الفصل الأول: في التواتر
١٧ فقرة، ج ١ ص ٣٠١
- ج ١ ص ٣٠١
اعلم أن الأصل المستدل به: إما من الكتاب وإما من السنة.
-
فأما الكتاب فلابد من كونه متواترًا، فإن لم يكن متواترًا لم يكن قرآنا. فالاعتراض على من احتج بدليل يزعم أنه من القرآن ولم يكن متواترًا بإبطال كونه متواترًا.
-
فيقول أصحابنا: هذا باطل، لأنه لو كان قرآنا لكان متواترًا، وليس بمتواتر، فليس بقرأن.
-
والجواب عندهم: إن التواتر شرط في التلاوة لا شرط في الحكم، وقصد المستدل بهذا إثبات حكم الخمس لا إثبات تلاوتها، فهذا جواب الشافعية عن هذا الاعتراض.
-
ومن ذلك استدلال الحنفية على أن المكفر إذا حنث بالله فصيام ثلاثة أيام من شرطه أن تكون متتابعة، فإن فرقها لم تجزه لقراءة ابن
ج ١ ص ٣٠٤مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
-
فيقول أصحابنا: هذه الزيادة ليست من القرآن، فإنها غير متواترة، ومن شرط القرآن أن يكون متوترًا.
- ج ١ ص ٣٠٥
وكذلك احتجت الحنفيةعلى أن الفيئة في الإيلاء إنما محلها الأربعة الأشهر لا بعدها بقراءة أبي بن كعب، فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم، وأصحابنا يقولون: إنما الفيئة بعد تمام الأربعة الأشهر.
-
ويعترضون على الحنفية بأن تلك الزيادة التي في قراءة أبي بن كعب
ج ١ ص ٣٠٦ليست من القرآن، لأنها لم تتواتر، ومن شرط القرآن أن يكون متواترًا.
-
والجواب عندهم: أن هذه الزيادة إما أن تكون قرآنا أو خبرا، لأنه إن لم تكن واحدًا منها حرم على القاريء أن يقرأ بها لما في ذلك من التلبيس.
-
وإذا كانت إما قرآنا وإما خبرا وجب العمل به، والتواتر ليس بشرط في وجوب العمل بل في التلاوة كما تقدم.
-
وأما السنة: فإنه لا يشترط في الخبر المستدل به أن يكون متواترًا عند المحققين من الأصوليين، اللهم إلا أن يكون ذلك رافعًا لمقتضى القرآن بالقطع فإنه يجب حينئذ أن يكون الخبر متواترًا.
- ج ١ ص ٣٠٧
ومثال ذلك: ما يحتج به جمهور الأئمة، والرواية المعمول بها عن مالك عندنا في المسح على الخفين من الأخبار الواردة في ذلك عن
ج ١ ص ٣٠٨الصحابة قولا وفعلا، حتى نقل ذلك أصحاب المقالات عن سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
فيقول المخالف: هذه لكها أخبار آحاد فلا ترفع ما اقتضاه القرآن من اعتبار الرجلين في قوله تعالى: وأرجلكم.
-
والجواب عندهم: أن تلك الأخبار وإن لم يتواتر كل واحد منها بانفراده، فما تضمنه جميعا من جواز المسح على الخفين متواتر، وهذا هو المسمي بالتواتر المعنوي، كشجاعة علي وجود
ج ١ ص ٣٠٩حاتم إذ لم ينقل إلينا عن علي رضي الله عنه أو عن حاتم قضية معينة متواترة تقتضي الشجاعة أو السخاء.
-
وإنما نقلت وقائع متعددة كل واحد منها بخبر الواحد لكن
ج ١ ص ٣١٠تضمن جميعا معنى واحد مشتركًا بينها، وهو الشجاعة أو السخاء.
-
أو التواتر اللفظي فكالقرآن.