مقدمة عمدة الطالب

٣٦٠ فقرة، ج ٢ ص ٢٣

الصفحة ٦ من ٩

  1. [الأحزاب: ٤٦] فهو دليلُهم في الدنيا، ودليلُهم في الآخرة إلى الجنَّة، ذكَره النيسابوريُّ (١) .

    ج ٢ ص ٦٣
  2. وأما وقوعُ الأحرفِ على الترتيبِ والشكلِ الخاصِّ، فقيل: لأنَّ اللهَ تعالى خلَق الخَلْق على صورةِ محمَّد ﷺ ، فالميمُ بصورةِ رأس الإنسانِ، والحاءُ بمنزلةِ اليَدَيْن، وباطنُ الحاءِ كالبطن، وظاهرُها كالظَّهْر، والميمُ مجتمعُ الأَليتين والمخرج، وطرفا الدالِ كالرِّجْلَين (٢) .

  3. وفي اسمِه عشرُ خصائصَ: أضاف اللهُ تعالى اسمَه إلى نفسِه. والثاني: خلَق الخَلْق على صورةِ اسمِه. والثالث: قرَنَ اسمَه مع اسمِه. الرابعُ: كتَب اسمَه على ساقِ العرْشِ، ويُروى أنَّ اللهَ تعالى لما خلَق العرشَ اضطربَ، فلما كتبَ عليه محمدًا، سكنَ، وفيه تنبيةٌ على أنَّ هذا المخلوقَ الأكبرَ لم يَسكُن حتى كُتب اسمُ هذا المكتوبِ الأكبرِ عليه. الخامس: اشتقاقُ اسمِه مِن اسمِه المحمودِ. السادس: جَرْيُ سفينةِ نوحٍ باسمِه. السابع: وافقَ اسمُه اسمَ اللهِ في عددِ الحروفِ. الثامن: سُخِّرت الشياطينُ لسليمانَ بذكر اسمِه. التاسع: تاب اللهُ على آدم باسمِه، قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] ورُوي أن آدمَ لما رأى اسمَ محمَّدٍ مكتوبًا في العرشِ، قال: اللهمَّ إنِّي أسألك بحقِّ محمدٍ أنْ تتوبَ عليَّ، فتاب عليه. والعاشر: كُني آدمُ بأبي محمَّد دونَ سائر أولادِه، فكُني بأشرفِ بَنيْه (٣) .

  4. وعلى آلِهِ

    لكثرةِ صفاتِه الجميلة.

    ج ٢ ص ٦٤
  5. (وعلى آله) أي: أتباعه على دينهِ

    (لكثرة صفاته الجميلة) قال الدَّنوشري: قال بعضُهم: لو قال: لكثرةِ حَمْدِ الناسِ له، لكان أحسنَ؛ لأنَّه المناسبُ لكونِه اسمَ مفعولٍ، وقد يُقال: مَن كثُرت خصالُه الحميدةُ، حُمد بها، فكثرةُ الصفاتِ الجميلةِ يَلزمها كثرةُ الحمدِ، ولا يَلزم مِن كثرةِ الحمدِ كثرةُ الصفاتِ الجميلةِ. ياسين.

  6. (وعلى آله) عطفٌ على الجارِّ والمجرورِ، لا على الجارِّ وحدَه؛ بدليل إعادتِه، ففي إعادتِه الإشارةُ إلى أنَّ الصلاةَ عليهم مطلوبةٌ بالنصِّ (١) ، بخلاف استحبابِها على الأصحابِ، فإنَّه بطريقِ الإلحاقِ بالأوَّل، ولهذا أسقطَها فيه، والرَّدُّ على الشيعةِ القائلينَ بمَنْعها، وأنَّه يَجبُ تركُ الفصلِ بينه وبين "آله" ويَنقلون في ذلك حديثًا موضوعًا (٢) ، وهي هنا مجرَّدة عن المضرَّة، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل: ٧٩] فَلا يَرد أنَّ الصلاةَ بمعنى الدعاءِ، وإذا استُعمل الدعاءُ مع كلمة "على" تكون للمضرَّة، مع أنّه يُمكن الفرقُ بين صلَّى عليه، ودعا عليه.

