[الدليل الأول على تحريم قتال من لم يقاتل من الكفار]

١٢ فقرة، ج ١ ص ٩١

  1. فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} .

    ج ١ ص ٩١
  2. فَقَوْلُهُ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} تَعْلِيقٌ لِلْحُكْمِ بِكَوْنِهِمْ يُقَاتِلُوْنَنَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا عِلَّةَ الأَمْرِ بِالقِتَالِ (١) .

    ج ١ ص ٩٢ثُمَّ قَالَ: {وَلَا تَعْتَدُوا} ، والعُدْوَانُ: مُجَاوَزَةُ الحدِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِتَالَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنَا عُدْوَانٌ (١) ، ويدُلُّ عَلَيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا، فَدَلَّ عَلَى أنَّه لا يحوز الزِّيَادَة.

  3. وَقُوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} ، وَلم يَقُلْ: قَاتِلُوْهُمْ، أَمْرٌ بِقَتْلِ مَنْ وُجِدَ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ حَيثُ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَائِفَةٍ مُمتنِعَةٍ.

    ثُمَّ قَالَ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ، وَالْفِتنَةُ: أَنْ يُفْتَنَ المُسْلمُ

    ج ١ ص ٩٣عَنْ دِينِهِ، كما كَانَ المُشْرِكُوْن يَفْتِنُونَ مَنْ أَسْلَمَ عَنْ دِينِهِ (١) ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُوْنُ: إِذَا اعْتَدَوْا عَلَى المُسْلِمِين، وَكَانَ لهمْ سُلْطَانٌ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ قِتَالُهُمْ (٢) ، حَتَّى لا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ، حَتَّى لا يَفْتِنِوا مُسْلِمًا، وَهَذَا يَحْصُلُ بِعَجْزِهِمْ عَنْ القِتَالِ، وَلَمْ

    ج ١ ص ٩٤يَقُلْ: وَقَاتِلُوْهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوْا (١) .

  4. وقوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} ، وَهَذَا يَحْصُلُ إِذا ظهَرَتْ كَلِمَة الإِسلامِ، وَكَانَ حُكْمُ الله وَرَسوْلِهِ غَالِبًا، فَإِنَّه قَدْ صَارَ الدِّينُ للهِ.

  5. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أنَّا إِذَا قَاتَلْنَا أَهْلَ الكِتَاب، فَإِنَّا نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى لا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ، ويكُوْنَ الدِّينُ كُلُّهُ لله، وَهَذَا المَقْصُوْدُ يَحْصُلُ إَذَا أَدَّوا

    ج ١ ص ٩٥الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَكَانُوا صَاغِرِين (١) .

  6. وَقوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوْا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّي رَسُوْلُ الله، فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ عَصَمُوْا مِنِّي دِمَاءَهمْ وَأَمْوَالَهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" (٢) . هُوَ ذِكْرٌ لِلْغَايَةِ الَّتِي يُبَاحُ قِتَالُهُمْ إِلَيهَا، بِحَيثُ إِذَا فَعَلُوْهَا حَرُمَ قِتَالهمْ.

  7. وَالمَعْنَى: أَنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتَالِ إِلَّا إِلى هَذِهِ الغَايَةِ.

  8. ليسَ المُرَادُ: أَنِّي أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ كُلَّ أحَدٍ إِلَى هَذه الغَايَة (٣) ، فَإِنَّ

    ج ١ ص ٩٦هَذَا خِلافُ النَّصِّ والإِجْمَاعِ.

  9. فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا قَطٌ، بَلْ كَانَت سِيرتُهُ أَنَّ مَنْ سَالمَهُ لَمْ يُقَاتِلْهُ (١) .

  10. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ١ ص ٩٧
  11. وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ والإِجْمَاعِ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ والمَجُوْسِ إِذَا أَدَّوْا الجِزْيةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُوْنَ حَرُمَ قِتَالهمْ (١) .

    ج ١ ص ٩٨
  12. وَقَد اِدَّعَى طَائِفَةٌ أَنَّ هَذِهِ الآيةَ مَنْسُوْخَةٌ، يَعْنِي قَوْلَه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} .

    قَالَ أبوْ الفَرَجِ (٢) : اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ: هَلْ هَذِهِ الآيَة مَنْسُوْخَة أَمْ

    ج ١ ص ٩٩لا؟ عَلَى قَوْلَينِ: أَحَدُهُمَا: بِأَنَّهَا مَنْسُوْخَةٌ، واخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا القَوْل في المَنْسُوْخِ مِنْهَا عَلَى قَوْلَينِ:

    أَحَدُهُمَا: أنَّهُ أَوَّلُها، وَهُوَ قَولهُ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} .

    قَالُوْا: وَهَذَا يَقْتَضي أَنَّ القِتَالَ مُبَاحٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الكُفَّار، وَلا يُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَهَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} .