[الجزية تؤخذ من جميع الكفار]
٢١ فقرة، ج ١ ص ١٤٨
- ج ١ ص ١٤٨
ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَمْرَ المُشْرِكِينَ قَالَ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَومِ الْآخِرِ} الآية.
-
فَذَكَرَ قِتَالَ النَّصَارَى، وَتَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ لا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالحُكْمِ (١) ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قِتَالُ اليَهُودِ وَالمَجُوسِ بِالنَّصِ
ج ١ ص ١٤٩وَالإِجْمَاعِ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، وَهَذَا قَولُ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ (١) .
- ج ١ ص ١٥٠
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ لَهُ كِتَابٌ، وَأَنَّ المَجُوسَ لَهُمْ كِتَابُ مُبَدَّلٌ، أَو لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، وَآَنَّ آَيَةَ بَرَاءَة تَقْتَضِي التَّخْصِيص.
-
وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، وَلَمْ تَجُزْ مُعَاهَدَتُهُمْ بِلَا جِزْيَة، فَغَيرُهُمْ مِنَ الكُفَّارِ أَولَى، فَإِنَّ المُشْرِكِينَ وَالمَجُوسَ شَرٌّ مِنْهُمْ، وَاليَهُودَ أَشَدُّ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} .
-
فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ إِذَا كَانُوا مُتَحَارِبِينَ وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا الجِزَيَةَ، فَغَيرُهُمْ أَولَى (١) إِذَا كَانَ مُحَارِبًا أَنْ يُقَاتَلَ حَتَّى يُعْطِي الجِزْيَةَ.
- ج ١ ص ١٥١
وَعَلَى هَذَا حَدَيثُ بُرَيدَةَ بنِ الحَصَيبِ الأَسْلَمِي الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَو جَيشٍ أَوصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيَرًا. ثُمَّ قَالَ:
اُغْزُوا بِاسْمِ الله، فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اُغْزُوا، وَلَا تَغَلُّوا، ولَا تَغْدُرُوا، ولَا تُمثِّلِوا، ولَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ خِصَالٍ أَو خِلَالٍ: فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَأَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَأَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ.
-
ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى التَحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِين، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوا أَنْ يَتَحَوُّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ،
ج ١ ص ١٥٢يَجْرِي عَلَيهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةَ وَالفَيءِ شَيءٌ، إَلَّا أَنْ يجاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَلَهُمْ الجِزَيَةُ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ) (١) وَذَكَرَ الحدِيثَ.
-
وَلَمْ يَكُنْ فِي الحدِيثِ قِتَالُ مَصَافَّة، هَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - لَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَقِيَ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ تُقَاتِلُ مَصَافَّة (٢) ، وَإِنَّمَا لَجَأَ الْكُفَّارُ إِلَى حُصُونِهِمْ فَكَانُوا يُحْصَرُونَ، وَهُوَ المُحْصَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ.
-
وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ المَحْصُورَ:
ج ١ ص ١٥٣* إِمَّا أَنْ يُسْلِمَ وَيُهَاجِرَ.
-
* أَو يُسْلِمَ وَيَكُونُ أَعْرَابِيًّا غَيرَ مُهَاجِرٍ.
-
* أَو يُعْطِيَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُوَ صَاغِرٌ.
-
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنَ الثَّلَاثِ قُوتِلَ، وَبُرَيدَةُ مِمَّنْ ذَهَبَ مَعَ عَليٍّ إِلَى اليَمَنِ، وَعَلَيٌّ قَاتَلَ بِاليَمَنِ وَسبَى وَغَنِمَ، وَقَدِمَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الوَدَاع، فَلَمْ يُذْكَرْ فِي شَيءٍ مِنَ الأَحَادِيثِ أَنْ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ فِي أَخْذِ الجِزَيةِ بَينَ كِتَابِيٍّ وَغَيرِ كِتَابِيٍّ، وَلَا عَهِدَ ذلك إِلَى عَليٍّ وَمُعَاذٍ وَغَيرِهِمَا، مَعَ عِلْمِهِ بَأَنَّ اليَمَنَ فِيهِ مُشْرِكُونَ، وَفِيهِ أَهْلُ الكِتَابِ.
-
وَلمَّا أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَو عَدْله مَعَافِر (١) ، لَمْ يَذْكُرْ فَرْقًا.
