[أصل الشرك في العالم]
٣٥ فقرة، ج ١ ص ١٦٤
- فَإِنَّ الشِّرْكَ أَصْلُهُ نَوعَانِ (١) :
-
شِرْكُ قَومِ نُوحٍ، وَكَانَ أَصْلُهُ تَعْظِيمَ الصَّالحِينَ المَوتَى وَقُبُورَهُمْ وَالعُكُوفَ عَلَيهَا، ثُمَّ صَوّرَوا تَماثِيلَهُمْ، ثُمَّ عَبَدُوهُمْ.
-
وَهَذَا النَّوعُ وَاقِعٌ فِي النَّصَارَى، وَلَكِنْ لَا يَصْنَعُونَ أَصْنَامًا
ج ١ ص ١٦٥مُجَسَّدَةً (١) ، بَلْ مَرْقُومَةً، فَإِنَّ الرُّومَ وَاليُونَانَ قَبْل أَنْ يَدْخُلَ إِلَيهِمْ التَّوحِيدُ ابْتَدَعُوا نَوعًا مِنَ الشِّرْكِ خَلَطُوهُ بِالتَّوحِيد، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية.
-
وَقَدْ وَقَعَ كَثِيرٌ مِنَ الضُّلَّالِ المُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِسْلَام في نَوعٍ مِنْ ذَلِكَ، مُضَاهَاةٍ لِلنَّصَارَى، وَصَارُوا يُصَلُّونَ إِلَى المَشْرِق، فَجَعَلُوا السُّجُودَ إِلَى جِهَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ بَدَلًا عَنِ (٢) السُّجُودِ لَهَا، وَأَينَ هَذَا مِنْ نَهْيِّ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّتَهُ عَنِ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْس، وَوَقْتَ
ج ١ ص ١٦٦غُرُوبِهَا لِئَلَّا يُشْبِهُوا مَنْ يَسْجُدُ لَهَا حِينَئِذٍ؟ ! .
-
وَكَذَلِكَ نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، يحذِّرُ أُمَّتَهُ مَا فَعَلُوا، لِئَلَّا يُشْبِهُوا مَنْ يَدْعُو أَهْلَ القُبُور، وَيَجْعَلَهُمْ شُفَعَاءَ يَسْتَشْفِعُ بِهِمْ وَقُرْبَانًا يَتَقَرَّبُ بِهِمْ، كَمَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى، فَنَهَاهُمْ عَنْ سَبَبِ الشِّرْكِ الَّذِي كَانَ فِي قَومِ إبْرَاهِيم عَنِ الشِّرْكِ الأَرْضِيِّ وَالسَّمَائِيِّ، سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ (١) .
- ج ١ ص ١٦٧
وَالمَجُوسُ مُشْرِكُونَ أَعْظَم مِنْ شِرْكِ النَّصَارَى، وَلِهَذَا كَانَ مَانِيُّ - الذي يَنتسِبُ إِلَيهِ المَانَوِيَّةُ - أَحْدَثَ دِينًا مُرَكَّبًا مِنْ دِينِ المَجُوسِ وَدَينِ النَّصَارَى، أَخَذَ عَنِ المَجُوسِ الأَصْلَينِ: النُّورَ وَالظُّلْمَةَ، وَخَلَطَهُ بِدِينِ النَّصَارَى، فَكَانَتِ المَانَوِيَّةُ أَكْفَرَ مِنْ النَّصَارَى، وَالعَرَبُ كَانَ شِرْكُهُمْ عِبَادَةَ الأَوثَانِ (١) .
-
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَير: "أَنَّ أَصْنَامَ قَومِ نُوحٍ صَارَتْ إِلَيهِمْ، وَهِي: وُدٌّ، وَسُوَاعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ،
ج ١ ص ١٦٨وَنَسْرٌ) (١) ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا قَومًا صَالحِينَ، وَكَانَ شِرْكُهُمْ مِنْ جِنْسِ شِرْكِ قَومِ نُوحٍ بِالصَّالحِين.
