التأويل الأول: حمل اللفظ على مجازه لا على حقيقته
٣٨ فقرة، ج ١ ص ٥١٥
- ج ١ ص ٥١٥
وقد قدمنا أن الحقيقة لغوية وشرعية وعرفية، وفي مقابلة كل حقيقة مجاز.
-
أما المجاز اللغوي فمثاله: احتجاج أصحابنا على أن من وجد
ج ١ ص ٥١٦سلعته عند المفلس فهو أولى بها من سائر الغرماء، بقوله صلى الله عليه وسلم: أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه.
-
فتقول الحنفية: صاحب المتاع هو حقيقة فيمن المتاع بيده، وهو المفلس، ومجاز فيمن كانت بيده، لأن إطلاق اللفظ المشتق بعد ذهاب المعنى المشتق منه مجاز، ولذلك لم يطرد، ألا ترى أن من كان كافرا ثم أسلم فإنه لا يسمى كافرا، فدل على أن إطلاق اللفظ باعتبار الماضي مجاز.
- ج ١ ص ٥١٧
والجواب عند أصحابنا: أن الدليل دل على تعين المجاز، ألا ترى أنه لو أريد به المفلس لم يكن لاشتراط التلفليس معنى، ولقال: فهو أحق بمتاعه فلما أتي في الحديث بالظاهر دون المضمر دل أنه أراد به غير ما يراد بالمضمر.
-
وأما المجاز الشرعي، فمثاله: احتجاج الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا على ان الزنا يوجب حرمة المصاهرة، بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} فإن المراد به: ولا تطئوا من زني بها الأب، ومن زنى بها الأب، فهي موطوءة له، فوجب أن يحرم وطؤها، على الابن.
-
فيقول الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا: إنما المراد به العقد، لأن النكاح حقيقة شرعية فيه، ومجاز شرعي في الوطء.
-
والجواب عند الأولين: أن الوطء يتعين أن يكون هو المراد في الآية لقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} وذلك أن العرب كانت في
ج ١ ص ٥١٨الجاهلية تخلف الاباء في نسائهم، وإنما كانوا يخلفونهم في الوطء لا في العقد، لأنهم لم يكونوا يجددون عليهن عقدا، بل كانوا يأخذونهن بالإرث، ولذلك قال الله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} وأيضا فقد قال تعالى: {إنه كان فاحشة} والفاحشة: الوطء لا العقد
وأما المجاز العرفي: فمثاله: احتجاج المالكية على ان الظهار يلزم السيد في أمته، بقوله تعالى: {والذين يظهرون من نسائهم} الاية، والأمة من نسائنا.
- ج ١ ص ٥١٩
فتقول الشافعية والحنفية: هذا اللفظ، مخصوص في العرف بالزوجات، ولذلك قال تعالى: {قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} والمراد بنساء المؤمنين: الحرائر بالاتفاق.
-
وأيضا، فإن امرأة فلان، مخصوصة في العرف بزوجته، ولا يتناول في العرف أمته، ونساء المؤمنين، دال على مدلول جمع المرأة، وإن كان من غير لفظه، ولذلك استغني به عن جمع المرأة.
-
والجواب عند المالكية: إن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فكان مخصوصا بالزوجات، فلما نسخ ورجع إلي تحريم الاستمتاع، وكان الاستمتاع عاما في الزوجات، والاماء قبلت الأمة التحريم بالظهار، كما تقبله الزوجة، ولذلك كان التحريم عامًا في الحرائر والإماء.
-
[التأويل الثاني: الاشتراك]
-
وهذا في الحقيقة ليس بتأويل، لأن الاشتراك أقرب إلى
ج ١ ص ٥٢٠الإجمال، لكن إذا أثبت المستدل أن اللفظ حيقة في كل واحد من المعنيين اللذين يحتملهما اللفظ فله بعد ذلك أن يرجع أحد المحتملين بأدني مرجح، ويكفيه ذلك.
-
فأما إذا كان اللفظ مجازا في مراد المستدل، فلابد من بيان مرجح أقوي من الأصل المقتضى لإرادة الحقيقة، فلذلك يدخل في كلام المستدل وينتفع به.
-
ومثاله: احتجاج اصحابنا على العدة بالاطهار، لا بالحيض، بقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} والقرء مشترك بين الطهر والحيض لغة، لكن الأولى حمل الاية على الأطهار، لأنها محل الطلاق، فينبغي أن يحصل التريض المأمور به منهن، عقب الطلاق بدارا منهن إلى المأمور به، لا سيما وقد علق سبحانه التربص على الوصف المشتق، وهو قوله والمطلقات فكان مشعرا بكون الطلاق علة التربص، فإذا حملت الاية على الطهر اتصل المعلول بعلته، وإذا حملت على الحيض لم يتصل المعلول بعلته بل تتراخي عنها، واتصال المعلول بعلته أولى.
- ج ١ ص ٥٢١
فيقول الحنفية: ما ذكرتم لا يعارض الأصل المقتضي لإرادة الحيض، ولفظ القرء حقيقة في الحيض مجاز في الطهر، وذلك أن القرء أصله في اللغة: إما الجمع من قولهم: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته ومنه سمي القرآن قرآنا، ومنه قول الشاعر:
هجان اللون لم تقرأ جنينا
وإما الانتقال والتغيير من قولهم: قرأ النجم إذا طلع، وقرأ إذا غاب، فإن كان القرء مأخوذا من الاجتماع فزمان الحيض أولي به، لأنه زمان للقطرات المجتمعة بخلاف زمان الطهر، لأنه زمان خلو الدم.
