المسألة الثانية: صيغة أفعل حقيقة في الوجوب
٩٣ فقرة، ج ٢ ص ١٨
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٢ ص ٣٠
فإن قلت: هذا الاحتمال وان كان على خلاف الأصل فهو قادح في القطع والمسألة قطعية.
قلت: أما من قال ان المسألة ظنية كأبي الحسين البصري وغيره فيجب بمنع كونها قطعية واما من قال بأنها قطعية فيجب بأن كل واحد مما يذكر من الأدلة وإن كان لا يفيد القطع لكن المجموع يفيده.
قال: الثالث: تارك المأمور به مخالف له كما أن الآتي به موافق على صدد العذاب لقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قيل الموافقة اعتقاد حقيقة الأمر والمخالفة اعتقاد فساده.
-
قلنا: ذلك دليل الأمر لأنه قبل الفاعل ضمير والذين مفعول.
-
قلنا: الإضمار خلاف الأصل ومع هذا فلا بد من مرجع قيل الذين يتسللون.
-
قلنا: هم المخالفون فكيف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم وإن سلم فيضيع قوله: {أَنْ تُصِيبَهُمْ} .
-
قيل: فليحذر لا يوجب.
-
قلنا: يحسن وهو دليل قيام المقتضى.
-
قيل: عن أمره لا يعم.
-
قلنا: عام لجواز الاستثناء.
-
الدليل الثالث: أن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف ذلك الأمر على صدد العذاب فبارك المأمور به على صدد العذاب إنما قلنا تارك المأمور به مخالف للأمر لأن موافقة الأمر هي الإيمان بمقتضى الأمر والمخالفة ضد
ج ٢ ص ٣١الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف وإنما قلنا مخالف الأمر على صدد العذاب لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ١ أمر مخالف الأمر بالحذر عن العذاب والحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتضى لوقوعه بدليل أنه يصح الأمر بالحذر عن الشيء بدون وجود المقتضى له ألا ترى أنه يقبح أن يقال لمن جلس تحت سقف قوي غير مائل إحذر أن يقع عليك ولا يقبح أن يقال ذلك لمن جلس تحت سقف مائل في معرض الوقوع وما ذلك إلا لأن المقتضي للوقوع قائم فيه فلولم يكن ترك المأمور به مقتضيا لوقوع العذاب لما حسن الأمر بالحذر عن العقاب ولا معنى لقولنا: إن الأمر يقتضي الوجوب إلا ذلك.
-
وفي هذا التقدير نظر سيأتي إن شاء الله تعالى.
- واعترض الخصم بأربعة اوجه:
-
أحدها: منع المقدمة الأولى أي لا نسلم ان موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه وإنما هي اعتقاد حقيقته كونه حقا مستوجب القبول فالمخالفة هي إنكار حقيقته يعني اعتقاد أنه فاسد.
-
قلنا: هذا ليس موافقة للأمر بل موافقة للدليل الدال على حقيقة ذلك الأمر وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول فاعتقاد حقية الأمر موافقة الدليل لا موافقة الأمر فإن موافقة الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه فإذا دل الدليل على حقية الأمر كان الاعتراف بحقيته مستلزما لتقرير مقتضى ذلك الدليل والأمر لما اقتضى دخول فعل المأمور به في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر دخوله وإدخاله في الوجود يقرر دخوله فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه.
-
وثانيها: منع المقدمة الثانية وتقريره لا نسلم أنه تعالى أمر المخالف بالحذر
ج ٢ ص ٣٢بل أمر بالحذر عن المخالف فيكون فاعل فليحذر ضميرا والذين في محل النصب بأنه مفعوله أجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن الإضمار خلاف الأصل.
-
والثاني: أن الضمير لا بد له من اسم ظاهر يعود إليه وهو مفقود هنا قال الخصم لما لا يعود على الذين يتسللون والتقدير فليحذر الذين يتسللون منكم لواذا عن الذين يخالفون عن أمره.