  7. هذا وكلمةُ "آلِه" اسمُ جمعٍ لا واحدَ له مِن لفظِه، واختُلف في أَلفه، منقولة عن هاءٍ أو

    ج ٢ ص ٦٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  8. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  9. عن واوٍ؟ قال ياسين بالأوَّل، وأصلُه عنده أهل، قُلبت الهاءُ همزةً، والهمزةُ ألفًا (١) ، لا يُقال: هلَّا قلبت الهاء ابتداءً ألفًا؛ لأنَّ قلبَها ألفًا لم يَجِئ في موضعٍ آخرَ حتى يقاس (٢) عليه، وأمَّا قَلْبُها همزةً، فشائعٌ، فإن قيل: القلبُ عندهم للتخفيف (٣) ، وفي قَلْب الهاءِ همزةً ثِقَلٌ؟.

  10. أُجيب: بأنَّه إنَّما قَلبوها همزةً؛ للتوصل إلى قَلْبها ألفًا، وهي أخفُّ، واستدلَّ لذلكَ بتصغيرِه على أهيل (٤) ؛ لأنَّ التصغيرَ يَرُدُّ الأشياءَ إلى أُصولها. وفي "القاموس" (٥) : إنَّ تصغيرَه أُهيل، وأويل. فلا دلالةَ في التصغيرِ على تعيينِ أحدِهما، كما هو المشهور.

  11. ونظَر فيه بعضُهم أيضًا بأنَّه يَجوز أنْ يكونَ أُهيل تصغير أهل لا آل، والدليلُ إذا طرقَه الاحتمالُ سقَط به الاستدلالُ؛ لما حكاه الكسائيُّ (٦) أنَّه سَمع أعرابيًا فصيحًا يقول: أَهل وأُهيل، وآل وأويل.

  12. أجاب شَنَواني (٧) : بأنَّ أئمَّة اللغةِ نَقلوا أنَّه تصغيرُ آل، ولعلهم فَهموا ذلك مِن كلامِ

    ج ٢ ص ٦٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  13. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  14. العربِ بقرائن، وهُم ثقاةٌ في النقلِ جدًّا، وانظر ثمرةَ الخلافِ مع بلوغِ ذلك للكسائي، وما ورَد عنه. ويُمكن أن يُقال: إنَّما اشتَهر عنه القولُ بـ: أويل، وإنْ كان يقولُ بـ: أُهيل أيضًا؛ لمخالفتِه لسيبويه في أُهيل (١) . فإن قيل: لو كان أوَلٌ أصلًا لآل، لنطَق به العربيُّ، فقال: وأوَلٌ وأُوَيلٌ؟.

  15. أُجيب: بأنَّه إنَّما لم يَنطق بذلكِ الأصلِ؛ لأنَّه مرفوضٌ في كلامِهم؛ لأنَّ كلَّ واوٍ متحركةٍ وَقعت إِثْرَ فتحةٍ، لا يُنطَق بها، فجاز أن يكونا عند الكسائيِّ [مادتين مختلفتين] (٢) ، كما قال الدمامينيُّ (٣) .

  16. وجاز أن يكون: "آل" له أَصلان: أهل وأول، فصُغِّر على أُهيل؛ باعتبارِ الأول، وعلى أُويل؛ باعتبار الثانى، وقال بالثاني الكسائيُّ، وأَصله عنده أول، من: آل يؤول إلى كذا، إذا رجَع إليه بقرابةٍ ونحوِها، تحرَّكت الواوُ وانفتحَ ما قبلها، قُلبت ألفًا، واستدلَّ بتصغيرِه على أُويل (٤) .

  17. فإن قيل: الاستدلالُ بالتصغيرِ فيه دَوْرٌ (٥) ؛ لأنَّ المصغَّر فرعُ المكبَّر، وقد توقَّف العِلْم بأصالة ذلك الحرفِ في المكبَّر على أصالته في المصغَّر؟.

    قلت: الجوابُ بمَنْع الدورِ؛ لأنَّ تقُّفَ الفرعيَّةِ على ما ذُكر توقُّفُ وجودٍ لا توقُّف عِلْم، وتوقُّف أصالةِ الحرتِ على ما ذُكر توقُّفُ عِلْم لا توقُّفُ وجودٍ، فلم تتَّحدْ جهةُ التوقُّف.