-
وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَ الأَصْنَامَ إِلَى مَكَّةَ: عَمْرُو بن لُحَيٍّ سَيدُ خُزَاعَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِين إبْرَاهِيم، نَقَلَ الأَصْنَامَ مِنَ الشَّامِ مِنْ أَرْضِ البَلْقَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: "رَأَيتُ عَمْرَو بنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ" ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الشِّرْكَ وَالتَّحَرِيمَ، فَحَرَّمَ (٢) السَّائِبَةَ وَالوَصِيلَةَ (٣) .
- ج ١ ص ١٦٩
وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ الَّلَات كَانَ يَلِتُّ السَّوِيقُ لأَهْلِ الطَّائِف، ثُمَّ عَبَدُوهُ، فَشِرْكُ العَرَبِ بِالأَصْنَامِ المَجْعُولَةِ تَمَاثِيل لِلصَّالحِينَ، وَمِنْهَا أَصْنَامٌ جُهِلَ أَهْلُهُا، لَكِنَّ الشِّرْكَ الغَالِبَ فِي أَرْضِ العَرَبِ كَانَ بِالأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ تَماثِيلَ لِلصَّالحِينَ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهِمْ صَنَمٌ مَشْهُورٌ بَأَنَّهُ طُلْسُمًا لِلشَّمْسِ أَو القَمَرِ أَو نَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ شرْكُ غَيرِهِمْ كَالكِلْدَانِيِينَ.
-
وَالمَجُوسُ شرْكُهُمْ كَانَ عِبَادَة الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالنَّاس، وَهَذَا أَعْظُمُ مِنْ عِبَادَةِ الصَّالحِينَ، فَإِنَّ عُبَّادَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالحِين يَجْعَلُونَهُمْ شُفَعَاءَ وَقُرْبَانًا، كَمَا كَانَتْ العَرَبُ تَقُولُ فِي أَوثَانِهَا.
-
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَطْلُبُونَ مِنَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالكَوَاكِبِ الأَفْعَالَ، ويعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مُدَبِّرَةٌ لِهَذَا العَالَم، وَلَا يَتَقَرَّبُونَ بِعِبَادَتِهَا إِلَى الله، وَلَا يَتَّخِذُونَهَا شُفَعَاءَ.
-
فَتبَيَّنَ: أَنَّ شرْكَ المَجُوسِ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ شرْكِ مُشْرِكِي العَرَب، وَكَانُوا يُعَادُونَ أَهْلَ الكِتَابِ كَالنَّصَارَى، وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ المَسِيح،
ج ١ ص ١٧٠وَلَا مُوسَى، وَلَا إبْرَاهِيم الخَلِيل.
-
وَكَانَ العَرَبُ (١) يُعَظِّمُونَ إبْرَاهِيم الخَلِيل، وَهمْ عَلَى بَقَايَا مِلَّتِه، مِثْل: حَجِّ البَيْتِ، وَالخِتَان، وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ ذَوَاتِ المَحَارِم، وَكَانُوا يُسَمَّونَ حُنَفَاء، لَكِنْ حُنَفَاءَ مُشْرِكِين، لَيسُوا حُنَفَاءَ مُخْلِصِينَ.
قَالَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ (٢) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يَحْيَى حَدَّثَنَا العَبَّاسُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيعٍ حَدَّثَنَا سعِيدُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: "الحَنِيفِيَّةُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، يَدْخُلُ فِيهَا تَحْرِيمُ الأُمَّهَات، وَالبَنَات، وَالخَالَات، وَالعَمَّات، وَمَا حَرَّمَ اللهُ، والخِتَان، فَكَانَتْ حَنِيفِيَّةً فِي الشِّرْك، كَانَوا أَهْلَ الشِّرْك، وَكَانُوا يحرِّمُونَ فِي شِرْكِهِمْ الأُمَّهَات، وَالبَنَات، والخَالَات، وَالعَمَّات، وَكَانُوا يَحُجُّونَ البَيتَ، وينْسُكُونَ المناسِكَ" .
