القول في الجهة الإجمالية
١٦ فقرة، ج ١ ص ٣١١
- ج ١ ص ٣١١
اعلم أن الأصوليين قد اختلفوا في قبول أخبار الآحاد جملة، فإذا استدل المستدل على حكم من الأحكام بخبر الآحاد، فإن للمعترض أن يمنع قبول أخبار الآحاد.
-
والجواب عن ذلك: ما ثبت في أصول الفقه.
- ج ١ ص ٣١٢
ومن ذلك: ما يعترض به في رد خبر معين، كما إذا احتج أصحابنا على اشتراط الولي في النكاح بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي» ، وعلى أن من مس ذكره انتقض وضوءه بقوله صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكره
ج ١ ص ٣١٣فليتوضأ»، وعلى أن النبيذ حرام، بقوله صلى الله عليه وسلم" «كل مسكر حرام» .
-
فيقول الحنفي - وهو المخالف في هذه المسائل الثلاث -: هذه
ج ١ ص ٣١٤الأحاديث لا تصح، فإن ابن معين قد قال: «ثلاثة لا يصح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء: «لا نكاح إلا بولي» ، و «من مس ذكره فليتوضأ» ، و «كل مسكر حرام» .
-
والجواب عندنا: أن مثل هذا لا يرد به الأحاديث إذا أتى على
ج ١ ص ٣١٥شروطه، لأن سبب الرد لم يبينه ابن معين، ولعل له فيه مذهبًا لا يساعد عليه.
-
ومن ذلك، اعتراض أصحاب أبي حنيفة بعدم التواتر فيما تعم به البلوى، فإن مذهبهم أن التواتر شرط فيما تعم به البلوى.
-
كما إذا احتج أصحابنا وأصحاب الشافعي على وجوب الوضوء من مس الذكر بحديث بسرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مس ذكره
ج ١ ص ٣١٦فليتوضأ».
-
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، وما تعم الحاجة إليه ينبغي أن يكثر ناقلوه ويتواتر، لعموم الحاجة إليه، فإذا لم يتواتر فهو باطل.
-
وكذلك إذا احتج أصحاب الشافعي وابن حبيب من أصحابنا على
ج ١ ص ٣١٧أن المتبايعين لهما الخيار في إمضاء البيع وفسخه ما داما في المجلس بقوله صلى الله عليه وسلم: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار» .
-
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، فلا يقبل.
-
والجواب عندنا وعند أصحاب الشافعي: أن خبر الواحد عندنا مقبول مطلقا كما تقرر في أصول الفقه، وإنما لم نقل نحن بالخيار لأن العمل عندنا مقدم.
-
ومن ذلك أن يطعن أحد من السلف في الخبر بأمر لا يتعلق بالرواية وإنما هو نظر عقلي قياسي.
- ج ١ ص ٣١٨
كما إذا احتج الجمهور على مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء بقوله صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا.
-
فيقول المخالف: (هذا الحديث قد أنكره ابن عباس،
ج ١ ص ٣١٩ولذلك لما بلغه وسمعه قال: (أرأيت لو كان توضأ في مهراس) .
- ج ١ ص ٣٢٠
وكذلك احتجاج أصحابنا وأصحاب الشافعي بحديث سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم
ج ١ ص ٣٢١حين أنكرت يهود: تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم، الحديث، فبدأ فيه بأيمان المدعين قبل أيمان المدعي عليهم، فيقول أصحاب أبي حنيفة، وهذا الحديث قد أنكره عمرو بن شعيب،
ج ١ ص ٣٢٢وقال: "ما هكذا الشأن، وما قال النبي صلى الله عليه وسلم احلفوا على ما لا علم لكم به، والجواب عندنا: أن الحديث لا يقدح فيه مخالفته للقياس إذا ورد على شروطه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مشرع للأحكام، ولعل ما اعتقده القادح فيه من المخالفة لا تتم، بل لذلك وجه.
-
فهذا ما يتعلق بالسند الآحادي من حيث الإجمال.