- أجاب المصنف عنه بوجهين:
-
أحدهما: أن الذين يتسللون هم المخالفون وذلك أن المخالفين لما ثقل عليهم المقام في المسجد وسماع الخطبة لاذوا بمن يستأذن للخروج حتى إذا أذن له خرجوا معه من غير إذن فنزل قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً} وإذا كان كذلك فلو أمر المتسللون بالحذر عن المخالفين لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم وذلك غير ممكن.
-
الثاني: انا ولو سلمنا ان مرجع الضمير الذين يتسللون كما ادعوه لكان أمرا للمتسللين بالحذر عن المخالفين ويصير تقدير الآية حينئذ فليحذر الذين يتسلون منكم لواذا الذين يخالفون عن أمره فيضيع إذ ذاك قوله: {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} لأن فاعل {فَلْيَحْذَرِ} حينئذ الضمير والذين مفعوله والحذر لا يتعدى إلى مفعولين حتى يكون ان تصيبهم مفعولا له ثانيا له فيصير حينئذ ضائعا لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده.
-
فإن قلت: لم لا يكون لأجله إذا الحذر لأجل إصابة الفتنة أو العذاب الأليم؟
قلت: لو كان كذلك لكان مجامعا للحذر لأن الفعل يجب ان يجامع علته واجتماعهما محال كذا أجاب به الشيرازي شارح الكتاب وقد قال الجاريردي الشارح أيضا يمكن ان يجاب عن قولهم:
أولا: ان الفاعل ضمير يعود على المتسللين بأنه لو كان كذلك لوجب اظهاره فيقال فليحذروا لأنه عائد على جمع.
- ج ٢ ص ٣٣
وثالثها: وهو اعتراض على المقدمة الثانية أيضا وتقريره سلمنا أن قوله فليحذر أمر المخالفين بالحذر وأنه لا ضمير في الآية لكن لم قلتم انه يوجب الحذر وهل غاية ذلك الا ورود الأمر به واقتضاء الأمر الوجوب هو محل النزاع والاستدلال بما ذكرتموه مصادرة على المطلوب.
-
أجاب: انا لا ندعي وجوب الحذر من قوله فليحذر وإنما ندعي أنه يفيد حسن الحذر عن مخالفة الأمر وحسن الحذر دليل على قيام المقتضى للوقوع في المحذور وإلا لكان الحذر عبثا ولقائل أن نقول قد يحسن الحذر مع التردد في قيام المقتضى لمجرد ذلك التردد عملا بالأحوط كالدائر بين أمرين يتردد في قيام اقتضاء أحدهما وقوع الضرر ولا يتوقع ضررا من الآخر فانه يحسن أن يحذر من الأول والأمر ستردد بين الوجوب وعدمه فيحسن التحذير منه ولو لمجرد التنازع في مقتضاه.
-
ورابعها: أنا سلمنا صحة ما ذكرتم من المقدمتين إلا أن قوله تعالى: {عَنْ أَمْرِهِ} في الآية المذكورة لفظ مجرد فيفيد أن أمرا واحدا للوجوب لا إن كل أمر للوجوب أجاب بأنه عام لجواز الاستثناء إذ يصح أن يقال ليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا في الأمر الفلاني ومعيار العموم جواز الاستثناء كما ستعرفه إن شاء الله تعالى هذا شرح ما في الكتاب.
-
وقد اعترض النقشواني على الاحتجاج بالآية فقال الأمر هنا بمعنى الشأن وهو الاجتماع على محاربة الكفار لأنه مذكور معرف بالإضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر قبل هذا منكرا في قوله تعالى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} وذلك الأمر هو الشأن وهو الاجتماع على المحاربة وهو الذي دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إليه وكان بعضهم يتسلل لواذا فأراد بالمخالفة ههنا الانحراف وهو التسلل لواذا في المعنى وإذا كان ذلك محمولا على الانحراف استقام دخول عن فيه فيقال انحراف عن كذا ولا يقال ترك عن كذا فإذا كان الأمر محمولا على الشأن والمخالفة على الانحراف لم يبق في الآية احتجاج على المقصود والإنصاف يوجب حمل الأمر والمخالفة على ما ذكرنا اتساقا للكلام ورعاية على أصول العربية.