- ج ١ ص ١٧١
فَاسْمُ الحُنَفَاءِ فِي الأَصْلِ: لَمِنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيم، وَهُمْ الصَّابِئُونَ الحُنَفَاءُ، مِثْل: أَولَادِ إسماعيل قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِمُ الشِّرْكَ، كَانُوا عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيم حُنَفَاءَ مُخْلِصِينَ، وَهُمْ مِنَ الصَّابِئِينَ الَّذِين أثْنَى اللهُ عَلَيهِمْ بِقَولِهِ (١) {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} الآية.
-
فَهَؤُلَاءِ الصَّابِئَةُ مِنَ الحُنَفَاءِ المُخْلِصِينَ، وَالصَّابِئُونَ المُشْرِكُونَ فَيهِمْ كَالَّذِين أَشْرَكُوا مِنَ الحُنَفَاء، كَمَا تَقَدَّمِ (٢) .
-
وَأَمَّا المَجُوسُ: فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيءٌ مِنْ آثَارِ الأَنْبِيَاء، بَلْ كَانُوا
ج ١ ص ١٧٢يَسْتَحِلُّونَ نِكَاحَ ذَوَاتِ المَحَارِم، وَلِهَذَا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَيسُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، وَتَكَلَّمُوا فِي جُبْنِهِمْ لأَجْلِ الأَنْفِحَة، لأَنَّ ذَبَائِحَهُمْ كَذَبَائِحِ المُشْرِكِينَ، وَجُبْنُهُمْ كَجُبْنِ المُشْرِكِين؛ وَلِهَذَا لمَّا بَلَغَ أَحْمَدَ أَنَّ أَبَا ثَورٍ يجَعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، ويُبِيحُ ذَبَائِحَهُمْ دَعَا عَلَيهِ أَحْمَدُ، وَذَكَر إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ (١) .
- ج ١ ص ١٧٣
وَهَذَا القَولُ قَولٌ مُحْدَثٌ فِي الإِسلَام، وَهُوَ قُولُ أَبِي ثَورٍ، وَدَاوُد، وابنِ حَزْمٍ، وَحُكِيَ قَولًا لِلشَّافِعِيّ، وَجَعَلَ ابنُ حَزْمٍ نَبِيَّهُمْ زَرَادِشْت، وَاحَتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَليٍّ: "أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، فَلَمَّا استَحَلُّوا نِكَاحَ ذَوَاتِ المَحَارِمِ رُفِعَ ذَلِكَ الكِتَابُ" (١) .
-
وَالإِمَامُ أَحْمَدُ ضَعَّفَ هَذَا الحَدِيثَ، وَبِتَقْدِير صِحَّتِهِ فَإِذَا رُفِعَ الكِتَابُ، وَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَعْرِفُهُ، وَلَا هُمْ مُسْتَمْسِكِينَ بِشَيءٍ مِنْ شَرَائِعِهِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، وَلَمْ يَكُونُوا خَيرًا مِنَ العَرَبِ المُشْرِكَين، فَإْنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيم.
- ج ١ ص ١٧٤
ثُمَّ لمَّا بَدَّلُوهَا لَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا كَانُوا عَلَيهِ قَبْلُ مِنَ الشِّرْك، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا زَرَادِشْت نَبِيًّا صَادِقًا، بَلِ المَشْهُور عَنْهُ: أَنَّهُ مِنَ الكَذَّابِينَ (١) ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا} .
- ج ١ ص ١٧٥
والمَجُوسُ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الأُمَم، فَلَو أنزِلَ عَلِيهِمْ كِتَابٌ لَكَانَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَى ثَلاثِ طَوَائِف، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّما أُنْزِلَ عَلَى طَائِفَتَين، وَقَدْ احْتَجَّ بِهَذَا غَيرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَلَكِنْ إِنَّمَا وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِيهِمْ (١) لِطَائِفِةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْم، لمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ الجِزْيَة لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ - وَقَدْ أُخِذَتْ مِنْهُم بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعَ - صَارُوا:
تَارَةً يَقُولُونَ: لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ.