-
وإن كان مأخوذا من الانتقال والتغيير، فزمان الانتقال من الحالة الأصلية إلى الحالة العارضة، أولى به من العكس، وهو الانتقال عن الطهر إلى الحيض، لا الانتقال عن الحيض إلى الطهر.
-
وأيضا، فالانتقال إلى الحيض أسبق الانتقالين، فكانت تسميته قرءا أرجح، وإذا كان كذلك فالأولى حمل لفظ القرء على الحيض لا على الطهر.
- ج ١ ص ٥٢٢
وأما قولكم: اتصال التربص بالطلاق أولى، قلنا لا يلزم ذلك، لأنه يقال للرجال: وقت الظهيرة تربص ثلاث ليال، ولا يقال: إن ذلك خروج عن ظاهر أو أصل.
-
والجواب عند أصحابنا: أن اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في المسألة - وهم أهل اللغة - دليل على كون اللفظ حقيقة في كل واحد من المعنييين لغة.
-
وأما قولكم: زمان الحيض أولى باسم القرء، لأنه زمان اجتماع الدم فباطل، بل زمان الطهر أولى به، لأنه في الحقيقة هو زمان اجتماع الدم في الرحم إلى أن يكثر، فيندفع فيخرج.
-
وأما إن أخذ من الانتقال فكذلك، لأنها لما طلقت في الطهر اعتدت بانتقالها الأول منه إلى الحيض فهو أسبق الانتقالين وأولادهما، إذ هو انتقال من الحالة الأصلية إلى الحالة العارضة، كما ذكرتم، ثم كذلك في الانتقال الثاني من الطهر إلى الحيض، ثم كذلك في الثالث، فتحل بدخول الحيض الثالثة لحصول ثلاثة انتقالات من حالة أصلية إلى حالة عارضة.
- ج ١ ص ٥٢٣
وإذا تساوى هذان الاحتمالان نقلا واعتبارا كفانا أدنى مرجح في ترجيح أحد المعنيين، وقد بيناه.
-
[التأويل الثالث: الإضمار]
-
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الجنب، لا يدخل السجد بقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل} ، والمراد: لا تقربوا مواضع الصلاة.
-
فيقول المخالف: هذا تقدير فيه الإضمار، والأصل عدمه.
-
والجواب عند أصحابنا: أنه لما استثي منه عابري السبيل، دل
ج ١ ص ٥٢٤على أن المراد موضع الصلاة، لا نفس الصلاة لاستحالة العبور في الصلاة نفسها.
-
فإن قيل: المراد بعابري سبيل: المسافرون، قلنا: العبور إنما يكون في المسافة القريبة، كما يقال: عبرت القنطرة، ولا يقال: عبرت ما بين إفريقية وخراسان.
-
التأويل الرابع الترادف.
-
ومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أنه لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة وإن دبغ بقوله صلى الله عليه وسلم، لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا
ج ١ ص ٥٢٥عصب.
-
فيقول المخالف من أصحابنا: إنما الإهاب مخصوص بما لم يدبغ، كما قال الجوهري، ولأنه لم يوضع للجلد غير المدبوغ اسم يخصه غير الإهاب، فلا يعرف إلا بتقييد الجلد ووصفه، فاستحق اسما موضوعا له للحاجة إلى ذلك، فإن جعلناه مرادفا للجلد لزم منه مخالفة، الأصل، وتخلف الوضع عن الحاجة التي هي علته، فكان خصوص الإهاب بالجلد غير المدبوغ أولى.
-
والجواب عند الأوليين: أن الخليل قد نقل أنه للجلد من غير أن
ج ١ ص ٥٢٦يقيده بأنه غير مدبوغ، وهو أعرف باللغة من الجوهري.
-
[التأويل الخامس: التأكيد]
-
ومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب مسح جميع الرأس، بقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} فإنه تعالى لو قال: وامسحوا رءوسكم لوجب فيه التعميم، فكذلك مع الباء لأن الباء لا تصلح أن تكون مانعة من التعميم، وإلا لما وجب التعميم في مسح الوجه في التيمم في قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم} وإذا لم تصلح الباء للمنع من التعميم وجب التعميم.
-
فتقول الشافعية: ومن وافقهم: لو كان التعميم واجبًا لم يكن
ج ١ ص ٥٢٧لذكر الباء معنى: لأن وجودها وعدمها حينئذ سواء.
-
فإن قلتم: إنها للتأكيد، قلنا: التأكيد على خلاف الأصل.
-
والجواب عند أصحابنا: أنها للتأكيد، لأنه نقل عن العرب زيادتها كثيرا للتأكيد، كقوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} أي إلحادا، وكذلك قوله تعالى: {وهزي إليك بجذع النخلة} أي جذع النخلة وحكى الفراء عن العرب أنها تقول: هزه وخزبه، وأخذ الخطام وأخذ به، ومديده ومد بيده، وتقول العرب: جسست صدره وبصدره ومسحت رأسه وبرأسه، ولما كانت في مسح
ج ١ ص ٥٢٨التيمم تأكيدًا بالاتفاق وجب أن تكون ها هنا كذلك
[التأويل السادس: التقديم والتأخير]
-
ومثاله: تأويل الحنفية قوله صلى الله عليه وسلم، لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، بأن فيه تقديمًا وتأخيرًا.
-
فيقول أصحابنا وغيرهم ممن احتج بهذا الحديث على جواز التكفير قبل الحنث: الأصل عدم التقديم والتأخير، وبقاء الترتيب على