ج ٢ ص ٣٤قال: الرابع: تارك المأمور به عاص لقوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} - {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} والعاصي يستحق النار لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} قيل: لو كان العصيان ترك الأمر لتكرر قوله: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} .
-
قلنا: الأول: ماض أو حال.
-
والثاني: مستقبل قيل: المراد الكفار بقرينة الخلود.
-
قلنا الخلود: المكث الطويل.
-
الدليل الرابع: تارك المأمور به عاص وكل عاص يستحق العقاب فتارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك.
-
بيان الأول: بقوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} ١ وقوله: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} ٢ وكذا قوله: {وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} ٣ وما قدمناه من شعر العرب.
-
وبيان الثاني بقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} ٤ ومن من صيغ العموم.
-
واعلم ان المصنف جعل الكبرى مهملة ان قال والعاصي يستحق النار فلم يسورها بكل وشرطها ان تكون كلية فالصواب في مصطلح القوم ان يقول وكل عاص كما أوردناه وبه عبر الإمام واعترض الخصم بوجهين:
أحدهما: أنا لا نعلم الصغرى وهي ان تارك المأمور به عاص وبيانه قوله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به لكان قوله: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} معناه انهم يفعلون ما يؤمرون وكان قوله ويفعلون ما يؤمرون تكريرا أجاب عنه بان التكرار إنما يلزم ان لو كان لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بالنسبة إلى زمان
ج ٢ ص ٣٥واحد وليس كذلك بل لا يعصون للزمان الماضي والحال لقرينة قوله ما أمرهم ويفعلون للمستقبل لقرينة قوله ما يؤمرون فتقدير الآية لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي والحال ويفعلون ما يأمرهم به في المستقبل هذا تقرير الاعتراض وجوابه وهنا مناقشتان:
إحداهما: في قوله: لو كان العصيان ترك الأمر وذلك لان النزاع إنما هو في ان تارك الأمر عاص أم لا لا في ان العصيان هل هو ترك الأمر أم لا وكيف يقال ذلك والعصيان قد يقع بترك الفعل الذي يجب اتباعه فكان الصواب ان يقول قيل لو كان تارك الأمر عاصيا.
-
والثانية: قوله معنى الآية لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي قال القرا في بعيد من جهة ان النحاة نصوا على ان لا لنفي المستقبل واستعمالهما بمعنى لم قليل مجاز فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي لا ايضا فكان الأحسن في الجواب ان يقال لا نسلم التكرار بل قال بعض العلماء: ان قوله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} إخبار عن الواقع منهم أي عدم المعصية دائما وقوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} إخبار عن سجياتهم التي طبعوا عليها يعني ان سجيتهم الطاعة فيكون أحدهما خبرا عن الواقع مهم والآخر خبر عن السجية التي فطروا عليها فلا تكرار والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة كقولهم زيد يعطي ويمنع ويصل ويقطع وقول خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر أي ذلك شانك في كل وقت وهو مجاز واحد في المضارع مشهور فيكون أولى من مجازين في الفعل والحرف وأحدهما قليل جدا.
-
الوجه الثاني: انا لا نسلم كلية المقدمة الثانية ونقول ليس المراد بقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} كل عاص بل للكفار فقط ويدل على ذلك قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} فان غير الكافر لا يخلد في النار أجاب عنه بأن الخلود في اللغة المكث الطويل الصادق على الدائم وغيره وليس هو الدائم فقط بل هو حقيقة في القدر المشترك حذرا من الاشتراك والمجاز.