  18. وصَحْبِه

    (وصحبِه) اسم جمعٍ لصاحب

    لا يقال: اختصاصُهُ بأُولي الخطرِ والشرفِ يَمنع من التصغيرِ؛ لأنَّ المعتَبر فيه الشرفُ باعتبار المضافِ إليه دونَ ذواتِهم، ولو سَلِمَ، فالتحقيرُ باعتبارٍ لا يُنافي الخطَر باعتبارٍ آخَرَ، مع أنَّ الخطرَ والشرفَ تتفاوتُ مراتبُه بحسَب الإضافاتِ. وأيضًا فالتصغيرُ يكون للتعظيمِ وهو مخصوصٌ بالإضافةِ إلى المعارفِ الناطقةِ دون النكراتِ ودون الأَزمنة والأمكنةِ، يقال: آلُ فلانٍ، ولا يُقال: آلُ رجلٍ، ولا آلُ زمانِ كذا، ولا موضعِ كذا، كما يُقال: أَهلُ زمانِ كذا، وبلدِ كذا، ومخصوصٌ أيضًا بالإضافةِ إلى مَن له خطرٌ في الدِّينِ أو الدنيا مِن الذُّكور، فلا يُقال: آل الإسكاف والحائِكِ، وآل فاطمة، بخلافِ "أَهل" ، فإنَّه لَأعمّ مِن ذلك، وإنَّما قيل: آل فرعون؛ لتصوُّره بصورةِ الأَشراف، أو لأنَّ له شرفًا باعتبارِ الدنيا (١) . شَنَواني.

    ج ٢ ص ٦٧
  19. (وصحبه) بينَه وبينَ الآلِ -على المشهورِ- عمومٌ وخصوصٌ مِن وجهٍ، فالعطفُ مغايرٌ، يجتمعان في سيِّدنا الحسن والحسين، وينفردُ الصحب في سيِّدنا أبي بكر الصديق، وينفردُ "الآلُ" في الأَشراف الآن، وعلى إرادةِ جميع أمَّة الإجابةِ -على ما ذهبَ إليه إمامُنا ابنُ حنبلِ في مَقام الدعاءِ- فالعطفُ مِن عطفِ الخاصِّ على العامِّ (٢) ؛ لشرفِهم واستحقاقِهم مزيدَ الدعاءِ بكثرةِ نَقْلِهم الشرائعَ إلينا عن صاحبِ الشريعةِ، فلا جرم لهم الدعاءُ مرَّتين بالعمومِ والخصوص، وبهذا عُلم أن بينَ "الصَّحْبِ" و "الآلِ " [عمومًا وخصوصًا] (٣) مطلقًا.

  20. (اسمُ جمعٍ لصاحب) كَركْب اسمُ جمعٍ لراكبٍ؛ لأنَّ "فَعْلًا" ، ليس من أَبنبة الجمعِ، خلافًا لأبي الحسن الأخفش (٤) ، واسمُ الجمعِ: هو ما وُضع لمجموعِ الآحادِ دالَّا عليها

    ج ٢ ص ٦٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  21. بمعنى الصحابي، وهو مَن اجتمع بالنبيِّ ﷺ ولو لحظةً، وإن لم يَرَهُ ولم يرْوِ عنه، مؤمنًا

    دلالةَ المفرَدِ على جملةِ أجزاءِ مسمَّاه. والجمعُ: ما وُضع لمجموعِ الآحادِ المجتمعةِ دالًّا عليها دلالةَ تَكرارِ الواحدِ بالعطفِ. أشموني في خاتمة جمع التكسير (١) .

    (بمعنى الصحابي) أي: إنَّ "صاحبَ" ليس المرادُ به معناه الأَصلي مِن أنَّه مَن طالَتْ معاشرتُه واجتماعُه، وإنما المرادُ به الصَّحابيُّ الذي هو مَنِ اجتَمع … إلخ.