-
وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُمْ مختلَفٌ فِيهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ.
-
وَاحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ المَرْوِيِّ (٢) فِيهِمْ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ
ج ١ ص ١٧٦الكِتَابِ" (١) .
-
وَهَذَا الحدِيثُ إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ جَعْفَرًا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُوهُ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ الرَّحْمَن، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ لَفْظِهِ: فَهُوَ يَدَلُّ (٢) عَلَى أَنَّهُمْ لَيسُوا مِنْ أَهِل الكِتَاب، لَكِنِ المُرَادُ: أَنَّهُ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ
ج ١ ص ١٧٧الجِزَيةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (١) .
-
ثُمَّ تَخْصِيصُ أَهْلِ الكِتَابِ بِالذِّكْرِ فِي آَيَةِ الجِزْيَةِ:
فَهِمَ مِنْهُ طَائِفَةٌ: أَنَّ غَيرَهُمْ يُقَاتَلْ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَدَّى الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُوَ صَاغِرٌ.
-
وَفَهِمَ الأَكثرونَ مِنْهُ: أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَنْبِيهِ الخِطَابِ وَفَحْوَاهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ لَا يَجُوزُ مُهَادَنَتُهُمْ إِلَّا مَعَ الجِزْيَةِ والصَّغَار،
ج ١ ص ١٧٨فَغَيرُهُمْ أَولَى بِذَلِك (١) .
-
فَهُوَ نَهْيٌّ عَنْ مُهَادَنِةِ الكُفَّارِ بِغَيرِ جِزْيَةٍ وَصَغَارٍ، كَمَا كَانَ الأَمْرُ عَلَيهِ أَولًا فِي حَالَةِ ضَعْفِ الإِسْلَام، كَانَ يُهَادِنُ الكُفَّارَ مِنَ المُشْرِكِين وَأَهْلِ الكِتَابِ بِغَيرِ جِزْيَةٍ وَصَغَارٍ، وَأَهْلُ خَيبَرٍ - بَعْدَ فَتْحِهَا - أَقَرَّهُمْ فِيهَا بِغَيرِ جِزْيَةٍ، فَنَسَخَتْ آَيَةُ الجِزْيَةِ ذَلِك؛ وَلِهَذَا أَخَذَ الجِزَيَةَ مِنْ المَجُوسَ وَلَيسُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، وَهَذَا مَذْهَبُ الأَكثَرِينَ: أنَّهُ يَجُوزُ مُهَادَنَةُ جَمِيعِ الكُفَّارِ بِالجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ.
-
وَهَذَا يُنَاسِبُ (٢) الأَصْلَ الَّذِي قَالَ بِهِ الجُمْهُورُ، وَهُوَ: أَنَّهُ إَذَا كَانَ
ج ١ ص ١٧٩القِتَالُ لِأَجْلِ الحِرَابِ (١) ، فَكُلُّ مَنْ سَالَمَ وَلَمْ يحارِبْ لَا يُقَاتَلُ، سَوَاءٌ كَانَ كِتَابِيًّا أَو مُشْرِكًا، الجُمْهُورُ يَقُولونَ بِهَذَا، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيرِهِمَا.
-
ثُمَّ ذَكَرَ:
أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذِ الجِزْيَةَ مِنَ المَجَوسِ حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَر (٢) .
ثَمَّ قَالَ:
فَإِذَا عَرَفْتَ حَقِيقَةَ السُّنَّةِ: تَبَيَّنَ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُفَرِّقْ بَينَ عَرِبِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَأَنْ أَخْذَهُ لِلجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ كَانَ أَمْرًا ظَاهِرًا مَشْهُورًا، وَحَدِيثُ عَمْرِو بنِ عَوفٍ فِي قُدُومِ أَبِي عُبَيدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَينِ
ج ١ ص ١٨٠مَعْرُوفٌ فِي الصَّحِيحَينِ (١) ، وَمَا الَّذِي جَعَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ [بنَ عَوفٍ] أَعْلَمَ بِهَذَا مِنْ سَائِرِ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ كَانُوا أَعْلَم بِهَذَا مِنْهُ؟ مِثْل أَبِي عُبَيدَة الَّذِي هُوَ قَدِمَ بِالجِزْيَة، وَالأَنْصَارِ الَّذِين وَافَوهُ لمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِ المَالِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ بَسْطًا كَثِيرًا.