- ج ٢ ص ٣٦
فان قلت فما تفعل في قوله أبدا.
قلت: لا ينافي إذ قد يطلق ويراد به المدة الطويلة كما في قوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} والكفار يتمنون الموت في جهنم الا ترى إلى قولهم فيها يا مالك ليقض علينا ربك ولقائل ان يقول أما تقسيم الخلود بالمكث الطويل بخلاف الغالب من استعمال الشرع وعلى اللفظ على الغالب أولا لا سيما وقد أردفه بقوله أبدا وقولكم أن أبدا قد يستعمل في الزمن الطويل قلنا صحيح ولكن قرينة اجتماعها مع الخلود ينفي ذلك هنا وإلا فكأنه قال قاطنين فيها مكثا طويلا زمنا طويلا فيكون قد قرر اللفظ لمجرد التأكيد الذي هو غير محتاج إليه هنا.
-
فإن قلت التأكيد لا بد منه على التقديرين لأنه إن أراد بالخلود الدائم كما ذكرتم فما أتى بقوله أبدا إلا للتأكيد.
قلت: التأكيد على تقدير إرادة الدائم مناسب مناسبة شديدة لأن المحكوم به أولا أعنى المكث الدائم شيء عظيم يليق بخطبة التأكيد فكان التأكيد دليلا على ما قلناه من أن المراد بالخلود الدائم للاحتجاج إلى التأكيد والحالة هذه ويدل ذلك أيضا من الآية قوله: {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} ولم يقل فإنه يدخل نار جهنم بل أتى بلام الاختصاص والملك بالموضوع للدوام والبقاء وصدر الجزاء بأن المؤكدة للجزاء حيث قال فان له ولم يقل فله ثم أكد ثانيا عند ختام ذكر الجزاء بقوله أبدا ولم يبق علينا إلا أن الدائم لا يستحقه غير الكافر والآية في المعاصي وهو أعم ألا أن يكون هذا العام قد أريد به الخاص وأما النقشواني فقال ليس العصيان عبارة عن ترك الأمر فقط بل عن ذلك مع زعم بطلان مقتضاه وهو ترجيح جانب العقب على الترك أو عدم الإيمان بمقتضاه وهو معنى قوله تعالى في الملائكة: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} أي يجزمون بمقتضاه ويمتثلون ويمتنع منهم عدم الإتيان بمقتضاه قال وكذلك في قوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} معناه ما ذكرنا لأن موسى عليه السلام يقول أزعمت أن ما أشرت به عليك وأمرتك به باطل غير سديد حتى تركته وأراد أن يعاقبه فكان جواب
ج ٢ ص ٣٧هارون عليه السلام بان تركي لم يكن بناء على زعم البطلان بل بناء على مصلحة أخرى ثم ان موسى عليه السلام لما سمع ذلك قبل معذرته وعلم انه ليس بعاص ما أمره مع انه كان تاركا لما أمره قال ولو كان العصيان باقيا لكان سبب العقارب باقيا ولما كان يمتنع عن عقابه بالقدر الذي ذكره قال وبهذا استحق العاصي الخلود في النار بهذه الآية وكان ضالا ضلالا مبينا بدليل قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} وترك المأمور به مع زعم بصحة مقتضاه لا يوجب ذلك هذا كلامه وهو مدخول أما قوله العصيان ترك الأمر مع زعم بطلان مقتضاه قلنا هذا خلاف الشائع الذائع في اللغة العربية ويلزم على هذا ان لا يطلق على من خالف أوامر الله ورسوله انه عاص ما لم ينضم إلى ذلك هذا القيد وهو واضح البطلان واما قوله: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ} فليس معناه الا انهم يمتثلون أوامره واما قضية هارون عليه السلام فهو لم يعص أخاه موسى عليه السلام وانما موسى استفهمه لما رآه لم يفعل ما أشار به كان يقول ما كان يمنعك من ذلك هل عصيت أمري فقال هارون لا ولكن المانع اني خشيت ان تقول فرقت بين بني إسرائيل فقبل موسى عليه السلام عذره وعلم أنه لم يعصه لا باعتقاده بطلان مقتضى أمره ولا بالمخالفة لأن أمره لم يكن مطلقا بل مقيدا بعدم المانع وإن لم يكن التقييد موجودا في اللفظ كما تقول لوكيلك اشتري اللحم ثم تقول ما منعك من شرائه هل عصيت أمري فيقول لك لا بل كان السوق غير قائم أو اللحم غير موجود والله اعلم.