  22. (وهو) أي: الصَّحابيُّ في مَقامِ الدعاءِ، بأَنْ أُريد تعريفُ حقيقةِ الصحابيِّ، أي: مَن يصحُّ أَنْ يُطلَق عليه اسمُ الصحابيِّ، فلا حاجةَ إلى زيادةِ: وماتَ على ذلك، فكان الأوْلى زيادةُ: "وهو هنا" ، وإسقاط: وماتَ على ذلك.

  23. (مَن اجتمعَ) في تعبيرِه بـ: "اجتمعَ" إشعارٌ باشتراطِ اتِّصافه بالتمييزِ حين اللقاءِ، والمعتمدُ أنَّه لا يُشتَرط التمييزُ، فالأَولى أنْ يعبِّر بالنفي؛ لأنَّه أقلُّ إيهامًا مِن هذا، ودفَع ذلك الشارحُ بقولِه: "ولو لحظة" فَلَم تُشتَرط الإطالةُ في اجتماعِه بالمصطفى ﷺ ، هذا هو الصحيحُ مِن الخلافِ فيه، بخلافِ التابعيِّ وهو صاحبُ الصحابيِّ، فلا بُدَّ فيه من الطُّول من الأَخذِ.

  24. والفرقُ أنَّ (٢) الاجتماعَ به ﷺ ولو لحظةً يؤثِّر مِن النورِ القلبيِّ أضعافَ ما يُؤثِّرُه الاجتماعُ بالصحابيِّ، ولهذا كانَ الأعرابيُّ الجِلْفُ بمجرَّد اجتماعِه به ﷺ يَنطِق بالحكمةِ لوقتِه، ببركةِ طلْعتِه الشريفةِ ﷺ ، ومن ذلك كانت تربيتُه ﷺ للصَّحابةِ، فكانوا يستغنونَ برؤيةِ طلعتِه الشريفةِ عن كلِّ رياضةٍ ومجاهَدةٍ، ويَنتفعون بأنوارِ طَلعته السعيدةِ أكثرَ ما يَنتفعون بالأذكارِ في مدَّة مديدةٍ، ولهذا كانت درجةُ الصُّحبةِ لا تُضاهى، والمرادُ بالاجتماعِ المتعارَفُ، وهو: أن يكونَ بالأبدانِ في عالَم الدنيا لا ما وَقَع على سبيلِ خَرْقِ

    ج ٢ ص ٦٩وتابِعيهم أجمعِين.

  25. ومات مؤمنًا.

  26. (وتابعيهم) أي: تابعي الصَّحْب؛ يقال: تبعه -من بابَيْ ضَرَبَ وسَلِمَ- إذا مشى خلفَه، وهو اصطلاحًا: من اجتمع بالصحابي. والمراد هنا مَن اقتدى بهم في أقوالهِ وأفعالهِ إلى يوم القيامة (أجمعين) تأكيد للآلِ والصحبِ والتابعين؛ مفيدٌ للإحاطةِ (١) والشمولِ.

  27. العادة، فيَخرجُ اجتماع الأنبياءِ بهِ ﷺ ليلةَ الإسراءِ في السماءِ (٢) ، ورؤيتُه في المنامِ أو اليقظةِ بعدَ موتِه (٣) ، والملائكة تلكَ الليلة أو غيرِها.

  28. (ومات مؤمنًا) مفهومُه: أنَّه لو ارتدَّ أحدٌ مِن الصحابةِ ثُمَّ أسلم، ومات مؤمنًا، لم يَزُلْ عنه وصفُ الصُّحبةِ، وهو كذلك، على ما ذهبَ إليه المصنِّف في "شرحه للمنتهى" (٤) وهو مبنيٌّ على أنَّ إحباطَ العملِ بالرِّدَّة مشروطٌ بالموتِ على الكُفر، لا بمجرِّد الرِّدَّة؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الآية [٢١٧ من سورة البقرة] وهو أحدُ قوليْن في المسألةِ، والثاني: أنَّ الرِّدَّةَ تُحبِط العملَ بمجرَّدها.

  29. (والمراد) به (هنا) أي: والمرادُ بالتابعيَّ في مقامِ الدعاء.

  30. (مَن اقتدى بهم) أي: تَبعَ الصحابةَ.

