[معاهدة الكفار ومهادنتهم]
١١ فقرة، ج ١ ص ١٣٩
- ج ١ ص ١٣٩
ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى أَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَة، ثُمَّ قَالَ:
فَدَلَّتْ الآَيَاتُ عَلَى أَنَّ البَرَاءَةَ كَانَتْ إِلَى المُعَاهَدِينَ الَّذَينَ لَهُمْ عَهْدٌ مُطْلَقٌ غَيرُ مُؤَقَّتٍ، أَو كَانَ مُؤَقَّتًا وَلَمْ يُوَفُوا بِمُوجِبِه، بَلْ نَقَضُوهِ (١) .
- وَهُنَا لِلْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
-
قِيلَ: لا يَجُوزُ العَهْدُ المُطْلَقُ، كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ فِي قَولٍ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَهَؤُلاءِ يَقُولونَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلْيَهُودِ: "نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكَم اللهُ" (١) ؛ لأَنَّ الوَحَيَّ كَانَ يَنْزِلُ.
- ج ١ ص ١٤١
ثُمَّ العَهْدُ المُؤَقَّت قَدْ يَجُوزُ لِلإِمَامِ أَنْ يُنْقُضَهُ بِلا سَبِبٍ، كَمَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَؤُلاءِ قَدْ يَحْتَجُّون بِقَولِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَومٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} .
-
فَإِنَّ هَؤُلِاءِ عَهْدُهُمْ كَانَ مُوَقَّتًا، وَنَقَضَهُ (١) .
-
وَالثَّالثُ: وَهُوَ قَولُ الأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ المُطْلَقُ وَالمُؤَقَّتُ، وَأَنَّ المُؤَقَّتَ: لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَينِ يَجِبُ الوَفَاءُ بِه، مَا لَمْ يَنْقُضُهُ العَدَوُّ، وَلِمَا يَجِبُ من الوَفَاءُ بِسَائِرِ العُهُودِ اللَّازِمَة.
-
وَأَمَّا المُطْلَقُ: فَهُوَ عَقْدٌ جَائِزٌ، إِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْسَخْهُ، كَمَا فِي العُقُودِ الجَائِزَة، كَالوَكَالَة، وَالشَّرِكَة، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
-
وَهَذَا هُوَ القَولُ الآَخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ،
ج ١ ص ١٤٢وَالآَيَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا القَولِ.
-
فَإِنَّ اللهَ أَمَرَهُ بِنَبْذِ العُهُودِ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ إِلَى مُدَّةٍ، ثُمَّ وَفَّى بِمُوجَبِه، فَلَمْ يَتْرُكْ مَا أَوجَبَهُ العَهْدُ، فَلَمْ يَنْقُضْهُ شيئًا وَلَا أَعَانَ عَدُوًّا (١) .
-
وَأَمَّا قَولُهُ: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَومٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} . فَتِلْكَ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ، وَهِي مُتَقَدِّمَةٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي العُهُودِ المُطْلَقَةِ مَتَى خَافَ مِنْهُمْ خِيَانَةً، فَإِنَّهُ يَنْبِذ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ (٢) ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُمْ بَغْتَةً، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ آمِنُونَ.
- ج ١ ص ١٤٣
وَأَمَّا العُقُودُ اللَّازِمَة: هَلْ يَجُوزُ فَسْخُهَا بِمُجَرَّدِ خَوفِ الخِيَانَةِ؟ هَذَا فِيهِ قَولَان، وَالَأظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (١) ؛ لَأنَّ سُورَةَ بَرَاءَة تُوجِبُ الوَفَاء (٢) .