قال: الخامس: أنه عليه السلام احتج لذم أبي سعيد الخدري على ترك استجابته وهو يصلي بقوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} .
-
الدليل الخامس: ما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا سعيد وهو في الصلاة فلم يجبه فقال: "ما منعك ان تجيب وقد سمعت الله يقول" {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} وهذا الاستفهام ليس على حقيقة لأنه عليه السلام كان يعلم أنه في الصلاة فدل على أنه لمجرد الذم والتوبيخ ولولا اقتضاء الامر للوجوب لما كان ذلك وقد وقع في الكتاب ان أبي سعيد
ج ٢ ص ٣٨هذا هو الخدري وكذا وقع في المحصول وغيره من كتب الأصول ظنا من مصنفها أنه لا أبو سعيد في الصحابة إلا الخدري وهذا الظن نشأ لهم من شهرة الخدري وعدم ظروف ذكر غيره على أسماعهم وأبو سعيد هذا إنما هو أبن المعلي وليس هو بخدري١ والقرافي رحمه الله نبه على ذلك ومن كتبه إستفدناه وهو صحيح وقد سألت شيخنا الحافظ الذهبي رحمه الله هل روى هذا الحديث من طريق الخدري في شيء من الكتب والأجزاء فقال لا ووقع الحديث في بعض الكتب منسوبا إلى أبي بن كعب وليس بجيد ايضا وقد نجزت الدلائل الخمس وهي إنما تفيد ثبوتها أن الأوامر الصادرة من الشارع للوجوب لأنها حقيقة الوجوب بأصل الوضع كما هو المدعي فلا بد من إقامة الدليل على أنها في اللغة كذلك لكن لما كان الغرض المهم معرفة مدلولان أوامر الشارع خص الاستدلال بها وقد قدمنا أن المختار عندنا ما ذهب إليه امام الحرمين وليس الشرح موضع تقريره والذب عنه.
- ج ٢ ص ٣٩
أدلة القائلين بالندب
قال: احتج المخالف بأن الفارق بين السؤال والندب هو الرتبة والسؤال للندب فكذا الأمر.
-
قلنا: السؤال وان لم يتحقق.
-
ذكر المصنف لبعض المخالفين دلائل.
-
أولها لأبى هاشم القائل بأن الأمر للندب لا جرم إن في بعض النسخ احتج أبو هشام لكن ذلك غير مستقيم لان الثالث والثاني عن أحد التقريرين كما سيأتي ان شاء الله تعالى لا تعلق لها لأبي هاشم وتقرير ما احتج به أبو هاشم أنه لا فرق بين السؤال والأمر إلا الرتبة فإن رتبة الأمر أعلى من رتبة السائل والسؤال للندب فكذلك الأمر لأن الأمر لو دل على شيء غير الندب من إيجاب أو غيره لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما نقوله.
-
هذا تقرير الاحتجاج يعبر بعض الشارحين بأن الأمر لو دل على الإيجاب وهي عبارة صحيحة في الرد على القائلين بالوجوب إلا أن أبا هاشم لم يأت بهذا الوجه لإبطال مذهب الوجوب بل لتقرير مذهبه فكان الأحسن أن يقال بأن الأمر لو دل على شيء غير الندب كما أوردناه ولا يخص الوجوب بالذكر.