  31. (في أقوالِه) الضميرُ راجعٌ لـ: "مَنْ" ، ولذا أَفرده.

  32. (مفيد للإحاطةِ والشُّمولِ) كان الأولى إسقاطُ: "مفيد" ؛ لأنَّ هذا توكيدٌ للإحاطةِ والشمولِ المستفادَيْن مِن "آله وصحبه" ؛ لأنَّ اسمَ الجمعِ المضاف يفيدُ العمومَ. أفاده ياسين.

  33. وبَعْدُ:
  34. (وبعدُ) كلمةٌ يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر،

    (وبعدُ) حاصلُ ما ذَكره الشارحُ أنَّه تكلَّم عليها مِن ثلاثةِ أوجهٍ: الأول: فيما تُستَعمل فيه: (يُؤتَى بها للانتقالِ مِن أسلوبٍ الى آخَرَ) أي: بعدَ ما تقدَّم مِن البسملةِ والحمدلةِ والصلاةِ على من ذُكر، فهذا مختصرٌ، فلا يَسوغُ الإتيانُ بها في أوَّل الكلامِ، أي: لا يَليقُ ولا يُستحسنُ، ولا في آخرِه، بل بين كلامَيْن متغايرَيْن، ثمَّ إذا كان بين الكلامَيْن تناسبٌ، سُمِّيَ الانتقالُ مِن الكلامِ الأوَّل للثاني تخلُّصًا (١) ، وإذا كان بينهما نَوعُ مناسبةٍ، سُمِّيَ ذلك الانتقالُ اقتضابًا قريبًا من التخلُّص، كما هنا، وإذا لم يكن بينهما مناسبةٌ أصلًا، سُمَّيَ اقتضابًا (٢) ، وهو القَطْعُ، سُمِّيَ بذلك؛ لأن المتكلِّمَ قطَعَ الكلامَ الأوَّلَ وأتى بكلامٍ آخرَ مغايرٍ للأوَّل.

  35. الثاني: في حُكمها: بأن الإتيان بها يُسَنُّ؛ للاقتداءِ، بالنبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه كان يَأتي بها في خُطَبه وكُتُبه، كلما ثبت في صحيح الأخبارِ عن الأئمة الأخيارِ، بل رواه عبد القادر الرُّهاويُّ (٣) عن أربعين صحابيًّا، لكن الثابت إنَّما هو إتيانُه بأصلِها وهو "أما بعد" على ما مَشى عليه الشارحُ. وأما "وبعد" فهل الإتيانُ بها سنَّة أيضًا قياسًا؛ لأنَّ ما ثبتَ للأصلِ يثبت لفرعهِ، أو اقتصارًا على ما ورَد، لكن أَتى ابنُ عبدِ الحقِّ كالشارحِ بما يَقتضي التفرقةَ بينهما، حيث

    ج ٢ ص ٧١. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  36. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  37. قال، عند قولِ شيخ الإسلامِ: وبعد: وأتى بها اقتداءً بغيرِه، وقد كان النبيُّ ﷺ يَأتي بأصلِها في خُطَبه، وهو: "أما بعد" ؟

  38. أُجيب: بأنَّ اقتصارَ بعضِ المصنِّفين كالمصنِّف على "وبعد" ؛ إمّا للاختصارِ، أو لأنَّهم فَهموا أنَّ المدارَ على لفظِ "بعد" لا على لفظِ "أما" ، فأَتوا بالواو مكانَها.

  39. واختُلف في أوَّل مَن تكلَّم بها؟ فقيل: قسُّ بنُ سَاعِدة (١) ، وقيل: يَعرُبُ بنُ قَحطانَ (٢) ، وقيل: إنَّها فصلُ الخطابِ الذي أُوتيَه داودُ (٣) ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] ، وقد نظم ذلك بعضُهم فقال:

    جَرى الخُلْف أمَّا بعد مَن كان قائِلًا … لها خمسُ أقوالٍ وداود أقربُ

    وكانت له فَصْلَ الخطابِ وبعدَه … فقُسٌّ فسحبانٌ فكعبٌ فيعربُ (٤)

  40. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٢ ص ٧٢