مسألة: قال أبو الخطاب في نسخ: ما ثبت بالقياس

٥ فقرات، ج ١ ص ٢١٦

  1. إن كان ثبوته بعلة منصوص عليها أو منبه عليها مثل أن ينص على تحريم البر لعلة الكيل ويتعبد بالقياس عليه ثم ينص بعده على إباحته في الأرز ويمنع من قياس البر عليه كان نسخا فأما ما ثبت بقياس مستنبط فلا يصح نسخه ومتى وجدنا نصا بخلافه وجب المصير إليه وتبينا به فساد القياس هذا معنى كلامه وعندي في تقييده أولا نظر [وقال المقدسي ما يثبت بالقياس إن كان منصوصا على علته فهو كالنص ينسخ وينسخ به وإن لم يكن منصوصا على علته لم ينسخ ولم ينسخ به] ٢.

    ج ١ ص ٢١٦
  2. وشذت طائفة فأجازته والذي ذكره القاضي أن القياس لا ينسخ ولا ينسخ به١ وقال الجوبني إذا ورد نص واستنبط منه قياس ثم نسخ النص تبعه القياس المستنبط وقال أبو حنيفة لا يبطل القياس ثم قال الجوبني: وعندي

    ج ١ ص ٢١٧أن المعنى المستنبط من الأصل إذا نسخ بقى معنى الأصل له فإن صح استدلال نظرنا فيه وإن لم يصح أبطلناه.

    وقال شيخنا: مسألة النسخ بالقياس لها صور:

    أحدها أن ينسخ حكم الأصل فيتبعه الفروع أولا أو يفصل بين العلة المنصوصة وغيرها.

  3. الثانية أن يكون حكم الأصل ثابتا ويجيء نص في الفرع يخالف موجب القياس فهل يكون ذلك نسخا لذلك الحكم الثابت بالقياس طريقة القاضي أن هذا لا يقع لأنه يقول ما دام حكم الأصل باقيا وجب بقاء حكم الفرع ولا يزول الفرع إلا بزوال أصله وقال غيره بل وجود النص يبين أن القياس فاسد لأن جواز استعماله موقوف على فقد النص فتكون العلة مخصوصة وقال أبو الخطاب وغيره إن كانت علة الأصل منصوصة كان نسخا.

  4. الثالثة أن يرد نص ثم يجيء بعد نص حكم فرعه يخالف الأول فهل ينسخ الأول بهذا القياس [١قال القاضي وابن عقيل وغيرهما لا ينسخ به] ١ بل يكون فاسدا وفي ضمن تعليله النص على العلة المنصوصة وقيل ينسخ بالقياس المنصوص على علته فالخلاف في العلة المنصوصة عند القاضي وابن عقيل لا ينسخ ولا ينسخ به وعند أبي٢ الخطاب ينسخ ولا ينسخ به وهل يشترط في النسخ به أن يمنع من القياس على الناسخ عند أبي الخطاب يشترط وعند صاحب المغنى ينسخ وينسخ.

    قال شيخنا: هذا الذي فهمته من النقل فليراجع وتعليل القاضي وغيره في مسألة نسخ المفهوم وغيرها يقتضى إجراءه مجرى المنصوص على علته كما قال صاحب

    ج ١ ص ٢١٨المغنى: وتحقيق الأمر في نسخ القياس أنه إن استقر حكم ثم جاء بعده نص يعارضه كان نسخا للقياس فقط [١سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة وإن لم يستقر حكمها كان مجيء النص دليلا على فساد القياس] ١ وهكذا القول في نسخ العموم والمفهوم وكل دليل ظني بقطعي أو بظني أرجح منه فإنه عند التعارض إما أن يرفع الحكم أو دلالة الدليل عليه فالأول هو النسخ الخاص والثاني من باب فوات الشرط أو وجود المانع ونسخ القياس المنصوص على علته يبنى على تخصيص العلة إن جوزنا تخصيصها فهي كنسخ اللفظ العام فيكون نسخ الفرع تخصيصا وإن لم نجوز تخصيصها فهو نسخ والذي ذكره أصحابنا والشافعية والمالكية عن الحنفية أنهم احتجوا بحديث الوضوء بالنبيذ فقيل لهم ذلك كان نيئا٢ وعندكم لا يجوز الوضوء بالنىء فقالوا إذا ثبت الوضوء بالنىء في ذلك الوقت ثبت الوضوء بالمطبوخ لأن أحدا لا يفرق بينهما في ذلك الوقت ثم نسخ النىء وبقى المطبوخ فقال أصحابنا وموافقوهم٣ إذا كان ثبوته بثبوته كان زواله بزواله.

