذ به هو الواجب لموافقته للسنة دون فعل من خالفهما من الصحابة الذين أشار إليهم المؤلف ولا سيما وفي ثبوت ذلك عن بعضهم نظر كما تقدم عن ابن القيم رحمه الله تعالى ولذلك قال النووي في "المجموع" ١ / ٢٩٤:
"اتفقوا على ذم خضاب الرأس أو اللحية بالسواد وظاهر عبارات أصحابنا أنه مكروه كراهة تنزيه والصحيح بل الصواب أنه حرام وممن صرح بتحريمه صاحب " الحاوي " قال النووي: ودليل تحريمه حديث جابر ... " .
-
ثم ذكر حديثه الآتي في الكتاب بلفظ: "وجنبوه السواد" .
-
ولكن المؤلف - عفا الله عنا وعنه - تأوله تأويلا أبطل به دلالته ويأتي الرد عليه قريبا بإذنه عز وجل.
-
قوله: "ذكر الحافظ في " الفتح " عن ابن شهاب الزهري أنه قال: كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه حديدا فلما نفض الوجه والأسنان تركناه" .
-
فأقول: هذا إن ثبت إسناده إلى الزهري فلا حجة فيه لأنه مقطوع موقوف عليه ولو أنه رفعه لم يحتج به أيضا لأنه يكون مرسلا فالعجب من المؤلف كيف يتعلق بمثله ليرد دلالة حديث جابر الآتي بعد هذا إن شاء الله تعالى مع الرد عليه.
-
ولقد أفصح الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه "الحلال والحرام" عن الغرض من ذكره لهذا الأثر في كتابه فإنه استشهد به على أن الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: "وجنبوه السواد" خاص بالشيخ الكبير الذي عم الشيب رأسه ولحيته وقد رددت عليه في "غاية المرام" ص ٨٣ - ٨٤ فليراجعه من شاء.