-
وَالمَجُوسُ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ المُشْرِكِينَ لَيسَ لهمْ مَزِيَّة يُحْمَدُونَ بِهَا،
ج ١ ص ١٥٤وَالحدِيثُ الَّذِي يُرْوَى: "أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَاب فَرُفِعَ" (١) ، قَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ.
-
وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ: فَالعَرَبُ كَانُوا عَلَى دِينِ إبْرَاهِيم، فَلَّمَا صَارُوا مُشْرِكِينَ مَا بَقِي يَنْفَعُهُمْ أَجْدَادُهُمْ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الكِتَابِ لَو نبَذُوا التَّورَاةَ وَالإِنْجِيلَ لَكَانُوا كَغَيرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ (٢) .
- ج ١ ص ١٥٥
وَقَدْ بَيَّنَّا - فِي غَيرِ هَذَا المُوضِعِ - أَنَّ [دِينَ المَرْءِ] (١) يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ لَا بِأَجْدَادِهِ (٢) ، وَمَا ذُكِرَ فِي قَولِهِ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} يَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ
ج ١ ص ١٥٦أَولَادَ الأَنْصَارِ دَخَلُوا فِي اليَهُودِيَّةَ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَبْدِيلِ، وَلَعْلَّ فِيهِمْ مَنْ دَخَلَ فِيهَا بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وَقَدْ رُوِيَ: "أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ مَنْ دَخَلَ مَعَ النَّضِيرِ حِينَئِذٍ، وَكَانَ فِيهِمْ عَرَبٌ" ، وَمَعَ هَذَا فَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ الجَمِيعَ أَهْلَ كِتَابٍ، لَمْ يُحَرِّمْ ذَبِيحَةَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا استَحَلَّ قَتْلَهُ دُونَ مَنْ كَانَ أَجْدَادُهُ قَدْ دَخَلُوا فِي الدِّينِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ.
-
وَالَّذِينَ قَالُوا: (إِنَّ مَنْ دَخَلَ فِي أَهْلِ الكِتَابِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَا تُعْقَدْ لهُمْ ذِمَّةٌ وَلَا تُؤْكَلْ ذَبَائِحُهُمْ) بَنَوا ذَلِكَ عَلَى أَصْلَينِ ضَعِيفَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ العِبْرَةَ فِي الدِّينِ بِدِينِ الأَجْدَاد، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا خِلَافُ الكِتَابِ والسُّنَّة، وَخِلَافُ قَولِ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ: مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَغَيرِهِمْ (١) ، وَلَكِنْ هَذَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ،
ج ١ ص ١٥٧مُوَافَقَةً لِلشَّافِعِيِّ، وَأَخَذَهُ الشُّافِعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَدْ بَسَطْنَا الكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيرِ هَذَا المَوضِعِ (١) .
- ج ١ ص ١٥٨
وَالأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْ غَيرِ أَهْلِ الكِتَابِ، وَالنِّزَاعُ فِي هَذَا أَشْهَرُ، لَكِنْ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ أَيضًا عَلَى خِلَافِه، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ الكِتَابُ والسُّنَّةُ.
-
وَقَدْ تَتَبَّعْتُ مَا أَمْكَنَنَي فِي هَذِهِ المَسْأَلة، فَمَا وَجَدْتُ لَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشدِينَ الفَرْقَ فِي أَخْذِ الجِزْيَةِ بَينَ أَهْلِ الكِتَابِ وَغَيرِهِمْ.
-
وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قبْلَ نُزُولِ آَيَةِ الجِزْيَةِ كَانَ يُقِرُّ المُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الكِتَابِ بِلَا جِزْيَةٍ، كَمَا أَقَرَّ اليَهُودَ بِلَا جِزْيَةٍ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ إَلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَكَانَ ذَلِكَ لِحَاجَةِ المُسْلِمِينَ إِلَيهِمْ (١) ، وَلمَّا نَزَلَتْ آيَةُ
ج ١ ص ١٥٩الجِزْيَة كَانَ فِيهَا: أَنَّ المُحَارِبِينَ لا يُعْقَدْ لهمْ عَهْدٌ إِلَّا بِالصَّغَارِ وَالجِزْيَة، وَرُفِعَ بِذَلِكَ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْقِدُهُ لِأَهْلِ الكِتَابِ وَغَيرِهِمْ مِنَ العَهْدِ؛ لِكَونِ الإِسْلَامِ إِذْ ذَاكَ كَانَ ضَعِيفًا (١) .