    قال شيخنا قلت: الذي ذكره الحنفية جيد لو فرض أنه لم يحرم من الأنبذة إلا النىء وذلك لأنه على هذا التقرير جاز التوضؤ بهما إذ ذاك ثم صار الأصل حراما دون الفرع فالمعنى الناسخ اختص به الأصل دون الفرع وكذلك قولهم في مسألة التبييت في صوم عاشورا فإنه إذا ثبت أن صوما واجبا يجزيء بغير تبييت كان حكم سائر الصوم الواجب كذلك ثم نسخ الحكم في الأصل [٤وإنما هو لزوال وجوبه والتحقيق أن هذا ليس من باب نسخ الحكم في الأصل] ٤ وإنما هو من باب نسخ الأصل نفسه فإن الشارع تارة ينسخ الحكم مع بقاء الأصل

    ج ١ ص ٢١٩فهنا لا يقع ريب أن الفرع يتبعه وتارة يرفع الأصل فلا يلزم رفع الحكم بتقدير وجود الأصل والمسألة محتملة إذ لقائل أن يقول لو بقى الأصل فقد كان يبقى حكمه وقد لا يبقى ومن هذا الباب حديث معاذ إذا قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن الإمامة بهم.

  5. [شيخنا] فصل:١

    بيان الغاية المجهولة مثل التي في قوله: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} ٢ نسخ عند القاضي وغيره وقال الناسخ قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ٣ الآية قال: لأن هذه الغاية مشروطة في كل حكم [مطلق لأن غاية كل حكم] ٤ إلى موت المكلف أو إلى النسخ وكذلك ذكر في نسخا الأخف بالأثقل إن حد الزنا٥ في أول الإسلام كان الحبس ثم نسخ وجعل حد البكر الجلد والتغريب والثيب الجلد والرجم وكذلك قال القاضي: لما احتج اليهود بما حكوه عن موسى أنه قال: شريعتي مؤبدة ما دامت السموات والأرض فأجاب بالتكذيب وبجواب آخر وهو أنه لو ثبت لكان معناه إلا أن يدعو صادق إلى تركها وهو من ظهرت المعجزة على يده وثبتت نبوته بمثل ما ثبتت به نبوة موسى والخبر يجوز تخصيصه كما يجوز تخصيص الأمر والنهي.

    قال شيخنا رضى الله عنه قلت: وعلى هذا يستقيم أن شريعتنا ناسخة وهذا٦ قول أبي الحسين وغيره ثم ذكر القاضي [في مسألة نسخ القرآن بالسنة] أن

    ج ١ ص ٢٢٠الحبس من الآية لم ينسخ لا النسخ أن يرد لفظ عام يتوهم دوامه ثم يرد ما يرفع بعضه والآية لم ترد بالحبس على التأبيد وإنما وردت به إلى غاية هو أن يجعل الله لهن سبيلا فأثبت الغاية فوجب الحد بعد الغاية بالخبر ذكر ذلك في جواب من زعم أن بعض القرآن نسخ بالسنة كآية الوصية بقوله: "لا وصية لوارث" وآية حد الزنا من الحبس والأذى بقوله: "خذوا عنى" وقوله: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ١ بقتل ابن خطل٢ فقال القاضي الوصية منسوخة بآية المواريث وأجاب عن حد الزنا بما تقدم ذكره قال: وقد قيل انه في البكر منسوخ بقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ٣ وفي الثيب بآية الرجم التي نسخ رسمها وبقى حكمها وقوله: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} منسوخ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ٤.