-
وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَنْسَى (٢) مَا وَقَعَ لَهُ، كَمَا نَسِيَ عُمَرُ مَا جَرَى لَهُ وَلعَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ (٣) ، وَقَدْ يَذْهَلُ عَنِ الآَيَةِ مِنَ القُرْآن، حَتَّى يُذَكَّرَ
ج ١ ص ١٨١بِهَا، كَمَا جَرَى لِعُمَرَ فِي الصَّدَاقِ (١) ، لمَّا أَرَادَ أَنْ يُقَدِّرَ أَكْثَرَهُ، وَيَجْعَلَ الزِّيَادَةَ فِي بَيتِ المَال، فَلَّما ذُكِّرَ بِقَولِهِ تَعَالَي: {وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ.
-
فَقَدْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن بن عَوفٍ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهَذَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ عَامَّةِ الصَّحَابَة، وَكَانَ فِي مَغِيبِ أَبِي عُبَيدَةَ أَو
ج ١ ص ١٨٢بَعْدَ مَوتِه، وَإِلَّا فَأَبُو عُبَيدَةَ هُوَ قَدِمَ بِالجِزْيَة، وَعُمَرُ كَانَ يُقَدِّمُهُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوفٍ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا أَمْر كَانَ مَعْرُوفًا فِي الصَّحَابَةِ.
-
وَتَوَقُفُ عُمَرَ فِي أَخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ أَوَّلًا؛ إِذْ كَانَ القُرْآنُ لَيسَ فِيهِ نَصٌّ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا النَّصُّ فِي أَهْلِ الكِتَاب، وَمنْ هُنَا حَصَلَ الاشْتِبَاهُ لِكَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ:
* فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لمَّا خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ (١) مِنْ غَيرِهِمْ، ثُمَّ اضطَرَبُوا فِي المَجُوسِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ مُشْرِكِيِّ العَرَب، بَلْ أَمَرَ بِقَتَالهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَه إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ الله، وَمَاتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا بِأَرْضِ العَرَبِ مُشْرِكٌ.
-
* وَأَمَّا جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَينَ المَجُوسِ وَبَينَ سَائِرِ المُشْرِكِين، وَهُمْ شَرٌّ مِنْ غَيرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ فَمِنْ
ج ١ ص ١٨٣غَيرِهِمْ بِطَرِيقِ الأَولَى.
-
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - خصَّ العَرَبَ بَأَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمْ، فَاسْتَثْنَاهُمْ، فَقَالَ: تُقْبَلُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، إِلَّا مِنْ مُشْرِكِيِّ العَرَبِ، كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ.
-
وَآخَرُونَ قَالُوا: لَا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ، وَمُشْرِكُوا العَرَبِ لا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، لَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُم إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ، وَهَذَا أَصَحُّ الأَقْوَالِ.
-
فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَخُصَّ العَرَبَ بِحُكْمٍ فِي الدِّين، لَا بِمَنْعِ الجِزْيَةِ، وَلَا مَنعْ الاسْتِرْقَاق، وَلَا تَقْدِيمِهِمْ فِي الأَمَان، وَلَا بِجْعَلِ غَيرِهُمْ لَيسَ كُفْوًا لهمْ في النِّكَاح، وَلَا بِحِلِّ مَا اسْتَطَابُوهُ دُونَ مَا اسْتَطَابَهُ غَيرُهُمْ؛ بَلْ إِنَّمَا عَلَّقَ الأَحْكَامَ بِالْأَسْمَاءِ المَذْكُورَةَ فِي القُرْآن، كَالمُؤْمِن، وَالكَافِر، وَالبَرّ، وَالفَاجِرِ (١) . إِلَى أَنْ قَالَ: