مسألة: قد كان يجوز لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يحكم باجتهاده
١١ فقرة، ج ٢ ص ٥٠٧
- ج ٢ ص ٥٠٧
فيما لم يوح إليه فيه ذكره ابن بطة والقاضي وابن عقيل وأبو الخطاب وأومأ إليه أحمد وبه قالت الحنفية وأكثر الشافعية خلافا للمتكلمين من المعتزلة الجبائي وابنه وكثير من الشافعية وقد حكى الشافعي في أول رسالته فيه خلافا والأشعرية وأبى حفص العكبري من أصحابنا واحتج بقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ١ وبحديث ذكره وكذلك ذكر أنه لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقضى برأي واجتهاد هذا قول أهل الحق كافة انه لا يجوز أن يحكم ويقضى في دين الله إلا بوحي وأحسبه كلام أبي عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين وعن الشافعية كالمذهبين.
-
قال شيخنا قال ابن بطة فيما كتب به إلى أبن شاقلا في جوابات مسائل وقال والدليل على أن سنته وأوامره قد كان فيها بغير وحى وأنها كانت بآرائه
ج ٢ ص ٥٠٨واختياره أنه قد عوتب على بعضها ولو أمر بها لما عوتب عليها من ذلك حكمه في أسارى بدر وأخذه الفدية وإذنه في غزوة تبوك للمتخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له ومنه قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ١ فلو كان وحيا لم يشاور فيه.
-
قال القاضي وقد أومأ أحمد إلى صحة ما قاله أبو عبد الله بن بطة في رواية الميموني لما قيل له هاهنا قوم٢ يقولون ما كان في القرآن أخذنا به قال ففي القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إلا أني أوتيت الكتاب ومثله معه" وما علمهم بما أوتى.
-
وأما أبو حفص العكبري فإنه ذكر في باب التسعير قوله: "لا يسألني الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني الله بها" قال هذا يدل على أن كل سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فبأمر الله وبهذا نطق القرآن.
-
قلت كلام أحمد لا يدل إن دل إلا على القول الثاني لأنه استدل بقوله أوتيت الكتاب ومثله معه والذي أوتيه هو السنة فلم يكن عند أحمد شيء مجتهد فيه وإنما اجتهاده في الأمور الجزئية قولية أو عملية من باب تحقيق المناط وهذا لا خلاف فيه وقصة داود من هذا الباب ويجب الفرق بين الأحكام الكلية العامة وبين أحكامه الشخصية الخاصة.
-
وأستدل القاضي بالقياس على استدلاله بالظواهر والعموم والصواب أن يقال ان استدل بها على حكم عام فهو معصوم في ذلك وله اختصاص ليس لغيره وإن كان الاستدلال على حكم شخصي فلا فرق بينه وبين القياس وبالجملة القياس الذي نستفيد به الأحكام قطعي في حقه وظني فأما القطعي فجائز وأما الظني فهو محل التردد.
- فصل:
-
واختلف القائلون بجواز الحكم له بالاجتهاد في تطرق الخطأ عليه فيه فقال أصحابنا وذكره أبو الخطاب في مسألة تصويب المجتهدين وأكثر الشافعية وأهل الحديث يجوز ذلك لكن لا يقر عليه وسلم ابن عقيل وغيره امتناع الخطأ فيما أخبره به عن الله وفيما أجمعت الأمة عليه.
قال شيخنا قلت: هذا في الأمة مبنى على مسألة انقراض العصر وأما في التبليغ ففي جواز ما لا يقر عليه من ذلك خلاف معروف سببه حديث السهو قال الخطابي في معالم الحديث أكثر العلماء متفقون على أنه قد يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه وحى ولكنهم مجمعون على أن تقريره على الخطأ غير جائز وذكر ذلك عذرا لقول عمر في الكتاب الذي أراد أن يكتبه واستشهد بقوله: "إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما عبد لعنته أو سببته فأجعل ذلك له صلاة وزكاة" .
-
ومن ذلك مراجعته في بعض الأمر حتى يعزم عليه فحينئذ لم يكن له أن يراجع وقال بعض الشافعية هو معصوم عن الخطأ ولا يجوز عليه وكذلك قال أبو الخطاب ان حكمه أن يصير معصوما بعصمته وإن صدر عن الظن كالإجماع ثم ذكر أنه إذا أقر عليه لم يكون إلا صوابا.
-
قال القاضي في ضمن مسألة تصويب المجتهدين لما احتج بقصة داود فإن قيل كيف يقع الخطأ على الأنبياء قيل يجوز عليهم كما يجوز على غيرهم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أنسى لا سن وإنما الفرق بيننا وبينهم أنهم لا يقرون على الخطأ ونحن نقر عليه" .
-
ثم قال في مسألة اجتهاده لما احتج المخالف بأن الاجتهاد يؤدى إلى غلبة الظن وهو قادر على الحكم بالعلم من طريق الوحي فقال الجواب أن النص من الله
ج ٢ ص ٥١٠مفقود في الحال وعلى أنه معصوم في اجتهاده كالأمة فلا يقول أن طريقه غلبة الظن واحتج بأن من رد قوله كفر خلو جاز أن يحكم بالاجتهاد لم يجز تكفيره لأن الاجتهاد حكم من طريق الظن وهذا لا يجوز تكفيره لإجماع المسلمين على عدم تكفيره والجواب أنه يكفر بكونه مكذبا للرسول في خبره وقولهم إن الاجتهاد يؤدى إلى غالب الظن فلا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في اجتهاده من الخطأ والزلل مقطوع بإصابته الحق ودرك الصواب وكذلك في مسألة انقراض العصر في أسئلة المخالف إن الرسول لا يرجع عما كان عليه لأنه يبين له الخطأ وإنما يرجع بأن يقول كنت على الصواب ولكن قد نسخ عنى ذلك وأمرت بغيره وليس كذلك المجمعون لأنهم يرجعون عما كانوا عليه لأنه قد تبين لهم الخطأ فيما كانوا عليه ولم يمنع القاضي ذلك.